مستقبل الأحزاب السياسية في الجزائر-تجدد أو تبدد-

رابح لونيسي
lounici.rabah2008@yahoo.fr

2017 / 5 / 17


البروفسور رابح لونيسي
- جامعة وهران-


ألقى الشاعر الجزائري عمر أزراج في منتصف الثمانيينات قصيدة شعرية في تبسة ينتقد من خلالها الحزب الواحد المتمثل في جبهة التحرير الوطني صارخا في وجهه "تجدد أو تبدد"، وذلك بسب التكلس الذي أصابه، فأصبح عالة على الجزائر ومعرقل لأي تقدم وتطور، وكاد أن يلقى على أزراج القبض لولا تدخل سري من المرحوم عبدالحميد مهري الذي ساعده على الهروب إلى الخارج، ليستقر في بريطانيا آنذاك، لكن ما يؤسف له اليوم أن هذا التكلس والجمود والضعف أصاب أيضا أحزاب المعارضة في الجزائر بعد عقود من التعددية، وأصبح الشعب ينفر منها كما ينفر من أحزاب السلطة، ولو تملك أحزاب المعارضة القوة والسلطة، لقضت على كل من ينتقدها، فممارساتها اليوم لا تختلف عن ممارسات النظام في عهد الأحادية، فهي لا تقبل بأي نقد ذاتي من داخلها، بل تقمع كل مناضل يقوم بنقد الممارسات الإستبدادية والإستغلالية والإنتهازية بداخلها، فكما كان مثلا النظام الأحادي يتهم كل ناقد له بأنه عميل للأمبريالية وغيرها، فهذه الأحزاب أيضا تتهم كل ناقد لممارساتها بأنه عميل للنظام حتى ولو كان معروف بمعارضته الشديدة لهذا الأخير.
أعتقد أن ما يحدث في الجزائر اليوم لايعود إلى قوة السلطة، بل الأحزاب التي تدعي المعارضة هي الضعيفة جدا، فهذه الأحزاب في تقهقر متواصل لأنها يسيطر عليها الإنتهازيون والوصوليون والمال الفاسد والرداءة، ويقوم هؤلاء بدفع الأكفاء إلى الإنسحاب بأساليب لا أخلاقية ودنيئة، والدليل ما وقع في أغلب الأحزاب من إستقالة نخب سياسية بداخلها تتميز بكفاءة نسبية مقارنة بالسائدة فيها اليوم، فلا يمكن إقامة ديمقراطية حقيقية في الجزائر إلا بعد دمقرطة الأحزاب التي تدعي المعارضة وتحريرها من هؤلاء المسيطرين عليها اليوم، فيجب على كل النخب السياسية التي أنسحبت من هذه الأحزاب من قبل للعودة إلى مواقعها، والتي يجب أن يدعمها إنخراط قوي للمثقفين والأكفاء والنزهاء في هذه الأحزاب بهدف تحريرها من كل هؤلاء الذين يساهمون في إستمرار نظام الإستبداد بممارساتهم وسلوكاتهم.
أن أمام أحزاب المعارضة بكل توجهاتها اليوم في الجزائر ثلاث سيناريوهات:
السيناريو الأول: يتمثل في إستمرار الوضع على حاله، فتزداد ضعفا وتآكلا، خاصة بعد فقدان الثقة الشعبية فيها بسبب خطابها الضحل والضعيف جدا والغير المؤثر في الجزائريين، بل الكثير من الجزائريين أكتشفوا إنتهازية ووصولية الكثير من قياداتها ومناضليها، وعادة ماتفضحها السلطة يوميا، خاصة عندما تعرض عليها المشاركة في الحكومة، فيسارع الكثير منهم إلى الترحيب بذلك، فتلتهمهم السلطة، فينقلبون عن مواقفهم القديمة، ويصبحون أشد المدافعين عنها وعن سياساتها، فيظهرون أمام الشعب أنهم مجرد إنتهازيين، فيبتعد الشعب عنها نهائيا، ويتهم الجميع بالبحث عن مصالحهم فقط، كما تزاداد الحزاب ضعفا بحكم أنها لا تمارس سياسة دولة بقدر ما تمارس سياسات سياسوية داخلية بين مختلف المتصارعين بداخلها، فليس صحيح ما يقال أن السلطة هي التي تتدخل في إنشقاقاتها، بل الأصح هو القول أن السلطة تستغل صراعاتها وإنشقاقاتها الداخلية لتزيدها ضعفا فوق ضعف، ويعود ذلك إلى أن هذه الأحزاب لا تمتلك آليات ديمقراطية لتسيير خلافاتها وتناقضاتها الداخلية، مما يؤدي إلى إنسحاب يومي للمناضلين الذين إما يستقيلون من الحياة السياسية أو ينشأون أحزابا أخرىن سيكون هدفها للأسف هو تحطيم حزبها القديم التي خرجت منه، وإذا استمر الوضع على هذا الحال ستزول الأحزاب القائمة نهائيا من الخريطة السياسية، وسيكون ذلك خطرا كبير على الجزائر، فالأحزاب ضعيفة وفي تآكل يومي، وكذلك السلطة ضعيفة وفي تآكل يومي، وأصبحت الدولة تحت سيطرة المال الفاسد، وهو ما ينذر بالفوضى في حالة إندلاع غضب إجتماعي بسبب السياسات الناتجة عن هذا الضعف وسيطرة الأوليغارشية المالية على دواليب الدولة، ففي حالة غضب إجتماعي لن يجد الجزائريون من يلجم الشارع ويؤطره، فتنهار الدولة نهائيا، خاصة إذا مس الضعف أيضا المؤسسات الأمنية والعسكرية، ولهذا يجب على كل وطني يعي الأخطار المحدقة اليوم بالدولة الوطنية الجزائرية أن يدعم هذه المؤسسات الأمنية والعسكرية والحفاظ على تماسكها وإنضباطها، لأن ذلك هو الذي سيسمح بإعادة بناء الدولة من جديد في حالة نشوب فوضى نتيجة فشل السياسيين.

السيناريو الثاني: يتمثل في سعي الأحزاب القائمة إلى تجديد نفسها وخطابها، وذلك بالسماح للمناضلين القدماء بالعودة إليها، وقد أثبت هؤلاء المناضلين جدارتهم وكفاءتهم وإخلاصهم بعد عام 1988، فقد أعطوا حركية للحياة السياسية، لكنهم لم يصمدو امام رداءة وإنتهازية كانت تطردهم من الداخل كي تستحوذ على النفوذ بداخل هذه الأحزاب، فبعودة هؤلاء إضافة إلى دعمهم بمثقفين قادرين على التنظير وتجديد الخطاب ورسم الرؤى والإستراتيجيات، فعندما نقول "المثقفون" لا نقصد بها المتعلمون والتكنوقراط الذين تملأ بهم الساحة إلى درجة التشبع، بل المثقف في الحقيقة هو نوعين: المثقف العضوي الذي يناضل داخل الحزب، ويدافع عن أيديولوجيته بمختلف كتاباته اليومية -حسب تعريف الإيطالي أنطونيو غرامشي-، كما نجد أيضا المثقف النقدي الذي يتسم بإنتاج الأفكار والحلول والبدائل ورسم الإستراتيجيات، كما يتصف بالنقد الحاد وتفكيك وتشريح كل الممارسات الإستبدادية والإستغلالية سواء من طرف السلطة أو داخل الاحزاب، ولهذا تجد هذا الصنف الأخير من المثقفين من الصعب جدا أن ينخرط في الأحزاب بسبب نقده وثورته الدائمة على الأوضاع، فتجده في صدام دائم مع الإستبداد والإستغلال، ولهذا من الصعب جدا تدجين هذا الصنف من المثقفين في الأحزاب، كما سنجد عراقيل في وجه المناضلين القدماء المنسحبين لأنهم سيجدون أمامهم القوى المسيطرة على الأحزاب اليوم الذين سيسدون الطريق عليهم بكل الأساليب، ولهذا يصعب جدا تحقيق هذا السيناريو الثاني، ولم يبق إلا السيناريو الثالث، والذي سميناه في إحدى مقالاتنا ب" إنشاء جبهة للإنتقال الديمقراطي الفعلي".

السيناريو الثالث: أعتقد أنه حان الوقت للتفكير جديا والقيام بدراسة علمية للمقاطعين ومعهم حتى أصحاب الأوراق الملغاة في الإنتخابات الجزائرية، فهي تشكل أغلبية لا يمكن الإستهانة بها، مما يتطلب التفكير في جمع كل الغاضبين والذين أنسحبوا من الأحزاب القائمة ودعمها بمثقفين نقديين يخططون ويرسمون السياسات والإستراتيجيات، إضافة إلى تجنيد جزء من هؤلاء المقاطعين في تنظيم سياسي جديد على شكل جبهة يضم كل أطياف الأمة بهدف إحداث تغيير ديمقراطي فعلي وسلمي في الجزائر بتجاوز الأحزاب القائمة، ويكون إنضمام مناضلي هذه الأحزاب إلى هذه الجبهة فرديا كما وقع في نوفمبر1954، ويكون مبني على أساس برنامج سياسي جامع وواضح يحقق الإنتقال الديمقراطي، وترضى عليه كل أطياف الأمة، ويكون هدفه تحقيق الإنتقال الديمقراطي مع وضع كل الآليات لمنع تكرار ما وقع في 1962 أي منع سيطرة مجموعة أو أيديولوجية أو طبقة على دواليب الدولة، وبتعبير آخر تحقيق دولة-الأمة الجزائرية كلها، أي دولة لكل الجزائريين مهما كانت طبقتهم أو أيديولوجيتهم أو لسانهم أو ثقافتهم وغيرها.

البروفسور رابح لونيسي
- جامعة وهران-



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن