-قصيدة بارميندس- و -الأشياء متباينة بالذات- من حوارنا مع أستاذة التعليم العالي بقسم الفلسفة، الفيلسوفة الجزائرية د. خديجة زتيلي في -بؤرة ضوء- الحلقة الأولى - الجزء الثاني من -دهشة فعل التفلسف كعقلنة -

فاطمة الفلاحي
fati.elfalahi@gmail.com

2017 / 4 / 5

"قصيدة بارميندس" و "الأشياء متباينة بالذات" من حوارنا مع أستاذة التعليم العالي بقسم الفلسفة، الفيلسوفة الجزائرية د. خديجة زتيلي في "بؤرة ضوء" الحلقة الأولى - الجزء الثاني من "دهشة فعل التفلسف كعقلنة "

https://i58.servimg.com/u/f58/19/60/38/08/5510.jpg

" قادتني الأفراس التي كانت تحملني بعيداً إلى حيث هفا قلبي"*1
مازلت أصيخ السمع لك سيدتي
د. خديجة زتيلي تسرد لنا تاريخ الحكماء السبعة وعشقها لهم كونوا معي

لكنّ مبدأ التغيّر الهيراقليطي غير مستساغ البتة في فلسفة بارمنيدس (540 - 480) ق.م، إذ لا يؤمن هذا الأخير إلاّ بمبدأ الثبات أما التغيّر المزعوم للكون وللعالم فلا معنى له. ونذكر في هذه العجالة أنّ مذهب بارمينيدس يجيئنا عبر نشيده المشهور، (نشيد/ قصيدة بارميندس) ويحمل عنوان ((في الطبيعة)) ومن خلال النشيد يعرض أراءه في الحياة والكون بواسطة الشعـر، ولا يلقي بالاً للنظريات السابقة المفسرة للوجود، فالوجود الحقيقي عنده هو الموجود، وما هو غير موجود لا يحمل طابع الوجود. وهذا مقطع من النشيد في بدايته ترجمه عن الإغريقيّة القديمة يوسف الصديق:
»قادتني الأفراس التي كانت تحملني بعيداً إلى حيث هفا قلبي، أوقفتني الآلهة عند ذلك الطريق المشهور الذي يهدي الحكيم العارف بسائر المدن. وأسرعت بي الأفراس الحكيمة تجر عربتي في ذلك الطريق والعذارى ترشد إليه. وتطاير الشرر من الرحى في تجويف العجلة، وصرت صريراً كأنه الزمر، ثم ضاعفت العذارى بنات الشمس (هيليوس) من سرعتي، وكشفن بأيديهن النقاب عن وجوههن، ليحملنني إلى النور، وقد خرجن من مسكن الليل.

****

إلى حيث كانت بوابات طريقي الليل والنهار، وقد سدت بعوارض من فوق، وعتبة من حجر من تحت، وأغلقت البوابات الذاهبة في الهواء بأبواب عظيمة، واحتفظت العدالــة (Dikê) ذات العقاب الشديد في يدها بمفاتيحها. وخاطبتها العذارى بألفاظ عذاب يغرينها بإنزال العوارض عن البوابات بغير إبطال. فلما انفتحت الأبواب كشفت عن فضاء واسع، ثم عادت مساميرها البرونزية إلى مواضيعها. وفي هذا الطريق المستقيم اتجهت بي العذارى يقدن العربة والأفراس، حيث استقبلتني الإلهة بترحاب، وأخذت يدي اليمنى بين راحتيها، وخاطبتني قائلة:

مرحى أيها الشاب، يا رفيق الهاديات الخالدات، اللاتي أرشدن عربتك إلى بيتي. مرحى ... لقد أرسلت في هذا الطريق بالأمر الإلهي (Thémis) والعدالة (Dikê) وإنه حقا لطريق بعيد عن أقدم البشر. جئت تبحث في كل شيء: عن الحق الثابت المستدير، كما تبحث عن ظنون البشر الفانين التي لا يوثق بها «

****

وتكتسي مسلكيّة بارمينيدس أهميّتها في ربطها بين مبحث الوجود ومبحث المعرفة الذي سوف لن يمر عليه أفلاطون لاحقا مرور الكرام وخاصّة في باب حسم أسباب الصراع المعرفي بينه وبين السفسطائية وفي مبحث ماهية الوجود، ومن ثمة انحيازه الكامل والمعلن للعقـل بوصفه جوهر الأشياء وصدارتها. وستقترب نظرية أفلاطون للمثل، كما عرضها من خلال أمثولة الكهف، من تخوم فلسفة بارمينيدس في اتّحاد وثيق العُرى بين الماهيّة والوجود، إذ لم يعد سرّا أنّ فلسفة أفلاطون هي مدينة لفكر بارمينيدس في بعض جوانبها، هذا الأخير سيكون عنوانا لواحدة من محاورات أفلاطون المسماة محاورة بارمينيدس.

وفيما يتعلق بفلسفة أنبادوقليدس (490 - 430) ق.م فإنّها تُنعت بأنها توفيقيّة تحاول أن تجمع بين فلسفة الثبات لبارمينيدس وفلسفة التغيّر لهيراقليطس، هذا ويعيد أنبادوقليدس نشأة الكون إلى عناصره الأربعة: الماء، الهواء، النار، والتراب. ويتعرّف المرء على رأيه من بعض شذرات فلسفته التي تقدّم تصوّرا للعالم. ونلفت عناية القراء أن فلسفة أنبادوقليدس تأتينا هي الأخرى شِعرا على غرار فلسفة بارمينيديس، ولعلّه آخر فيلسوف يوناني ينحى هذا المنحى في تسجيل فكره في سياق شعري. إنّ العناصر الطبيعيّة للعالم، على حدّ زعمه، بإمكانها الاتصال كما الانفصال أيضاً وكل تغيّر وارد في الكون إنما يجيء من اتصال العناصر الطبيعيّة أو من انفصالها مُرتكزا على مبدئين أساسين في هذا القول هما: الصداقة والكراهيّة، الحبّ والصراع، فالصداقة تجمع والكراهيّة تفرّق، ويتناوب المبدئين على العالم بشكل دوري. لا شكّ أنّ أنبادوقليدس قد استفاد من تراث أسلافه، ويبدو هذا الأمر جليّا في شذرته الشعريّة التي تعكس فلسفة بارمينيدس وأنكسمندرس وأنكسمانس بشكل أو بآخر، وقد تأثر أنبادوقليدس فضلا عن ذلك بفيثاغورس في فلسفته العددية والإلهيّة.

ولفلسفة أنكساغوراس (500 - 428) ق.م. مكانتها في هذا العرض نظرا لأهمية الرجل في تاريخ الفلسفة اليونانيّة، عاش أنكساغوراس مُعاصرا للقائد العسكري بيركليس ولأسماء فكريّة وأدبيّة أخرى مثل سقراط والكاتب المسرحي يوربيديس وغيرهم وكان قطبا فلسفيّا هامّا في عصره. ويُبسّط يوسف كرم بعض مبادئ أنكساغوراس في كتابه الذي خصّصه لتاريخ الفلسفة اليونانية قائلا: «أمامنا ثلاث قضايا كبرى: الأشياء متباينة بالذات، ولا يخرج الوجود من اللاوجود، والكلّ يتولّد من الكلّ .. فإذا أردنا الاستمساك بها جميعاً قلنا: إنّ الأشياء موجودة بعضها في بعض على ما هي، وإنّ الكل في الكلّ، أي إنّ الوجود مكوّن من مبادئ لامتناهيّة عددا وصغرا هي طبائع أو جواهر مكيّفة في أنفسها تجتمع في كلّ جسم بمقادير متفاوتة، فيتحقّق بهذا التفاوت الكون والفساد ويتعيّن لكل جسم نوعه بالطبيعة الغالبة». وقف أنكساغوراس في فلسفته ضدّ بارمينيدس وديمقريطس واقترب فيها من فلسفة هيراقليطس بعض الخطوات، وإذا كانت القوة المحرّكة للعالم عند أنبادوقليدس ترتكز على المبدئين: الصداقة والكراهيّة فإنّها عند أنكساغوراس ستعتمد على النوس أو العقل الكليّ الذي يشكّل الأشياء، فالمادة موجودة منذ الأزل لكن العقل يعيد تشكيلها ويبثّ النظام فيها. آمن أنكساغوراس بالعقل أيّما إيمان ولم يثق في الحواس ما جعل موقفه يقترب من سقراط ومن أفلاطون وأرسطو في نظريّة المعرفة أو المعرفة ومصدرها.


انتظرونا عند "كيف يقرأ المرء لهؤلاء العُظماء الحكماء ولا تتطلسم الروح بهم؟" من "دهشة فعل التفلسف كعقلنة " في الجزء الثالث من الحلقة الأولى في حوارنا مع البروفيسورة خديجة زتيلي
_______________
*1 من نشيد بارميندس؛ ترجمه عن الاغريقية يوسف الصديق



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن