والآن ماذا سنفعل بدون كرة القدم؟

عبد المجيد السخيري
skhairiabdelmajid@gmail.com

2017 / 2 / 25

الرياضة شأن ملكي

الرياضة في المغرب مجال سيادة محفوظ للقصر و يدار من قبل خُدّامه. لذلك تحمل الجامعات في جميع الأنواع والألعاب الرياضية صفة "الملكية"، ويوضع على رأسها أشخاص يختارهم القصر بشكل مباشر أو بالتزكية أو بالإشارة المفهومة من قبل الجميع، ولا يمكن أن نتصور رئيس جامعة ملكية لرياضة ما لا يدين بالولاء والطاعة للنظام أو أن يكون شخصا يتمتع بالاستقلالية في قراراته وتصرفاته، فضلا عن أن يكون نزيها ولا يستفيد من الريع. وهذا يسري أيضا بشكل واسع على الأندية المنضوية تحت لواء الجامعات الملكية بحيث غالبا ما تكون الترشيحات محسومة سلفا وإن حدث أن ترشح أكثر من واحد فلا يمكن أن نتصور أن يكون أحدهم من خارج بيت الطاعة أو من غير آل البيت.
تتابع السلطة عن كثب كل شاذة وفاذة تجري في قطاع الرياضة، وبشكل خاص في كرة القدم، الرياضة الأكثر شعبية واستثمارا في السياسة لأنها ببساطة اللعبة التي تضمن تهييجا أفضل للجماهير ويؤدي النجاح فيها إلى كسب ود الشعب واستمالته أكثر وضمان بقائه بعيدا عن "شغب" لعبة السياسة أو التمرد. لن نخوض هنا في الهوس بكرة القدم ودورها في تفريغ المكبوت والضغوط بالنسبة للشعوب المقهورة. ما يهمنا هنا أن نشير فقط إلى المستوى المتدني من الاستغلال السياسي المكشوف والفج لهذه اللعبة من قبل السلطة وزبنائها في المغرب على نحو جعلت الرهان، في الدور الأول من كأس الأمم الإفريقية لهذه السنة 2017، على نصر كروي صغير بمثابة الرهان على نصر سياسي ضد الشعب "الآخر" الذي لا يقبل مساومة قضاياه المعيشية ومطالبه الديمقراطية وصحته وتعليم أبنائه وغيرها بانتصارات وهمية وأحلام الفتح الرياضي العالمي التي يسوقها النظام بديلا للعلم والمعرفة والابداع الذي يصنع حضارات الشعوب ورقيها وتقدمها. فمنذ سنوات والسلطة في المغرب تعمل جاهدة على ترويج نماذج للشباب من عالم الرياضة والفن التجاري وتتوجهم قدوة ومثلا أعلى بعدما نجحت في تصفية التعليم العمومي الذي قال الحسن الثاني ذات بوح لصحفي فرنسي إنه يكرهه لأنه يُخرّج سوى الثوريين والاسلاميين، وبالتالي فلا حاجة له به أصلا ومن صداع الرأس الذي يأتي من أهله ومن صرخات خريجيه من المعطلين، وهو الذي نصحهم ذات خطاب يائس بالبحث عن آفاق الشغل من خلال سلك طريق العداء "عويطة" وأمثاله من أبطال ألعاب القوى!
في المغرب يمكن للسلطة أن تغض النظر عن تنصيب رؤساء الجماعات المحلية والهيئات التشريعية أو تخفف من تدخلها، لكنها لن تفعل ذلك في مجال الرياضة وكرة القدم على الخصوص لأنها تعي جيدا أن التفريط في السيادة والاستفراد بهذا المجال قد يقود إلى أشياء لن تستطيع التحكم في نتائجها مع الوقت، ولأنها تدرك أن قيمة "الجمهور" الرياضي تفوق بكثير قيمة "الكتلة" الناخبة.

البحث عن نصر سياسي

حرب كرة القدم تجري على نفس مجرى الحرب الحقيقية وتسيل فيها دماء المقاتلين، فيعود منهم المنتصر إلى بلاده معززا مكرما ويعود المنهزم خفيض الرأس مكلوما تشيح عنه الأنظار إلا من شادت بهزيمته وسائل إعلام السلطة أو بلغ مبلغا عظيما في القتال إلى أخر رمق! في هذه الحرب يجري البحث عن نصر رياضي يساوي نصرا سياسيا ما أشد حاجة الأنظمة إليه لتغطية واقع البؤس والاستبداد وصرف الناس عن هذا الواقع. أما وقد انتهت الحرب وعاد الجيش المهزوم بلا لقب وعمّ الحزن الحشود والبيوت وسالت دموع عند من لم يستطع مغالبتها، فماذا سيفعل الحاكم من دون مبارايات كرة القدم؟ فقد كانت حلا من الحلول كما كان البرابرة حلا لدوام حال الامبراطورية في قصيدة كافافيس "في انتظار الباربرة"!
الحقيقة أن مغادرة منتخب الجامعة الملكية لكرة القدم لمنافسات كأس الأمم الإفريقية التي جرت بالغابون في دور ربع النهائي أفسد خطة تنويم كان النظام يستعد لاطلاقها لتطويق أي تمدد للحراك الشعبي في الريف وعودة شبح حركة 20 فبراير مع استمرار لعبة التشويق المتمثلة في مسلسل طويل لتشكيل حكومة لا تأتي وملك خرج في رحلة لا تنتهي بالقارة السمراء. فقد أسدل الستار على أحلام مغاربة عالقين في وحل الأزمات الاقتصادية والنكبات الاجتماعية يهربون من واقعهم بالتعلق بأهداب جلدة يمنون النفس أن تنقذهم من المصير المجهول ومن خلالها يحاولون ترميم وطنية منخورة ومتصدعة بدواخلهم وأغلبهم يلعن الوطن ليل نهار!
أيام قليلة قبل ذلك سمعنا وقرأنا تعليقات عجيبة لا تخلو من التلميحات السياسية مثل الكلام الذي نقلته بعض المنابر الإلكترونية عن الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج عبد الله بوصوف الذي اعتبر تأهل من وصفه بفريق "مغاربة العالم" إلى الدور الثاني عقب فوزه على منتخب كوت ديفوار "إعلان نصر مستحق لجيل جديد من مغاربة العالم"، وذلك بتدوينة على صفحته على الفيسبوك. وكذلك صار على منواله كثيرون بأن أغدقوا على هؤلاء الذين يجهل معظهم لغات بلادهم ألقاب المجد والفخر وكل معاني الوطنية والقتالية، بعدما كان الجمهور قد أشبعهم إثر الهزيمة في المباراة الأولى شتما وسبا. فقد ركب المنتشون انتصارا رياضيا غير ذي شأن كبير على منتخب متواضع ليختموا على إنجازات لاعبين يعيش أغلبهم خارج البلاد ويفخترون بولائهم للوطن كما لو أن ذلك أمرا خارقا للعادة.
وما يزيد المسخرة بلة هو تعليقات من تصفهم الصحافة بالمحللين والخبراء حيث المقاهي تعج بأندادهم وبالمئات، ونوع القاموس الذي يوظفه هؤلاء لتنزيل الأحكام سواء في حالات النصر أو الهزيمة. فبعدما فرحوا كثيرا إثر التأهل إلى الدور الثاني وابتكروا لإعجابهم المؤقت بالمنتخب تعليلات عجيبة مثل كفاءات مغاربة الخارج والروح القتالية، انقلبوا على أنفسهم وراحوا يسوقون تفسيرات بهلوانية لهزيمته أمام المنتخب المصري مثل قلة الخبرة والحظ السيئ. فحين يفوز المنتخب فإن السر يكمن في كل ما يدعو للفخر باللاعبين والناخب الوطني(الفرنسي!)، وحين ينهزم فإن الحظ لم يكن معهم والملعب سيئ والطقس أيضا وهلم ثرثرة!
وبين تعليق وصراخ وعويل، ينسى المهووسون ما يتمتع به المدربون الأجانب من حظوة وامتيازات خيالية في بلد فقير يلوح فيه الحاكم الكبير والصغير ببطاقة قلة الموارد في وجه الفقراء ويدعوهم ليكونوا وطنيين كلما طالبوا بحقوقهم: نعم الوطنية التي جعلت رجال ونساء المقاومة مشردين في وطنهم منذ أن حط الخونة وعملاء الاستعمار بالسلطة عقب تسوية الاستقلال الصوري بإكس ليبان. فمن أيامها والوطنيون يقيمون بوطن ليس لهم منه في الواقع سوى الجنسية ورقم البطاقة.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن