المرجعية الدينية المعاصرة ومفهوم العمل السياسي

علي المدن
almadan.2009@gmail.com

2017 / 2 / 19

منذ عام 2003 حيث بدأ صعود الأحزاب الشيعية إلى سدة الحكم في العراق والدولة العراقية تشهد أزمة هائلة في خلق هويتها الخاصة التي تسهم في دمج مكونات الأمة العراقية وتوحيدها في إيديولوجيا واحدة، وفي الارتقاء بالأداء الحكومي لتوفير الحد الأدنى من شروط السيادة وسلطة القانون والتنمية، التي من خلالها تنبثق الحياة الكريمة لأي أمة.
منذ التاريخ المذكور، والأسئلة لاتنفك تُطرح حول أسباب الخلل، والبحث عن مخرج من هذه الأزمة الخانقة. وبينما نجحت الفصائل المعارضة للعملية السياسية في توحيد صفوفها، وفي إغراق البلد في حمام من الدم والخراب والدمار؛ فشلت الأحزاب المنخرطة في العملية السياسية في نزع فتيل الحرب، ودمج الأمة، ووضع الشعب في المسار الصحيح للبناء والتطوير.
لقد كانت مهمة تلك الأحزاب السياسية صعبة قياساً بالمعارضة التي لم تكن تكترث لوجود هذه الرؤية، بقدر انشغالها بدوافع ثأرية؛ هدفها التدمير الشامل والمتوحش لكل ما يمت بصلة للتغيير الجديد عام 2003.
من جانب آخر انخرط الكثير من المحلّلين، ومعهم عشرات المحطات الفضائية والإذاعية والصحف وغيرها، في تحليل الوضع المأساوي على أُسس طائفية أو إثنية، مع أن أعمق المشاكل التي يواجهها العراق لم تكن وليدة التحول السياسي الجديد، بل هي مشاكل تعود جذورها إلى لحظة تأسيس الدولة العراقية، وإنما غَيّبت الأنظمة العسكرية السابقة ظهورها بفضل القمع والحكم بالحديد والنار.
ما أحاول الحديث عنه هنا، ليس تلك الأسباب المتصلة بالسياسيات التي تخوضها الأحزاب غير الشيعية، ولست معنياً الآن بالحكم عليها بالصلاح أو الفشل أو غير ذلك. وإنما أقصر حديثي على الأحزاب الشيعية فقط، وخصوص علاقتها بالمرجعية حصراً. وسأحاول الوقوف عند قضية مهمة في نظري، هي عبارة عن "نمط" العلاقة الجديدة الذي تريد المرجعية المعاصرة إرساءه بشأن (مفهوم العمل السياسي ومسؤولية الأحزاب) من جهة، وقصور هذه الأحزاب عن استلهام واستيعاب هذا النمط الجديد لمفهوم هذا العمل ومعناه وتبعاته على الأحزاب ذاتها من جهة أخرى.
هذه النقطة بالذات، أعني إيضاح طبيعة العلاقة بين الاثنين والفشل في استيعابها من قبل الأحزاب السياسية أو محاولة استغلالها؛ لعبت ولاتزال دورا خطيرا جدا على مستويين: الأول تحميل المرجعية الدينية تبعات فشل تلك الأحزاب من جهة. والثاني تشويه مفهوم العمل السياسي الناضج والمستقل والمسؤول.
والهدف النهائي لهذه السطور هو إفهام القارئ أن استمرار هذا الخلط بين الاثنين (عمل المرجعية وعمل الأحزاب السياسية) لا ينتهي فقط إلى تحميل المرجعية الدينية ما لا يقع تحت مسؤوليتها، بل - ولعل هذا أهم - وإهدار العقل السياسي "العراقي" لإمكانياته في تطوير ذاته، ومفاهيمه عن العمل السياسي، وفي إنضاج مستواه ورؤاه، وفي تطوير قدراته في الإدارة والتنمية. وإن كل من يديم وجود هذا الخلط يسعى - وإن لم يشعر - إلى إرساء عقل سياسي في بلد مصاب بكساح مزمن لا أمل في نهوضه منه يوما ما، بل ويصر على إطالة الواقع المعاش بكل ما يحمل من نتائج مأساوية فظيعة.
على العكس مما يتصور غير المطلعين على رؤى العقل الشيعي في العمل السياسي، من حصر التفكير السياسي تحت نظرية واحدة هي نظرية ولاية الفقيه، فإن المطلعين على العقل الشيعي يعرفون جيداً ان هذا العقل عمل على بلورة عدة نظريات بهذا الخصوص، وبعضها يمثل النقيض لبعضها الآخر. إن تلك النظريات من التنوع والاختلاف مما يؤشر على أن العقل الشيعي يتعاطى مع قضية الحكم بحساسية كبيرة.

الدولة / الدستور
تمثل البداية الحقيقية في الأزمنة الحديثة لإنشغال العقل الشيعي بسؤال الدولة والسياسة اندلاع أحداث (المشروطة والمستبدة)، وما رافقها من نقاشات نظرية وانقسامات داخل المعاهد الدينية الشيعية التقليدية. وكانت الصيغة التي طرحت فيها القضية هي (علاقة الدولة بمفهوم الدستور ودور الفقه والفقيه داخل تلك الدولة). وكان النائيني صاحب الصوت الأعلى في ذلك الجدل الجديد وخاصة في كتابه (تنبيه الأمة وتنزيه الملة). لقد كان (تنبيهاً) للأمة على واجبها الديني في كيفية التعاطي مع مسائل الاستبداد والظلم وانتهاك الحقوق، ومحاولة (لتنزيه) الملة من أن تُلصق بها تهمة تشريع أو تأييد الاستبداد والظلم والانتهاكات (¬1).
يقول النائيني في نص يلخص فيه رأيه: (جميع فئات الشعب شركاء للحاكم في الأمور كافة، ونصيبهم فيها متكافئ. أمّا المتصدون للأمور، فأمناء الناس عليها، وليسوا مالكين، كي يستحقوا في المقابل الخدمة والطاعة دون مسؤولية. بل هم كسائر الأمناء، مسؤولين عن أمانتهم، وللشعب مؤاخذتهم على أدنى تجاوز أو إهمال. وبما أنّ الجميع مشارك في المسؤولية، ومتساوٍ في الحقوق والإمكانات، فللجميع حق المساءلة والمؤاخذة والاعتراض، وهم أحرار في إعلان مواقفهم، دون أي مضايقة، إذا لم يضعوا طوق عبودية الحاكم وأزلامه في أعناقهم) (¬2).
لقد كانت الخلاصة التي أنتهت إليها أفكار النائيني هي أن الناس بحاجة لسلطة سياسية تدير شؤونهم (في داخل البلد) فتربي الشعب وترعى الحقوق وتمنع الاعتداءات وتضمن المصالح، و (في خارجه) فتحفظ بلدهم من العدوان الخارجي والتدخلات الاجنبية وتبني الجيوش وتحرس الثغور. ولا يحصل هذا الشيء إلا بـ (دستور) يُتحاكم إليه من جهة، وهيئة مشكّلة من (عقلاء القوم وحكمائهم) تتابع وتحاسب وتشرف وتتحرى وتردع من جهة أخرى (3). وهذه هي مسؤوليتها أمام كل فرد من أفراد الأمة. وهي (= الهيئة) تستمد شرعيتها من فكرة (النيابة عن الإمام الغائب)؛ سداً للخلأ، وبقدر الامكان، الذي تسبب به فقدان العصمة المانعة من الوقوع في الخطأ، وعليه تكون هذه الهيئة "شرعية" بمجرد (حضور عدد من المجتهدين العدول، أو المأذونين من قبلهم، وتأييد مواقفهم) (4).
مهمة الدستور بحسب النائيني (ضبط تصرفات المتصدين، والحد من سلطتهم، وتبيين واجباتهم، وتعيين التكاليف العامة التي يجب عليهم القيام بها عن غيرها. أمّا القوانين التفصيلية، فهي إمّا سياسات عرفية، تقرّ لحفظ النظام، أو أمور شرعية عامة، لا تختص بصنف دون آخر. ولا علاقة لها، بأي حال من الأحوال، بالتكاليف التعبدية أو أحكام المعاملات من النكاح إلى سائر أبواب العقود والإيقاعات والمواريث والقصاص والديات، ونحو ذلك من الأمور التي تكون الرسائل العملية وفتاوى المجتهدين المرجع فيها، وتخص المسلمين فقط، ولا علاقة لمتصدي أمر الحكومة أو هيئة الإشراف، بها) (5).
أما (الوظائف الشرعية للحكومة وتفاصيل الأحكام)، فهي من اختصاص المجتهد ذي السلطة النافذة، وليس على الحكومة إلا تطبيقها (6).
من الواضح أن لغة النائيني وإن لم تنهض للتعبير عن فكرة الدولة كما نفهمها اليوم، ولكنها دون أدنى شك تمثل تقدما كبيرا على الخطاب المعاصر له. لقد بقيت الدولة (ضرورية لتسيير الاجتماع البشري) ولكن شرعيتها تستمد من المنظومة العقدية في بعدها الكلامي، أي أنها إمتداد للإمامة. المجلس الوطني في تلك الدولة لا يمتلك شرعيته من (اختيار) الناس له، بل من إذن الفقيه وتأييده له.

الدولة / الإيديولوجيا
ومنذ إنسحاب النائيني وحرقه لكتابه، دَخَل العالم الشيعي فيما يشبه السبات السياسي، اللهم إلا تلك المحاولات التي قام بها (كاشف الغطاء والخالصي والجزائري)، وهي محاولات إصلاحية مندمجة مع واقع الدولة القائم دون طرح مسألة الدولة كإشكالية فكرية، وهذا ما استمر إلى حين بدء صعود الحركات السياسية الإسلامية، حينها كتب (محمد مهدي شمس الدين) كتابه حول " نظام الحكم والادارة في الاسلام" (1954)، وتم تأسيس حزب الدعوة الإسلامية الذي كتب (محمد باقر الصدر) أُسسه (1958/ 1959)، ثم تلا ذلك إندلاع الثورة الإيرانية وقيام الجمهورية الإسلامية بقيادة (روح الله الخميني). ومع بدء الخمينية تنامى عدد المعتنقين لفكرة ولاية الفقيه، وأمتد توغلها داخل المصنفات الشيعية حتى ظن البعض أنها النظرية الوحيدة في الواقع الفكري الشيعي.
لقد كان كتاب (الإسلام يقود الحياة) (1979) للصدر هو الانتقالة الحقيقية بمفهوم الدولة من (إشكالية الدستور) إلى (أسلمتها) بالكامل. وستكون الدولة (ظاهرة نبوية) (7)، والفقيه هو (الشاهد) على الأمة ومصدر شرعية الدولة ونظامها (8)، وحتى رئيس الدولة وأعضاء البرلمان لا يتم انتخابهم إلا بعد إمضاء الفقيه لترشيحهم (9).
ومع هذا، علينا أن نتذكر أن كتابه أعلاه، وما تضمنه من (لمحة فقهية تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية فى إيران) فيه خصوصية لا ينبغي غض النظر عنها، وهي كونه خطابا موجها للشعب الإيراني! وهذه الخصوصية وإن كست أفكار الكتاب بصبغة الفقه الإمامي، وجعلت من الكتاب جزءا من مدونة الخطاب (الفقهي / العقائدي) المذهبي، إلا أن نداءاته الثلاثة الأخيرة التي وجهها لشعبه العراقي كانت تحمل طرحا مختلفا عما جاء في تلك اللمحة. حيث نجده على وعي تام بتنوع شعبه إثنيا ودينيا وثقافيا؛ ولذا نراه، ولأول مرة، يتحدث عن حكومة دون نعتها بالإسلامية، بل هو يقصر دعوته على (حكم صالح فذ شريف يقوم على أساس الإسلام) (10)، وعلى (إنتخابات حرة وتمثيل برلماني صادق) (11)، وغاية ما يطمح إليه هو (بناء عراق حرٍ كريمٍ تغمره عدالة الإسلام، وتسوده كرامة الإنسان، ويشعر فيه المواطنون جميعاً على اختلاف قوميّاتهم ومذاهبهم بأنّهم إخوة، يساهمون جميعاً في قيادة بلدهم، وبناء وطنهم، وتحقيق مثلهم الإسلاميّة العليا المستمدّة من رسالتنا الإسلاميّة وفجر تاريخنا العظيم) (12). ولا أستبعد أن تكون عبارته الأخيرة (فجر تاريخنا العظيم) إشارة منه لتاريخ العراق القديم وحضاراته المتنوعة، تماما كما كان فعل النائيني في تصريحاته المتتالية في كتابه (تنزيه الملة) حول حكّام الفرس ودُولهم التي يفاخر بها ويذكرها بإجلال وتعظيم كبيرين (13).
لقد كانت تلك الخصوصية التي أشرت لها في نداءات محمد باقر الصدر أشد وضوحا في خطاب محمد الصدر على الرغم مما كتبه في (ما وراء الفقه) من آراء تقارب المفهوم التقليدي لولاية الفقيه (14). إلا أنه أرسى تقليدا في غاية الأهمية لم يسبق أن طرح بهذه الجرأة حين أعلن أن مطالباته الجمهور الشيعي بالطاعة والأمتثال لأوامر المرجعية لا يمكن أن تمتد إلى خارج العراق، كما لا يمكن أن تشمل الخطابات الدينية الخارجية داخل العراق وشعبه (15). لقد كان الواقع القمعي الذي عاشه الصدر، ومعه عموم الشعب العراقي (وخصوصا الشيعي) عاملا في انكفاء خطابه إلى واقع (الجماعة الشيعية)، ولم يكن الوضع ليسمح له بالتفكير بخطاب آخر يتعاطى على أساسه مع جمهوره على أساس (الدولة)، ولو فكر الصدر بغير ذلك لوُسم خطابه بالمثالية والتفكير غير الواقعي. بعبارة أخرى: أن خطاب محمد الصدر في السياسة لا يمكن أن يكون على غير الذي كان عليه. لقد عاش في ظرف قمعي، وهذا الوضع دفعه لمخاطبة الشيعة كجماعة داخل الدولة، وليس من المؤكد أن يستمر هذا الخطاب في التعاطي مع السياسة لو كان من الممكن أن يتصور الصدر الشيعة وهم يمارسون الحكم، أو على الأقل يشاركون فيه. كما ليس مستبعداً أن يكون خطاب الصدر، فيما لو عاش في ظرف آخر (ما بعد 2003 مثلا) مغايراً في رسم علاقة أخرى تدمج الشيعة مع دولتهم، وليس مخاطبتهم كجماعة داخل الدولة، تماما كما رأينا محمد باقر الصدر في نداءاته الأخيرة حيث يتم تحديد المواصفات العامة للدولة، دون تدخّل في هوية حاكمها الدينية أو القومية، أو حتى فرض هوية دينية وقومية على الدولة. ويمكن أن تعد هذه الفرضية - في قراءة أفكار محمد باقر الصدر في نداءاته الأخيرة - فهماً (تطبيقياً) مغايراً لما تبدو عليه (أسس) الحزب التي كتبها بروحِ فقيهٍ شيعي لا يرى الواقع إلا عبر بلورة نظرية متماسكة مفهوميا.
على ضوء ماتقدم، يمكن القول: إن التقليد الذي أرساه النائيني في مطلع القرن، بقي مستمراً حتى في أحلك الظروف التي مرت بها الحوزة العلمية في النجف، بالرغم مما قد تبدو عليه تلك الآراء في غير حقلها التطبيقي كما تشي به أفكار الصدرَيْن (رحمهما الله) لأول وهلة.

الدولة / المدنية
لقد كان هذا الوضع حتى عام 2003، أما بعده؛ فقد أتيح للنجف أن تعبّر عن وجهة نظرها بنحو أكثر وضوحاً في شكل الدولة وهويتها وعلاقة الأمة (الأمة العراقية هذه المرة) بها.
السؤال الآن هو كيف تعاطت المرجعية الشيعية المعاصرة - ممثلة بالمرجع السيستاني - مع قضية مفهوم الدولة وشكلها وعلاقة الأمة بها من جهة، وكيف موْضعت المرجعية ذاتها داخل هذه الدولة من جهة أخرى؟
هنا تحديداً نكون قد وصلنا إلى صلب واقعنا الراهن، الذي ينبغي على المراقب والمحلل أن يستوعبه في موقف هذه المرجعية وعلاقتها بالاحزاب السياسية العراقية عامة، والشيعية منها بنحو خاص. والسؤال: هل استوعب الجمهور العراقي، وخصوصاً الشيعي هذه العلاقة؟ وهل الأحزاب السياسية ولا سيّما الشيعية على وعي بتصور المرجعية ومفهومها عن العمل السياسي وعلاقة الأمة بالدولة (علاقة المرجعية بالدولة، وعلاقة العراقيين بدولتهم العراقية الجديدة التي بدأ تاريخها عام 2003)؟
هنا تحديداً أريد العودة إلى خطابات (16) هذه المرجعية ومواقفها لإيضاح هذا المفهوم الذي تُصرُّ المرجعية عليه، والذي لا يبدو أنه على مستوى واحد من الوضوح في أذهان كثير من أبناء الشعب العراقي (وحتى الأحزاب السياسية الشيعية)، بل وعموم الشيعة الذين يهمهم فهم هذا التصور المرجعي والالتزام به والعمل عليه؟ سؤالنا ببساطة كيف تتصور المرجعية الشيعية المعاصرة الدولة؟ وما هو مفهومها عن العمل السياسي للأمة والأحزاب معاً داخل الفضاء السياسي لتلك الدولة؟
سبق لمحمد باقر الصدر أن تحدث في كتيب (خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء) الذي ألّفه إبان انتصار الثورة الإيرانية عن فكرة في غاية الأهمية، وهي فكرة (اندماج خطي الخلافة والشهادة عند الأمة) (17)، حيث تمارس الأمة الحكم والإشراف على نفسها بنفسها، ولكنه نظر لهذه المرحلة كجزء من المستقبل، تحديدا حين (تحرّر الأمة نفسها من الطاغوت)، أي حين تكون قادرة على صيانة نفسها من الانحراف وتوجيهها نحو أهداف الخلافة الرشيدة، وذلك لا يكون إلا حين (تصبح الأمة معصومةً في رؤيتها النوعية) (18). أما قبل هذه المرحلة فهي بحاجة إلى "شهيد" يتولى مسؤولية القيام بهذه المهمة (نبي أو إمام أو مرجع) (19). وهذه الفكرة استلهمها البعض في اتجاهين: الأول قدّمه محمد الصدر في (موسوعة الإمام المهدي) (20) حين تحدث عن عصر "المجتمع المعصوم" الذي يكون نتيجة لما أسماه بـ"التخطيط الإلهي العام لما بعد الظهور"، أي بعد عصر ظهور الإمام الغائب ووفاته. والثاني طرحه محمد مهدي شمس الدين حين تحدث عن فكرة (ولاية الأمة على نفسها) (21)، ذاهبا إلى أننا نعيش عصر الاندماج المذكور دون حاجة لانتظار المستقبل، القريب منه، أو ذلك الذي يلي ظهور الإمام الغائب ووفاته. معطينا "تمكين الدين" بإقامة حكومة إسلامية، و"شهادة الأمة" معانٍ أخرى (22).
هذه الفرضية التي تصورها شمس الدين نكاد نجد إرتقاء كبيرا في إنضاجها ضمن آراء السيستاني في الدولة العراقية ما بعد (2003) وفي مواقفه من القضايا المتصلة بها، من دستور وانتخابات وتوزيع للسلطات واستقلال للقضاء ومشاركة سياسية للشعب ومسؤولية للأحزاب السياسية المنخرطة في العمل السياسي. إنها المرة الأولى التي نجد فيها "مرجعا دينيا أعلى" يميز بين مفهومين للدولة (مفهوم كلامي) يستمد شرعيته من الإمام المعصوم، و (مفهوم سياسي) يتأسس على اختيار الأمة ويكون جزءا من مسؤوليتها.
لقد أكدت بيانات المرجعية المعاصرة على أن (شكل النظام السياسي يحدّده الشعب العراقي) (23)، وأن (المرجعية لا تمارس دورا في السلطة والحكم) (24)، وأن مهمة الحوزة العلمية لا تتخطى التعليم والإرشاد والتثقيف الديني (25). لم تتبن المرجعية فكرة الدعوة لقيام دولة دينية (26)، وصرحت بنحو جلي أنها غير معنية بتصدي الحوزة العلمية لممارسة العمل السياسي (27).
لقد كان خطاب المرجعية أن الأمة تحكم نفسها بنفسها، وهي من تنتخب بإرادتها المستقلة برلمانها، وهي التي تتحمل مسؤولية سن قوانينها ومراقبة القائمين على تطبيق تلك القوانين، ضمن منطق التعايش والتداول السلمي للسلطة. وكانت المرجعية المعاصرة أول من دعى إلى (إرساء دعائم دولة مدنية قائمة على مؤسسات دستورية تُحتَرمُ فيها الحقوق والواجبات) (28). وحتى حين تتحدث عن الحضور الإسلامي في الدستور تكتفي فقط بالتنويه على (الثوابت الدينية والمبادئ الأخلاقية والقيم الاجتماعية للشعب العراقي) (29) دون أن تتوغل في تفصيل ما هو المقصود بتلك الثوابت والمبادئ والقيم وإنما تترك للمشرّعين والقانونيين والفقهاء مهمة بيانه في أجواء من النقاش العلمي والسياسي المهني والمحترف. وبعبارة موجزة: تترك للبحث والاجتهاد الحر أن يحسم تلك الملفات ويضع ما توصل إليه بين ممثلي الشعب لحسموا بأنفسهم القرار بشأنها.
إن عدم استيعاب الأسس التي تقف خلفها هذه المواقف والخطابات الصادرة عن المرجعية، تدفع البعض للتخبّط في مطالبة المرجعية الدينية بالتدخل فيما لا تراه جزءا من واجبها "الشرعي" في ممارسة العمل السياسي، بل إن البعض يحاول تضليل الناس بالايحاء أن المرجعية غير متجاوبة مع مشاكل الشعب وهمومه أو أنها غير مكترثة به، في خطوة من هذا البعض للتنصل من مسؤولياته التي لا علاقة للمرجعية بها. لقد آن الأوان لكي يفهم الشعب العراقي أن على السياسيين، دون سواهم، تحمل وزر أفعالهم وقراراتهم، وأن المعني الأول والأخير بمشاكلهم ليست المرجعية وإنما هم أنفسهم (شعبا وأحزابا).
إن الشيعي تعود على أن يتولى "الغير" ممارسة السياسة بدلا عنه، وعبر قرون من العيش كجماعة منعزلة داخل الدول التي عاصروها في تاريخهم تكرس في وعيهم أن "الفقيه" أو "المرجع" هو من يباشر حل مشاكلهم. على الشيعي المعاصر أن يفهم أن هذا العهد قد ولّى، وأن عليه أن يبلغ مبلغ الرجال في إدارة أموره بنفسه. إن المرجعية اليوم أكثر "تقدمية" من الأحزاب السياسية الشيعية ومن الجمهور السياسي الشيعي! (وهذه مفارقة تقع على عكس ما حصل في التاريخ الأوروبي من سلطة البابوات الفاسدة واقحامهم أنفسهم في كل ما يمت للدولة وشؤونها). ما يحصل معنا اليوم هو أن المرجعية ترى العمل السياسي شأنا من شؤون الشعب وصلاحياته، وعليه أن يتحمل مسؤولية عمله، فيصحح ويلاحق وينقد ويعارض ويجدد ويخطط ... إلخ، بعبارة أخرى: عليه أن يستقل بنفسه ويبلغ الفطام!
الفطام هو مزاولة الناس أعمالهم بالاعتماد على تجاربهم ووعيهم، وتحملهم المسؤولية الكاملة في سبيل ذلك. أن يستقلوا بتدبير شؤون أنفسهم بلا وصايات ولا تعميد ولا توجيه ولا إشراف. الفطام أن يستعيد الإنسان ذاته ويحتكم لعقله ومصالحه، وهذا هو صلب فكرة التنوير كما طرحها "كانت"، وفي تاريخنا الاسلامي الكثير مما يدعم هذا الفهم لدور العقل ومهمة الإنسان وتفكيره بحياته. إن المرجعية اليوم مصرّة على أن يتحمل السياسيون والمجتمع مسؤولياتهم التاريخية، أن يزاولوا السياسة بلا مقدسات (والمرجعية تعرف أنها حين تدخل السياسة عليها أن تحاكم بمنطق السياسة لا بمنطق المقدسات، بمنطق النجاح العملي بجلب المصالح ودرء المفاسد، منطق التدبير الناجح والإدارة السديدة ونتائجهما، وليس بمنطق الهيبة الدينية التي تكمم الأفواه، ولذا هي مستمرة في موقفها في عدم تحمل مسؤولية نجاح الآخرين أو فشلهم). يجب أن تتوقف بنحو نهائي تلك الأصوات التي تطالب المرجعية بما لا تراه هي (= المرجعية) من واجباتها، وليكن التثقيف كما هو خطاب المرجعية منذ سنين أن يستقل الناس بشؤونهم ويتحملوا كامل المسؤولية في سبيل ذلك.
إن المرجعية الشيعية تموضع نفسها في سياق التاريخ الاسلامي كامتداد لخط العقيدة والفقاهة وعموم ثقافة الإسلام ومعارفه، وهي ولهذا ستحجّم من نفسها إن انخرطت بنحو مباشر في شأن محلي، حتى ولو كان هذا الشأن هو (شأن العراق) البلد التاريخي للتشيع وعمقه ولُحمته وسداه. هي ترعى وتُرشد وتنصح وتضع المقترحات العامة إن لزم الأمر، ثم تترك للأمة، للشعب، للأحزاب السياسية، أن يتحملوا مسؤوليتهم في الإدارة، وفي النتائج التي تفرزها. وهي في ذات الوقت توجّه اندماج الشيعة في مجتمعاتهم ودولهم، وتدعو الجميع (شيعة السعودية، شيعة اليمن، شيعة البحرين، شيعة لبنان، ... إلخ) أن يتحرّكوا وفق دولهم ومجتمعاتهم وتاريخهم الخاص. في العراق تفعل نفس الشيء؛ ولذا من حقها أن تنأى بنفسها عن التفاصيل من أجل إنضاج الممارسة السياسية وترشيدها لنفسها بنفسها، ولكن الأحزاب السياسية لدينا لا تحسم خلافاتها ولا تتعاون لبناء الدولة، وتريد إقحام المرجعية في خلافاتها، والمرجعية لن تخضع بحال لذلك لأن هذا التوجه يعارض فلسفتها للعمل السياسي ويتناقض مع مشروعها وموقعها داخل العالم الإسلامي.
البعض يحاول تغليف عجزه السياسي عن أداء مهامه بمقولة "التقليد"، أي أنه يقلد المرجع الفلاني ولذا ينتظر أن يُشير عليه مرجعه بما عليه أن يفعل. في الحقيقة إن توظيف مقولة "التقليد" في شؤون السياسة توظيف مراوغ (وأنا لا أتحدث عن النوايا فلكل امرئ ما نوى). المرجعية لا تريد تقليداً في السياسة! وها هي خطاباتها منذ 13 عاماً لم تدعُ ولا مرة واحدة إلى هذه الفكرة، بل تدعو إلى استقلال العمل السياسي والتعاطي معه وفق المصلحة العامة للشعب وقراراته وتاريخه وقيمه (كل شعب بحسب وضعه الخاص). فكرة التقليد هنا هي مما يضاد مشروع المرجعية، إنها مقولة العاجز المصاب بكساح سياسي لا يعرف ما يفعل. للتقليد حدود ومحدادات، للتقليد فلسفة، وفلسفته لدى المرجعية المعاصرة (ولاية الأمة على نفسها في تدبير عملها السياسي) (30).
__________
(1) النائيني، محمد حسين، تنبيه الأمة وتنزيه الملة، ترجمة مشتاق الحلو، مراجعة عبدالجبار الرفاعي، مركز دراسات فلسفة الدين - بغداد ودار التنوير - بيروت، ط 1، 2014، ص 79.
(2) المصدر: ص 86.
(3) المصدر: ص ص 87 - 88.
(4) المصدر: ص 88.
(5) المصدر: ص 130.
(6) المصدر: ص 131.
(7) الصدر، محمد باقر، الإسلام يقود الحياة، إعداد وتحقيق: لجنة التحقيق التابعة للمؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر، نشر "مركز الأبحاث والدراسات التخصّصية للشهيد الصدر" - قم، ط 1، 1421 هـ، ص 25.
(8) المصدر: ص 136. ص 159 - 160.
(9) المصدر: ص 20 - 21.
(10) الصدر، محمد باقر، ومضات، مركز الأبحاث والدراسات التخصّصيّة للشهيد الصدر - قم، ط 1، 1423 هـ، ص 347.
(11) المصدر: ص 345.
(12) المصدر: ص 351.
(13) مصدر سابق: انظر مثلا (84) و (87) و (151).
(14) الصدر، محمد، ما وراء الفقه، دار الأضواء - بيروت، ط 1، 1430 هـ، ج 9، ص 38، (فصل ولاية الفقيه).
(15) وردت الإشارة إلى هذه الأفكار في بعض الحوارات المسجلة بصوت الصدر، ولم يتسن لي العثور عليها وقت كتابة هذه الورقة. إلا أن مضمون ما جاء فيها هو التاكيد على عدم إمكانية شمول ولاية الخامنائي لشيعة العراق، أو تسلم الحائري زمام المرجعية لشيعة العراق وهو في إيران، وكان موقف الصدر الرافض مؤسسا على فكرة أن المرجعية يجب أن تكون جزءا من مجتمعها، وعلى اتصال مباشر بقواعدها، ولها من الصلاحيات "الحقيقية" و"الواقعية" للتحرك داخل الواقع الذي تريد طرح نفسها فيه وليس مجرد الاتصال بهذا الواقع عن بُعد كما هو الحال في المرجعيتين المذكورتين.
(16) الخفاف، حامد، النصوص الصادرة عن سماحة السيد السيستاني في المسألة العراقية، دار المؤرخ العربي، ط 1، 2009.
(17) الإسلام يقود الحياة، مصدر سابق، صص 159 - 160.
(18) المصدر السابق: ص 161.
(19) المصدر السابق: ص 136.
(20) أشار الصدر لهذه الفكرة في أكثر من موضع داخل موسوعته المذكورة، ولكن أهم مكان تناولها بالتفصيل هو ما جاء في الجزء الرابع منها والمعنون بـ"اليوم الموعود". راجع: الصدر، محمد، اليوم الموعود، دار ومكتبة البصائر - بيروت، ط 1، 2011، ص 689، ص 762.
(21) شمس الدين، محمد مهدي، نظام الحكم والإدارة في الإسلام، ط 2، صص 409 - 420. وله أيضا: في الاجتماع السياسي الإسلامي، ص 65، ص 95، ص 97، ص 98.
(22) في الاجتماع، مصدر سابق: ص 98، 102.
(23) النصوص الصادرة، مصدر سابق، ص 20.
(24) المصدر ذاته.
(25) المصدر السابق: ص 50.
(26) المصدر السابق: ص 100.
(27) المصدر ذاته.
(28) انظر الخطبة الثانية لصلاة الجمعة بإمامة عبد المهدي الكربلائي المقامة بتاريخ 11 - 1 - 2013 م. https://www.youtube.com/watch?v=quA 3200 R 5 NM&t=311 s
(29) النصوص الصادرة، مصدر سابق: ص 50.
(30) كان بوسعنا مضاعفة حجم هذا البحث لو نقلنا جميع النصوص التي أشرنا إليها في المتن وشرحنا جميع ما قدمناه من قراءات وفرضيات حولها، ولكننا فضلنا طرح الإطار النظري العام لذلك تاركين للباحثين الأخرين مهمة العودة للمصادر المشار إليها والتوسع فيما طرحناه.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن