تطبيق الاسلام في عهد النبى محمد ودولته الاسلامية ( 622 632 )

أحمد صبحى منصور

2017 / 2 / 7

تطبيق الاسلام في عهد النبى محمد ودولته الاسلامية ( 622 ـ 632 )
كتاب : لمحة تاريخيةعن نشأة وتطور أديان المسلمين الأرضية
الباب الأول : لمحة تاريخية عن نشأة وتطور أديان المحمديين الأرضية
الفصل الأول : ماهية الاسلام وتاريخه وتطبيقه حتى عهد النبى محمد

تطبيق الاسلام في عهد النبى محمد ودولته الاسلامية ( 622 ـ 632 ) :
مقدمة
1 ـ ولد محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم فى مكة فى 20ابريل سنة 571 بعد الميلاد. وعندما بلغ الأربعين من عمره أعلن نبوته ونزول الوحى السماوى القرآنى له، وباشر الدعوة لتصحيح دين ابراهيم متحديا قريش ودينها الأرضى. وبعد اضطهاد وتعذيب لأصحابه هاجروا الى المدينة فى 20 سبتمبر سنة 622 وبها بدأ المسلمون دورا جديدا فى تاريخهم ، وبها يبدأ المسلمون تقويمهم السنوى. وفى المدينة أقام النبى محمد أول وآخر دولة اسلامية قرآنية مارست الديمقراطية المباشرة وهى تحت خطر الحصار والاستنفار والاستهداف، وظلت هذه الدولة متماسكة حتى رأت قريش نفسها ان مصلحتها تحتم الدخول فى ( دين محمد ). وهذا ما حدث قبيل وفاة محمد فى 8 يونية سنة 632.
2 ـ بدخول قريش وإستكانتها للوضع الجديد عمّ السلام فى شبه الجزيرة العربية ، ورأى النبى محمد عليه السلام قبيل وفاته دخول الناس فى دين الله أفواجا طبقا لما جاء فى سورة النصر . هو عليه السلام رأى دخولهم الاسلام السلوكى الظاهرى اى إلتزام السلام ، وليس الاسلام القلبى الغيبى الايمانى بالله جل وعلا وحده لا شريك له ، لأنه عليه السلام لم يكن يعلم غيب القلوب ولم يكن يعلم أن من بين أصحابه المقربين من مرد على النفاق وذكرهم رب العزة جل وعلا وتوعدهم بعذاب مرتين فى الدنيا وبالخلود فى النار فى الآخرة .( التوبة 101 ).
ونعطى لمحات تفصيلية عن مدى تطبيق الاسلام فى عهد محمد عليه السلام.
دور الوحي في توجيه حركة النبي وفى تضييق الفجوة بين الاسلام وتدين المسلمين فى عصر النبوة :
1 ـ نزلت الرسالة السماوية الاخيرة قرآنا محفوظا من التحريف والتغيير في نصه ولفظه ليكون حجة علي البشر حتي قيام الساعة .وفي القرآن جانب هام يعزف المسلمون عن التدبر به ،وهو العتاب واللوم الذي كان يوجهه الله تعالي الي الانبياء خصوصا خاتم النبيين عليهم السلام ،اذ ان الأديان الأرضية لدى المسلمين تؤلّه الانبياء فضلا عن غيرهم من الصحابة والائمة والاولياء. والتدبر في هذا الجانب يهز ذلك الاعتقاد عند المسلمين .
ويهمنا ان القرآن يؤكد علي بشرية الأنبياء ،ويؤكد علي أن عصمة النبي محمد تكون بالتوجيه الالهي الذي يتابع النبي بالتصحيح ( 34 /50)(4 / 79 )
2 ـ وتصرفات النبي محمد منها ما كان مستوجبا للعتاب واللوم ، ومنها ما كان مستوجبا للمدح والإشادة .مدحه الله تعالي ومدح المؤمنين حين بايعوه تحت الشجرة (48 /18)وحين جاهد وجاهدوا معه بأموالهم و انفسهم (9 /88:89:92). وعاتبه برفق حين سمح للمنافقين بالقعود عن القتال (9 / 43)وعاتبه أحيانا بقسوة قائلا (وتخشى الناس والله احق ان تخشاه ) (33 / 37) .وفي حركته في الدعوة عاتبه كثيرا بسبب حماسه الزائد (10 /99) وأكد علي ان يترفق بنفسه فلا يحزن علي عناد قومه القرشيين (18 / 6 )(35 / 8 ) ( 11 / 12 ) (16 / 127) (15 / 97) ( 3 / 176 ) (5 / 41،) ( 6 / 33). وفي حركته بالدعوة عاتبه الله حين كان يتقرب من المشركين القرشيين اصحاب السطوة املا في هدايتهم ،وقد يطرد المؤمنين الفقراء ليستجيب اليه هؤلاء الاغنياء (80 / 1-،) (20 / 28-) (6 / 52:54).
3 ـ وفي كل هذه التصرفات التي استلزمت المدح او العتاب واللوم كان النبي محمد يناضل بجهده البشرى لتغيير الواقع الذى يتحكم فيه أصحاب السلطان والهوى والذين لايريدون تغيير المناخ الذي يقوم عليه تراثهم وسلطانهم . وتحول رفض المشركين القرشيين الي اضطهاد للنبى محمد والمؤمنين ثم الي هجرة ، ثم الي قيام واقع جديد تمثل في دولة للرسول تخالف المألوف في العالم سياسيا واجتماعيا ودينيا .
ملامح دولة النبي محمد عليه السلام: أكمل تطبيق بشرى ممكن للاسلام.
هي دولة تقوم علي:
1 : : السلام ،وهو معنى الاسلام سلوكيا . لذا فالقتال فيها لرد العدوان بمثله دون اعتداء أو استيلاء علي ارض الغير بدون وجه حق (2 / 190،194). والمشركون الخصوم طالما لا يعتدون أو يتحالفوا مع المعتدين فالواجب معاملتهم بالبر والعدل (60 / 9)، فاذا اعتدوا وانهزموا وجب علي المعتدي المهزوم دفع غرامة حربية هي الجزية جزاء اعتدائه (9 / 29).
2 : حرية العقيدة في دولة النبي متاحة بالقول والفعل بدون حد اقصي حيث ان الهداية مسئولية شخصية فمن اهتدي فلنفسه ومن ضل فعليها (17 / 15)وحيث يمارس المنافقون دور المعارضة الدينية والسياسية متمتعين بحريتهم في القول والفعل أينما شاءوا ،وينزل القرآن يحكم بكفرهم العقيدى والسلوكى ولكن يأمر النبي والمسلمين بالاعراض عنهم طالما لم يعتدوا على المسلمين بالسلاح(4 /60:63)(9 / 60:68،79:84،94:96).
3 ـ وظيفة الدولة هي اقامة العدل وتوفير الامن .وهي دولة العدل الاجتماعي الذي يقوم علي حقوق اساسية للمحتاجين، وينزل القرآن يلوم الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل (4 / 36 :39 ) ( 47 / 3).
4 ــ الديمقراطية المباشرة أو الشورى الاسلامية القرآنية حيث يستمد الحاكم النبي سلطته من الناس وليس من الله ، ويأمره ربه ان لا يكون فظا غليظ القلب والا انفضوا عنه ،واذا انفضوا عنه فلن تكون له دولة ،لذا امره ان يعفو عنهم وان يستغفر لهم وان يشاورهم في الامر (3 / 159 ). هي دولة ليس فيها حاكم بالمعني المألوف حتي في النظم الديمقراطية النيابية الحديثة لأنها دولة يحكمها أصحابها ،بل ان اولي الامر المشار اليهم في القرآن هم اصحاب الخبرة ، ومصطلح الحكم في القرأن لا يعني الحكم السياسي ، وانما يعني الحكم القضائي بين الناس (4 / 58).ولأنها دولة الديمقراطية المباشرة فان الخطاب فيها يتوجه الي جماعة المسلمين لا الي الحاكم ،فجماعة المسلمين هي التي تقيم الشوري (42 / 38)وهي التي تحكم بالعدل (4 / 58) وهي التي تعد القوة العسكرية لا للاعتداء وانما للردع فقط حقنا للدماء ( 8 / 60).وهي دولة الديمقراطية المباشرة التي لاتعرف الحاكم الفرد او الحاكم الذي يمثل مصالح طبقية أو فئوية .
ولأنها كذلك فان النبي محمدا مات دون ان يعهد بالحكم لأحد من بعده ،لأن لدى المسلمين آليات للحكم الديمقراطي المباشر .هذا بالطبع ان التزموا بسنته الحقيقية وهى الشرع القرآنى فى السياسة والحكم ، المشار اليها فى السطور السابقة.
ولكن ذلك لم يحدث .
ومن هنا بدأت تتسع الفجوة بين اكمل تطبيق بشرى للاسلام فى عهد النبوة (قام به النبى محمد عليه السلام ومعه السابقون فى العمل والايمان من أصحابه البررة ) وبين تطبيق شريعة الاسلام فى عهد الخلفاء (الراشدين) . وكلما مر الزمن ازدادت الفجوة اتساعا الى أن أقامت قريش وغيرها أديانا أرضية تقمصت إسم الاسلام..
وجود فجوة بين التشريع والتطبيق فى عهد النبى محمد عليه السلام
1 ـ هذا التطبيق فى عهد النبوة لم يخل من وجود فجوة بفعل عجز البشر ـ ومنهم الأنبياء ـ عن بلوغ الكمال. فالله تعالى هو الذى لا يخطىء قط ، وكل البشر خطاءون وخير الخطائين التوابون. ولأن الكمال المطلق لله تعالى وحده فاننا نقول (سبحانه وتعالى ) أى تنزه وتعالى وتقدس وتطهر أن يقع فيما يقع فيه البشر أو أن يوصف بما يوصف به البشر.
2 ـ كان خاتم الأنبياء ـ عليهم السلام ـ يبذل أقصى جهده فى تعليم المسلمين السمو الخلقى ، وكان منهجه ودليله ومصدره القرآن الكريم. وقد تكرر فى القرآن أن من وظائفه عليه السلام هو تعليم أصحابه الكتاب والحكمة. ومن مراجعة مصطلح الحكمة نجدها مرادفة للكتاب أى القرآن ( 2 / 231ـ ) (17 / 38 ـ ) (33 / 34 ) أى انه كان يعلمهم تطبيق القرآن و تنفيذ شرعه. وتلك هى سنته الحقيقية وخلقه السامى عليه السلام. وقد تردد فى القرآن انه عليه السلام كان مأمورا باتباع وحى القرآن الكريم مثلنا ( 6 / 50 ، 106، 153 ،155)( 7 / 157 ، 158 ،203 ) ( 10 / 15، 109) ( 33 / 2 ) (46 / 9 )(45 /18 ).
وكان عليه السلام يبشر وينذر ويذكّر بالقرآن فقط ( 6 / 51 ، 70، 92 ) ( 7 / 2 ) (17 /46) ( 18 /1 : 2 ) ( 19 / 97 ) ( 28 / 46) ( 32 / 3) ( 42 / 7) ( 46 / 12 ) (50 / 45).
2 ـ ومن القرآن الكريم نفهم أن دروس التعليم كانت فى المسجد فى خطب الجمعة وفى مجالس الشورى ( 62 /9 : 11 ) ( 58 / 11 ).فى تلك المجالس كان يتم تدارس القرآن مع النبى ( 6 / 105) ( 3 / 79) (34 / 44 ) كما كان يتم تطبيقه فى الواقع المعاش.
3 ـ والتحدى الأكبر الذى واجه النبى و المسلمين فى المدينة كان وجود المنافقين ، وهم أصحاب سطوة وجاه فى المدينة قبل هجرة النبى والمسلمين اليها. لم يستطيعوا ترك قومهم كما لم يستطيعوا الرضى بالاسلام وقدوم المسلمين المهاجرين للعيش فى ( مدينتهم )، لذا أسلموا ظاهريا مع شدة حقدهم على الاسلام والمسلمين والنبى محمد.
حديث القرآن الكريم عن مكائد المنافقين وفضحه لتآمرهم كان قرآنا يتلى فى الصلاة وفى غير الصلاة، مما أسهم فى تحجيم ضرر المنافقين ، وجعل غلاة النفاق ـ وهم أشد الناس عداء للاسلام ـ يكتمون مشاعرهم ويتحولون الى فريق مرد على النفاق خوفا من افتضاح مشاعرهم وفقدهم لمكانتهم المميزة بين المسلمين وحول النبى محمد عليه السلام ، فاشتدوا فى كتم عقائدهم الى درجة أن النبى محمد عليه السلام لم يكن يعرفهم.
أولئك الذين مردوا على النفاق كانوا من الأعراب االذين عاشوا حول المدينة وكانوا أيضا من أهل المدينة . بهم إتسعت الفجوة بين الاسلام والمسلمين . كانت الفجوة ضيقة فى عهد النبوة بين الاسلام كدين والتطبيق البشرى للمسلمين ثم تحولت الى خصومة مُعلنة فى عصر الخلفاء ( الراشدين ) ، بعد موت الننبى محمد عليه السلام مباشرة ، إذ إرتفعت رءوس النفاق من قريش والأعراب وتصارعا ، وبصراعهم تشكل تاريخ ( المسلمين فى عصر الخلفاء القرشيين : الراشدين والأمويين والعباسيين ) .
وفى هذا الصراع نشأت أديان المسلمين الأرضية .وتوارثنا منها فى عصرنا السُّنّة والتشيع والتصوف ، بمذاهبها وطوائفها وطُرُقها ومللها ونحلها وشرائعها التى تخالف الاسلام جُملة وتفصيلا .



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن