سوريا محمية روسية بامتياز

محمود عباس
mamokuda@msn.com

2016 / 12 / 3

رغم التغيير الجذري في البنية الإيديولوجية والسياسية لروسيا، لكن لا تزال ذهنية حقبة الاتحاد السوفيتي كامنة في نفوس العديد من استراتيجي سلطة بوتين، ولبلوغ مطامحهم، المتراودة من عهد القياصرة، لإيجاد موطئ قدم في البحار الدافئة، دفعت بقيادة روسيا التريث في الحالة السورية إلا من الإبقاء على نظام بشار إلى حين الفرصة المناسبة للتدخل، كي يكون البلوغ مؤمنا، فتركت المنظمات الإسلامية التكفيرية والسلطة تتقاتلان، إلى أن كاد سقوط بشار الأسد وشيكا، وبدا الاقتتال وكأنه يقترب من نهايته لصالح الإسلاميين التكفيريين مع عجز إيران ومليشيات المنظمات الشيعية المختلفة في الصمود حيال هؤلاء، فأعطى التريث ثماره المرجو لروسيا، ولم يبقَ لبشار الأسد وإيران مخرجاً سوى الاستجداء من الدب الروسي. هكذا استسلمت سلطة بشار ومن وراءه لبوتين دون قيد أو شرط، والأخير أبدى للعالم تفوقه في إطفاء نار الثورات وإلحاق الهزائم بالدول بوحشية نادرة إن كان في غروزني الشيشانية أو في جورجيا شيفرنادزة أو في أوكرانيا وغيرها من الشواهد الحية على قدرة روسيا اللاإنسانية. ولم تشذ المدن السورية من هذا النهج البربري، أي التدمير الشامل والإبادة الكاملة في كل بقعة تنطلق منها شرارة الحرية المعارضة لمصالحها ومصالح حلفائها، بشرا وبنية تحتية دون تمييز إن كانت فيها المنظمات التكفيرية أو المسالمون من المدنيين، طالما منها تنطلق طلقة ولو عن طريق الخطأ.
جلي أن الدول الكبرى اليوم في صراع مختلف عن الحرب الباردة، وهي أقرب إلى توزيع المصالح منها إلى صراعات إيديولوجية، فكان لا بد لروسيا من التركيز على مصالحها في الشرق الأوسط، وسوريا أنسب الدول كي تكون فاتحة لبداية مطامحها، وتدخل بوتين لم يكن لإنقاذ بشار الأسد من الانتقام السني، بل استغل دعوته، بذريعة مواجهة الإرهاب، لبلوغ البحر الأبيض المتوسط، ومنذ اليوم الأول للقصف استخدم أسلوبا خاصا في الداخل السوري والدفاع عنها في الخارج وفي المحافل الدولية كمحمية روسية، وبكل امتيازاتها، وكان تدمير حلب وعلى مراحل، وتهجير سكانها، كان مجرد القضاء على عدة مئات من المعارضة المسلحة، تبين وكأن الموجود ليست معارضة للسلطة السورية بل لسلطة بوتين، كما وتجهر روسيا على الملأ عن مسؤوليتها لبناء محميتها في المستقبل، وتشكيل سلطة ملائمة لهيمنتها، مثلما فعلتها في غروزني، لذلك، فمسيرة القضاء على المنظمات التكفيرية، قد لا تكون كلية، بل سيتم الاحتفاظ بجيوب متفرقة ولعدة عوامل، منها:
1- لتتحاور مع شريحة من المعارضة إما كسياسيين أو منظمات عسكرية، لتطمين المجتمع السني، بأن تدخلها لم يكن ضد السنة كمجتمع، بل ضد منظمات إرهابية، وعليه قد تتم مشاركة بعض فصائل المعارضة السنية في السلطة، ولا يستبعد المقايضة ببشار الأسد كشخص أو ربما شريحة من السلطة، وذلك لاحتضان جزء من السنة ضمن المحمية التي سيتحكم بأمورها.

2- وبالمقابل قد يتم تطمين المجتمع العلوي، ومحاولة عزلهم عن جرائم سلطة بشار الأسد، وإدراجهم كضحية مثلهم مثل المجتمع السني، وذلك بتكوين نظام فيدرالي لهم، مع صلاحيات واسعة كضمان للمستقبل، ولا يستبعد أن يكون تشكيل الفيلق الرابع حول معسكر الحميمية لهذه الغاية.

3- على الأغلب لن تسمح لتركيا بالبقاء في سوريا، والسماح لها بالتدخل قد يكون تكتيكا لإبعادها عن الناتو، ووثيقة ضمان بقبولها في حلف قادم ربما، ومن جهة أخرى لتشير للمعارضين السوريين من السنة بأنها والدولة التركية السنية المساندة لهم على اتفاق حول سوريا. وعلى الأغلب، وجودها ليست سوى مرحلة انتقالية تتطلبه فترة القضاء التام على المعارضة في حلب، مقابل حضور أردوغان المؤقت في سوريا وصمته على ما يحصل للسنة، أو بالأحرى للشعب السوري. وتخبطه في تصريحاته حول أسباب دخول جيشه، وتصريحه الأخير عن إزاحة بشار الأسد ومن ثم تراجعه عنه، وتكرار تصريحات مشابهة من وزير خارجيته، ربما ليست سوى لعبة ساعدته فيها روسيا لإيضاح موقفه من سلطة بشار الأسد، كإشارة منه أنه ليس ضد بقائه في السلطة، أي بما معناه أنه متراجع عن مواقفه السابقة، وهي خدعة سياسية لا تختلف عن تلك التي أنقذت فيها براك أوباما من فضيحة خطه الأحمر، يوم استعملت السلطة السلاح الكيميائي، وقتلت الآلاف من الأطفال.

4- مواقف روسيا من الكرد، والنظام الفيدرالي متضاربة، وضبابية، وستندرج ضمن جدلية مدى تقرب تركيا منها أو ابتعادها، أو لنقل قبول تركيا لشروطها في سوريا كمحمية أو معارضتها له، وكذلك في تأييدها لضم القرم.

5- لتسهل لها وللسلطة السورية في عمليات ابتذالها لشريحة واسعة من المعارضة السياسية في الخارج، والمقابل إشراك مجموعة تقبل مقترحاتها في الحكومة الوطنية المتوقعة تشكيلها.

6- لضمهم كفصائل من المعارضة المقبولة روسيا وأمريكيا إلى الجيش الجديد، مع ألوية من الجيش النظامي، وبخطة روسية حول عملية الاحتفاظ بمؤسسات الدولة، تم تشكيل الفيلقين الرابع والخامس، ليكون البديل عن الجيش النظامي العقائدي الذي استند عليه سلطة بشار الأسد في قتل وتهجير الشعب، والمجازر المروعة، وتدمير الوطن.

7- ليبين للشعب السوري وللعالم، وخاصة الدول التي كانت يوما ما صديقة للشعب السوري، أن المعارضة التي قضيت عليها لم تكن تعكس رأي الشعب، بل كانت منظمات إسلامية إرهابية، وهم الذين أدخلوا الشعب والسلطة السورية إلى مستنقع الصراع المسلح. فلم يكن عبثا التركيز على نقل الثورة من الصراع السلمي إلى صراع مسلح، وحصرها بين الشيعة والسنة، بين سلطة بشار الأسد والمنظمات الراديكالية الإسلامية السنية، ولم تكن من السذاجة عندما أطلق سراح المئات من السجناء المتهمين بالإسلام التكفيري في بدايات الثورة، وكذلك التغاضي عن تصاعد قوة جبهة النصرة وداعش في الوقت الذي كان فيه الجيش السوري العقائدي في أفضل مستوياته القتالية، وكانت السلطة مهيمنة على كل مداخل ومخارج المدن والمناطق السورية.

أدركت السلطة ومنذ بداية الثورة الشبابية السلمية، بأنها ستتعرض إلى حتمية الضغوطات الدولية، ولربما ستذعن لتعديل جذري في نظامها، وتعاملها مع سلمية الشارع، وستجبر على تغيير دستورها حسب متطلبات الشارع، وبالتالي السلطة ذاتها، لذلك بحثت عن بديل أو مبرر صلد لمواجهتهم، قبل مواجهة ثورة الشباب، فتم خلق المنظمات المسلحة في الداخل، ودعمت أو تغاضت عن نمو المعارضة السياسية الإسلامية في الخارج، وهؤلاء تمكنوا من عزل الشباب وتهميشهم أو تهجيرهم، وتحريف ثورة الشعب إلى ثورة سنية تكفيرية مشوهة، تكالبت عليها جميع الانتهازيين والمنافقين وتجار الحروب، وتم ضخها من قبل السلطة بكل عملائها وبالبعثيين السنة، وهادنتها الدول الإقليمية لئلا تبلغها شرارات الثورة الشبابية، فدعمت الإسلام الراديكالي التكفيري، لتظهر ذاتها كحريصة على الدين والحلف السني، ولتحافظ على سلطاتها، علما أن الصراع أصبح أكثر قذارة، بانتقالها من الصراع بين الشعب والسلطات إلى الصراع السياسي المذهبي التاريخي المقيت، بين الشيعة والسنة.
بلغت السلطة مراميها، وكادت أن تنتصر، أو لنقل أن روسيا انتصرت؛ وذلك بالحصول على محمية كانت تحلم بها على سواحل المتوسط، ومن الطبيعي أن تهتم وبشكل جدي إخراج شرائح المجتمع السلمي المعارض منها، وتشتيتهم في الأصقاع، ومن النادر أن نتوقع عودة جزء منهم، على الأقل في السنوات القليلة القادمة؛ حين استتباب الأمن، ومثال هجرة الشباب الكرد وتهجير الشعب من المنطقة الكردية أنصع مثال على هذه الكارثة الديمغرافية، فلم يبق في المنطقة تلك النسبة السكانية التي ستشكل الأغلبية الكردية المعارضة، مثلما لم تبق في المناطق الأخرى التي ستواجه سلطة بشار الأسد أو القادمة المشابهة لها. وبعد بلوغ روسيا وسلطة الأسد وإيران هذه المرحلة كان لا بد من الانتهاء من الأدوات التي خدمتهم طوال السنوات الست الماضية المليئة بالمآسي والمعاناة، ولربما حلب الشرقية آخر بؤر الصراع السني الشيعي في سوريا.
واضح وضوح الشمس أن روسيا هي المنتصرة الوحيدة في هذا الصراع، وبالمقابل فالشعب السوري هو الخاسر الأوحد، مع ذلك لا بد من التأكيد بأنه، لا السلطة، ستتمكن الخلاص من المحاسبة، ولا المعارضة الفاشلة ستستطيع المثابرة والتملص من الجريمة، وسيأتي اليوم الذي سيحاسب فيه الشعب السوري الدول الإقليمية والكبرى التي كانت المحرك في تصعيد الحرب، وتدمير الوطن، وإيصال سوريا إلى ما هي عليه، فآلامها ستنتقل على مدى القرون القادمة، وسيتحدث عنها أجيال وأجيال، وستتخلد بدماء أطفالها في صفحات التاريخ الأسود، وتحت عنوان طويل، سوريا عانت من رئيس مجرم غدار؛ ومعارضة انتهازية إرهابية، ودول إقليمية منافقة، وقوى كبرى قذرة مرعبة.

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
mamokurda@gmail.com
1/12/2016م



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن