الامبريالية السعودية.. ح4

سامي فريدي
fsanharib77@yahoo.com

2016 / 11 / 30

سامي فريدي
الامبريالية السعودية.. ح 4

البحث عن جيران وتوفير مستلزمات التوطين المستقر، كان وراء سيناريو تبديل أنظمة الشرق الأوسط بأنظمة دينية اسلامية سلفية امريكية الهوى كما حصل -أو كاد- في لعبة مرسي والاخوان في مصر. فاضطرت السعودية لمهادنة الحكم الجديد، في أطرف مسرحية يمكن تصورها تاريخيا.
ففي حين وقفت الحكومة الأمريكية (ادارة أوباما وهيلاري كلنتون) بشدة وصراحة غير مسبوقة في تأييد مرسي وجماعته، وعارضت الجنرال السيسي، ومارست مختلف الضغوط الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية للاطاحة به واعادة الحكم لأصدقائها السلفيين؛ قامت الحكومة السعودية بشكل واضح وجرئ بدعم السيسي اقتصاديا وسياسيا، مما دفع حكومة الامارات للحذو حذوها.
في مشهد بدا منه أن السعودية تتحدى السياسة الأمريكية والبيت الأبيض. تتحدى باراك حسين أوباما أول رئيس أمريكي ينحني ويبوس يد العاهل السعودي، ووزيرة خارجيته هيلاري كلنتون التي فتحت حسابها الشخصي للتعامل مع قادة السلفية الجهادية في السودان – من عائلة أوباما-، دون اعتبار لمركزها وسمعتها السياسية.
اذن، السعودية لعبت صح، وضد البيت الأبيض هذه المرة.
هذه الفقرة تحتاج مزيدا من الضوء، فهي معقدة وغامضة للاعلان الالكتروني.
ان تحالف بني سعود ليس مع البيت الأبيض ولكن مع أرامكو. وأرامكو هي كارتل شركات النفط المتحكم في السياسة الأمريكية والاقتصاد العالمي. وكان وصول ممثلي شركات النفط المحافظين/ الجمهوريين للبيت الأبيض بمثابة شهر عسل العلاقات الأمريكية السعودية منذ بوش الأول. وكانت حكومة بوش الثاني حكومة نفطية عالمية بامتياز.
أما الدمقراطيين واللبراليين فليسوا ضمن تحالف أرامكو. وبالتالي فأن علاقة الحكم السعودي بهم تقتصر على الجانب الرسمي الدبلوماسي ومدى مقدرة ممثلي أرامكو في الكونغرس والحكومة حماية مصالحهم المشتركة.
حاولت حكومة الدمقراطيين اختراق التحالف الأرامكوي سياسيا، ومنافسة دور الجمهوريين في السيناريو الأمريكي لادارة العالم. وهذا هو السر وراء ترشيح وفوز شخص ذي أصول مسلمة لرئاسة أميركا، يتزلف العاهل السعودي -ربيب ارامكو- بانحناءة وقبلة كف تاريخية، سوف تبقى لطخة في تاريخ العلم الأمريكي والبيت الابيض الحاكم.
ان دافع الدمقراطيين في اختيار مرشح الرئاسة كان دينيا أكثر منه ملونا أو أفريقيا، ووجود شخص/ ملوّن يجمع بين خاصتي الأفرقة والأسلمة، هو امتياز مضاعف. فوجود رئيس أمريكي - من أب مسلم- كان الغرض منه اغراء الحكم السعودي للتقارب منه ومزيد من الاندفاع للحزب الدمقراطي الأمريكي الذي يعاني من تراجع وضعف في الشارع الأمريكي منذ عهد كندي وكلنتون.
وهو ما يفسر الاندفاع الغريب لهيلاري كلنتون لمغازلة الاسلاميين خلال مشاركتها في حكومة أوباما -مع اصرارها المتمادي على خداع الرأي العام الامريكي والعالمي-، وهو أمر لم يسبق لها أو لزوجها خلال عهده الرئاسي، فما الذي دفعها لذلك؟..
هي سياسة الحزب – اللبرالي العمالي الاصل-، وبالتالي، فأن (بوسة) الصبي باراق حسين وانحناءته الطويلة على كف الملك عبدالله هي املاء حزبي واستدرار عاطفي أكثر منها تصرفا عفويا لا اراديا لسياسي يتزعم أكبر دولة في العالم.
أوباما نفسه شخص لبرالي النزعة، عقلاني، ولا يشكل الدين سمه له، بقدر ما يتطلبه الاداء السياسي. وفي كلمته في البرلمان البريطاني الذي حضرته الملكة، كان مسيحيا بمقتضيات الموقف. ولو تطلب الأمر مغازلة الصين أو كمبوديا، فأنه سيبدو أقرب للبوذيين.
لكن انحناءة اوباما – المعيبة سياسيا ودبلوماسيا- لم تنطلِ على الحكم السعودي، -ربما بتوجيه أرامكوي أيضا-. وبينما استمرت حكومة أوباما في استمالة الاسلاميين للسيناريو شرق أوسط اسلامي – ذي زي موحد، لمواجهة أي استقطاب شيعي- روسي محتمل، كان للسعودية وعملها على افشال سياسة اوباما في المنطقة، وعدم منح الدمقراطيين فرصة تحقيق مكسب تاريخي، خدمة متأخرة لأصدقائها في الحزب الجمهوري.
لقد كسبت مصر وقيادة السيسي من فكرة الصراع التاريخي بين الجمهوريين والدمقراطيين، والدور السعودي فيه. وعلى الصعيد العملي كانت السعودية تتوجس من ثمار تورطها السابق في أفغانستان، الذي أنتج تنظم القاعدة والسلفية الجهادية المنفلتة بذاتها والحاكمة بأمرها.
فالسلفية الجهادية الجديدة غير مركزية ولا تخضع لقيادة عليا، ومستمرة في التشرذم وتشكيل منظمات مستتقلة تعمل بهواها وتنقلب على أصلها، ولكنها ملتزمة بهدفها المحوري المركزي. وبشكل جعل الحكم السعودي هدفا لعملياتها.
ولذا كان استمرار الاخوان في حكم مصر، سيشكل دعما لفروعها في البلدان الأخرى، بما يعرض السعودية لمواجهة جديدة أشد ضراوة من عبد الناصر وصدام والقذافي. وهكذا لعب السيسي على الخلاف السعودي الأمريكي، بعدما أفادت حكومات الحزب الوطني المصري من الغرام السعودي الامركي على أفضل ما يكون. فالنسبة الأكبر من تسربات البترودولار السعودي ذهبت في بطن مصر، مع اختلاف الظروف والاتجاهات.
الحكم السعودي اليوم في مأزق حقيقي؛ وهو أكثر من يدرك أنه أول ضحايا ما زرعت يداه بفخر. انه لا يحصد ما زرع، كما يقول المثل، بل أن ما زرعه ينقض عليه. ولا غرو، أن ينتهي مشروعها في أسلمة أو سلفنة الشرق الأوسط إلى هزيمة مرة.
وهي تحلم في امتلاك قدرة وجرأة خارقة، تسطيع تطبيقها في الدولة السعودية- كما عبرت مواطنة سعودية- لتطهيرها من سرطان الوهابية والاخوان وكل الاسلام السلفي، سعيا لتحقيق استقرار اجتماعي سياسي بعيد عن العنف والتهديد والأطماع.
وان الشباب السعودي الناهض، يختلف بالعقل والعقلية عن جيل الاباء واالمؤسسين، وأقرب للطرز الامريكية ما بعد حداثية من سلطة المطاوعة والفكر السلفي.
وكل هذا يضاعف المأزق السعودي في سيناريو دمار سوريا، والتي تحاول جهدها الانتهاء منه على طريقة الحرب اللبنانية!.
الحزب الجمهوري بعد بوش استغنى عن التحالف السعودي – والبريطاني ايضا-. والحزب الدمقراطي بعد فشله في الحلول محل الجمهوري لعقد تحالف جديد مع ال سعود، انقلب عليهم وتحالف مع الاخوان المسلمين المصري والتركي والباكستاني، ولم يتردد في التودد لايران.
والبيت الأبيض مع دونالد ترامب صاحب مشروع أميركا الجديدة والقوية من الداخل، سيترك ال سعود بلا حلفاء أو أنصار لمدة غير قليلة. لقد اعتاش النفوذ السعودي على الحاضنة الأمريكية والدعم المصري للعقود الماضية، وبغيابهما، لا يجد معه حليفا اليوم غير الامارات.
فيما تتزايد الضغوط الداخلية وغليان المجتمع السعودي بعد قرن من العزلة والسجن المقيت. وحملات التصفية التي تطال الشيعة تارة، ومخالفي الرأي تارة أخرى، علامات ودلائل عمق الازمة الداخلية والعزلة الخارجية، لنظام يقترب من نهايته، ويعجز عن الاستدلال لطريق النجاة.
بالمقابل، التاريخ السعودي في طبعته الجديدة، يتنكر للتحالف الأمريكي، ويحجم دور أرامكو، ويستعير خصاص السياسات الوطنية والتأميمات الثورية في مصر والعراق وايران لتقديم صورة أكثر وطنية واستقلالية للمواطن السعودي الجديد، لعلها تمتص جانبا من نقمة مواطنيها، وتنتزع فتيل اتهامها بالعمالة وخدمة الامبريالية من قبل الداعشيين الجدد.
لكن وضعها الاقليمي لن يتغير أو يتأثر بذلك. وإذا كانت سياساتها قد فشلت منذ الخمسينيات في مصر وسوريا، فأن الأمر أشد صعوبة في مواجهة العراق وايران. ويأتي انخراطها الجديد في حرب اليمن ليزيد وضعها الاقليمي حراجة وتعقيدا.
فهي بذلك تتهدد أكبر الدول في المنطقة [ايران، العراق، اليمن]، وهي أكثر منها حضارة وأعرق مدنية واجتماعا. بينما لا تجد حليفا إلى جانبها غير جيش دولة الامارات المتحدة التي لا تفضلها وضعا.
وقد فشلت دعواتها لبناء حلف عسكري من عشر دول للحرب في اليمن، كما فشلت دعوتها لبناء تحالف عسكري الاسلامي من اربع وثلاثين دولة اجتمعوا في الرياض العام الماضي.
في أول فبراير الجاري (2016) رفعت العقوبات الدولية عن ايران، ودخل الاتفاق النووي حيز التنفيذ، وفشلت جهود السعودية واسرائيل في تعطيله، أو تحريض الولايات المتحدة ضد ايران. وهذه الأخيرة تعود للساحة السياسية والاقتصادية الدولية بقوة، وقد فرضت نفوذها في الشرق الأوسط، بشكل لم يتح من قبل، في مقابل السعودية المنبوذة اقليميا. والرهان الأخير هو أرض سوريا.
في حرب لبنان حققت ايران نصرا تاريخيا، بعدما كانت السعودية وراء اشعال الفتنة وتمويل التناحر للسيطرة عليها من خلال عرابها الحريري. ومارست دورها في التحريض ضد العراق وانتهى الأمر بسيطرة ايران على الملف العراقي بالكامل، ولن يختلف الأمر في سوريا كما هو واضح حتى الآن. والتدخل السعودي الاماراتي في اليمن، يغلق عليها آخر بوابة محتملة لتنفيس عزلتها. فهل يكون اقحام عسكرها في البحرين واليمن تمرينا أوليا أو مناورة عملية لمواجهة التحدي العسكري المقبل من الشرق والشمال!.
ان فكرة الامبراطورية – عموما- من الارث الكلاسيكي القديم. وكان المفترض ان تكون البشرية قد تجاوزتها اليوم. لكن الكتاب السياسيين عادوا لاستخدامه في وصف السياسة الأميركية ومطامحها عقب الحرب العالمية الثانية. وقد وقعت الولايات المتحدة نفسها ضحية الوهم الامبراطوري، والذي قارنه البعض بنفوذ الامبراطورية الرومانية التي امتدت إلى ثلاث قارات.
فلم تورع عن لعب دور البوليس العالمي – حامل الجزرة والعصا، بعدما تذرعت بدور الأخ الكبير قبلذاك. فكان ظهور دونالد ترامب بمثابة صحوة أو عودة الروح، للتحرر من الوهم واالعمل على بناء الداخل وتحصينه ضد الشعارات الاعلامية وفقدان الهوية.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن