دخول الفردوس بقطع الرؤوس

عيسى مسعود بغني
bagni3@yahoo.com

2016 / 11 / 24

لم يألف الشعب الليبي في تاريخه الطويل أسلوب القتل غيلة، من إختطاف وتفخيخ وتفجير ولا هدم البيوت والممتلكات، ويعتبر ذلك مستهجنا ومن أفعال الضعفاء والمجرمين، وكانت المقارعة في ساحات الوغى وعلى رؤوس الأشهاد. بعد ثورة 17 فبراير إنتشرت ظاهرة هدم المزارات ونبش القبور يدعم ذلك إذاعات موجهة لنشر الأفكار المتشددة وتعبئة الشباب للقيام بذلك، إنزلق هذا العمل إلى إزهاق الأرواح بعد إعلان مسلسل الكرامة في الشرق الليبي الذي كانت حلقاته الأولى تفجير محلات الزينة، تلا ذلك تصفية الخطباء والمشائخ المعارضين لبرنامج الكرامة، للأسف خلال الستة سنوات الماضية لم يتصدى أحداً لهذا الفكر، وأخص بالذكر مشائخ المذهب المالكي الأكثر عددا وعدة، بل أن الإذاعات الموجهة تنعت كل معارضيهم بأنهم خوارج العصر يجب قتلهم وإستباحة دمائهم. وعلى صعيد المظهر إستطاعت هذه الإذاعات تحويل معظم الشباب والكهول بالمدن إلى تقليد المذهب الحنبلي في قبض اليدين عند الصلاة وفرجة القدمين وتقصير القميص ومنع القنوت وعدم صلاة السنة بالمسجد، وإستعمال السواك صباح مساء، ناهيك عن الـتأفف من المهن والحرف والإتجاه إلى التجارة والمضاربة.
المتابع للخطاب الدعوي للمجموعات الجهادية المتشددة لا يحتاج إلى دليل بأنها المسئولة عن الكثير من الفوضى الأمنية في الكثير من المدن الليبية، وذلك لسببين إثنين؛ أولاهما أن معظم نشطائهم ممن يسمون بطلاب علم من الشباب القليل المعرفة بشئون الدين، ولم تتاح لهم فرص دراسة علوم الدين بطريقة منهجية في معاهد وجامعات متخصصة بل جلهم تُبع لمشائخ من وراء البحار، وقد لا يفقة الشيخ شيئا من فقه الواقع المستفتى عنه. والأمر الأخر إستغلال المخابرات العربية لهكذا شباب لتنفيذ مخططاتها بعدة وسائل منها توفير الآلة الإعلامية المحلية والدولية لتبرير الأفعال مثل ما نراه من بث إذاعة صوت السلف على الموجة إف إم، وتوفير المال لبرامجها، ومنها تجنيد الشباب لتنفيذ برامجها الإستخباراتية لنشر الفوضى مثل ما حدث بين أولاد صقر وأولاد بوحميرة في الزاوية، وموضوع أبناء الشرشاري في صرمان، ونزاع التبو والزوية في الكفرة، وأخيرا نزاع أولاد سليمان والقدادفة في سبها. كما أن قتل الإئمة في بنغازي وطرابلس والتحريض عليهم لا يخلوا أن يكون جزءاً من برنامج خلق البلية وإذكاء نار العداوة والحرب بين المجموعات المسلحة، وبنغازي خير مثال على ذلك. ورغم القبضة الحديدية وزج المعارضين في سجن قرنادة أو مكبات القمامة إلا أن التفجير والتفحيخ لا ينتهي، وهو ما يحتاج إلى حوار مجتمعي وليس حل أمني عسكري. في معظم الحروب والقلاقل القبلية والفئوية توجد بصامات العمل الإستخباراتي، مستخدما المجموعات الأيديولوجية المدعومة من الخارج، والتي تتقمص صور هياكل الدولة الأمنية.
تغييب الشيخ الدكتور نادر العمراني يضع الكثير من التساؤلات عن منهجية القتلة ويؤكد الجانب الإستخباراتي في العمل، فهو من شباب الثمانينات الذين عاصروا منع السنة النبوية في ليبيا، مما حذا به لدراسة الفقه في المدينة المنورة على أيدي أساطين المذهب السلفي الوهابي، ولكنه لم يقتنع بمنهجهم فما كان له إلا أن يقوم بتحضير درجة الدكتوراه على يد عالم مالكي وهو الشيخ الصادق الغرياني، وهذه المفارقة حالة نادرة جعلت منه يتبنى مفاهيم الإسلام المعتدل البعيد عن التكفير والتهجير، وهو ما أدى إلى ظهور أصوات تشجع على إسكاته وإبعادة عن دار الإفتاء، رغم أنه قليل الظهور كثير الحياه، إضافة إلى أن عائلته أمازيغية إباضية المذهب، ولكنه لم يهتم لذلك التراث. لا ننسي كذلك أن إخفاء قيادات دار الإفتاء هو بمتابة إعلان حرب بين المجموعات المسلحة لقوى الإسلام الوسطي والمتشدد، نسال الله أن يمن عقلائهم بقراءة الموقف وتجنيب المدينة عواقب القتال أسوة بما حدث في بنغازي. تغييب العمراني جعل الهيئة العامة للأوقاف الليبية أن أصدرت يوم 23 نوفمبر الجاري كتابا يقضي بسحب الكتب التي لم يتم الترخيص لها من المساجد ومنها كتب المداخلة وكتب رسلان.
مقارعة الفكر المتشدد لم يبتدعه القذافي بتاسيس مكاتب مكافحة الزندقة بل يعود إلى أكثر من مئة وستون سنة حينما أمر الأمير عبدالقادر الجزائري (1803-1883) بحرق كتب إبن تيمية في منفاه بدمشق، وأخيراً قام نشطاء من الأردن بحرق كتب إبن تيمية بعد إستعانة داعش بفتواه لحرق الطيار معاد الكساسبة، وفي يونيو 2015 صادرت وزارة الأوقاف المصرية كتب إبن باز وإبن عثيمين وإبن تيمية من المساجد المصرية.
قد لا نحتاج إلى سحب أو حرق مثل هذه الكتب ولكن نحتاج إلى تثقيف الناس في دينهم بأن لا يكونوا تبعا يساقون إلى المجازر كما تساق الشاة بلا فكر ولا بصيرة، عندما نولى أمرنا مشائخ من وراء البحار يدعوننا لدخول الفردوس بقطع رؤوس أبناء جلدتنا.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن