خواطر عابرة (5) - الولايات المتحدة: خطوة للوراء... خطوتان للامام؟*

ابراهيم الحريري
itauk@hotmail.com

2016 / 11 / 19

لعل التاريخ المعاصر للولايات المتحدة الاميركية، منذ روزفلت على الأقل، لم يشهد معركة انتخابية، رئاسية، على هذا القدر من الضراوة والاثارة، استخدم فيها الطرفان كل انواع الاسلحة، عدا الراضّة والجارحة والنارية والكيماوية... والذريّة بالطبع! احدهما ضد الآخر. اما التشهير فقد بلغ ادنى مستوى له (من الحزام وجوّه... فقط!)
ولم يحدث في اي انتخابات سابقة هذا القدر من الإستقطاب والانقسام في المجتمع الاميركي. ولعل الظاهرة الابرز، ليس على الصعيد الراهن فقط، بل، خصوصا، المقبل، هي ظاهرة "ساندرز" خصم كلنتون على ترشيح الحزب الديمقراطي. وثمة تقديرات، لا يمكن الاستهانه بها، ترى انه لو قدر لساندرز ان يفوز بترشيح الحزب الديمفراطي، لكان هزم ترامب. اذ ان كثيرين ممن استطاع ساندرز تحشيدهم حول برنامجه الاكثر راديكالية وتقدما، اكثرهم من الشباب، لم يروا في كلنتون بديلا لترامب. وبغض النظر عن مدى صواب هذا التقدير فانه لعب دورا في انكفاء كثيرين من الشباب عن المشاركة في المعركة لصالح كلنتون، حتى النهاية، ما رجح، بالتالي، فضلا عن عوامل اخرى، كفة ترامب. وهم، اي هؤلاء الشباب، هم اول من نزل الى الشارع الآن، ضد ترامب.
يعتبر كثيرون من المراقبين ان ما حدث، هوخطوة للوراء، وهو امر لا جدال فيه بالنسبة لهذا الفريق. لكن ثمة اختلاف في تقدير مدى سعة هذه الخطوة. اذ يذهب البعض انها خطوة واسعة، جدا، للوراء. بل بعض التقدير يذهب الى اعتبارها "انقلابا"! فترامب ليس مرشحا عاديا من الوسط الجمهوري التقليدي، على تنوع اجنحته، بل هو يكاد يكون من خارجها، بل فوقها! وكان هذا واضحا، منذ البداية. فالعديد من القادة التاريحيين للحزب الجمهوري عارضوا ترشيحه خصوصا بعد ان فاحت رائحة مغامراته الجنسية. فيما آثر آخرون، "تعففا" الصمت ولم ينخرطوا في المعركة لصالحه. لهذا فان ترامب لا يشعر انه مدين للحزب الجمهوري وقيادته، بل لجمهوره هو، الجمهور الذي استطاع هو تحشيده خلفه. وهو، اي ترامب، سيستخدم هذا الجمهور في الضغط على قيادة "حزبه" وسحبها خلفه، يساعده في ذلك، ايضا، شخصيته الكارزمية. (يفضح ذلك اللقاء بين ترامب و"قائد" الكتلة الجمهورية، كان "القائد" يركض خلف ترامب كما يركض "الصبي" خلف معلمه!)
يقول المثل العراقي المعروف ان" الطفل المريض يبين من خروجه" (حتى لا نستعمل الكلمة الأخرى، مع مراعاة التشكيل!) واذا كان ترامب لا " يبين" من "خروجه" (خطبه) فقط، مع اختلاف "المخرجين"!، التي بدأ يتراحع عن بعض بعضها، فانه بدأ يتضح من تعييناته للمناصب المهمة في ادارته. فرئيس الدائرة الستراتيجية، المسؤول عن رسم السياسة الستراتيجية لادارة ترامب، عنصري متعصب يدعو الى تفوق العرق الابيض (العبارة الشهيرة التي تنسب لمنظر هذا التيار: "الله لم يخلق الناس متساوين"!). اما التعيينات للمناصب الاخرى التي لا تقل اهمية، فهي الأخرى (مع مراعاة التشكيل!) لا تقل فداحة وفصاحة و(فضيحة!).
وما نزال في اول الطريق...
على الجانب لآخر، فمنذ اللحظة الاولى للاعلان عن فوز ترامب خرج المئات، ثم الآلاف، ثم عشرات الآلاف، الى الشوارع محتجين.
هل ستستمر الحركة الاحتجاجية؟ هل ستتسع؟ كيف ستتطور؟ ما هي الاشكال التي ستتخذها؟ ام سيكون مصيرها مصير غيرها من حركات الاحتجاج الاخرى التي شهدتها الولايات المتحدة والعديد من البلدان الاوروبية في السنوات الاخيرة؟ وهل يصح الاستشهاد بما تنبأ به الكاتب الاميركي الشهير جاك لندن مطلع القرن العشرين عن حرب شوارع في المدن الاميركية الكبرى؟
من الصعب، الآن، التنبوء...
لكن قد لا يكون خطأ التذكير ببعض ما كتبته اول ما بدأت اكتب عن الانتخابات الاميركية:
"ترامب هو الكوميديا التي ستتحول الى تراجيديا، اذا فاز..."
"اميركا، قبل ترامب، لن تكون نفسها، بعد ترامب"
ولحظة فوزه كتبت: "هذا ليس وقت الحزن، ولا وقت التأسي، بل وقت المقاومة!"
ولقد بدأت...

هاملتون - كندا
18-11-2016
* استعارة لعنوان كتاب لنين الشهير" خطوة للامام خطوتان للوراء" عقب المؤتمر الثالث للحزب الاشتراكي الديمقرطي في روسيا عام 1903، بعد قلبه!



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن