لغروب الشمس معنىً آخر

أماني محمد ناصر
amanitimes@hotmail.com

2005 / 12 / 29

منظر غروب الشمس من المناظر التي تستهويني جداً، بل أحب المشاهد إلى قلبي، وكنتُ حريصة جداً على متابعة هذه اللوحة السحرية كلّ يوم...
فمن ذا الذي يستطيع مقاومة السحر والجمال؟

وإباء أصغر طفلٍ في عائلتي، في الثامنة من عمره، وكنتُ العمة التي تحبّه من أعماقها وتعتبره طفلها الأوحد، وكان يبادلني هذا الحب...
وكثيراً ما كان يسألني أسئلة لا أجد لها الجواب الشافي... فيكثر الجدل بيني وبينه... وكم أحبّ جدله هذا...
وكثيراً ما تابعنا سوية هذا المشهد الخلاّب... وأحيانا يقطع علي لحظات استمتاعي بأسئلته البريئة حيناً، والذكية أحياناً أخرى...
أو يقول لي والدمعة محبوسة في عينيه:
- لنذهب ونحضر الماما لتشاهد معنا ذلك...
- اذهب وحدك يا حبيبي، سأبقى هنا منتظرة عودتك...

إباء يسألني عن القمر... ولماذا لا يظهر صباحاً؟... ولماذا تغرب الشمس في ساعة معينة؟ ولا تغرب نهاراً؟...
أذكر مرة أنّه بادرني بسؤال أذهلني، وتلاه أسئلة كثيرة تثير الدهشة:
- دادة... لماذا يطلقون على بلدنا صفة الإرهاب؟
أجبته بسؤال... كي أفهم ماذا يقصد هذا الطفل من كلمة (إرهاب):
- وأنت يا إباء... ماذا تعرف عن الإرهاب؟
ويبدو أنّ سؤالي أثاره... فأجابني:
- الجريمة... يا دادة... لماذا يقولون عنا إننا إرهابيون؟ مجرمون؟!...
- حبيبي... إنّهم أقوياء ونحن ضعفاء... وينسبون إلينا ما يقومون به.
سألني بدهشة:
- كيف؟ أليس في قلوبهم رحمة!!
- لا... إنّهم يريدون سرقة بلادنا وخيراتها، يريدون سرقة حريتنا.
- وهل يصلون إلى ذلك بالقتل؟!... بقتل الصغار وتمزيق أجسادهم؟ رأيتُ هذا أمس في التلفاز... لماذا يفعلون ذلك؟ وعندهم الكثير من المال والطعام والحلويات والألعاب لأطفالهم... وعندهم أكثر مما عندنا! ولديهم كما تقولين القوة!!!

يدهشني هذا الطفل بأحاديثه وتفكيره، وبنتائجه في المدرسة...
في أحد أيام تشرين، وحينما هممتُ بالصعود إلى سطح المنزل كالعادة كي أتأمل غروب الشمس، سألني إباء:
- إلى أين يا دادة؟
التفتُّ إلى هذا الصوت الملائكي:
- إلى سطح المنزل يا حبيبي.
عاد وسألني:
- وماذا يوجد هناك يا دادة؟
قلتُ له:
- سأشاهد الشمس... وهي تغرب.
سُرَّ وعلَت الفرحة وجهه وقال لي برجاء:
- خذيني معك...
ابتسمتُ له:
- هل تحب الشمس؟
أجابني فرحاً:
- نعم، جداً.

صعدنا أنا وإباء الدرج، وأخذنا زاوية قصوى من سطح المنزل... المنظر الساحر الذي يأسرني... يبدأ... ليعطي للسماء وللأفق معنى آخر...
ألوانٌ سبحان من كوّنها، سبحان من أبدعها ورسمها، وأوراق الخريف الصفراء والبرتقالية المتساقطة من الأشجار انتشرت في أرجاء السطح... وكنتُ أشاهد بعضها يتساقط أو يتمايل مع كل نسمة باردة... ثمّ يحط أخيراً على حافة السطح، أو يملأ الأرض مشكلاً لوحات سريالية بسحره...
كنتُ أشعر أنّ الأوراق تتعانق لحظة سقوطها، لأنها تدرك أنها في رحلة وداع لا عودة منها...
وما أضفى جمالاً على هذا الجمال، أننا كنا في أوائل الخريف... السحاب يمتد في كل مكان، يقترب من الشمس (أو هُيّئ لي ذلك)، فتضفي على أبيض الغيم سحراً ما بعده سحر...

هبّت نسمة تشرينية باردة ، تغلغلت في أعماقي فأعطت لشعوري شعوراً آخر... حباتٌ من المطر تتساقط... تداخلت ألوان الطبيعة الساحرة قوس قزح...
لا تستطيع في حضرة هذا المشهد إلاّ أن تسجد لله مسبحاً إياه...
وبدأتِ الشمس تختفي رويداً، رويداً...
أيقظني إباء من سطوة الشعور الذي راودني، قائلاً:
- انظري يا دادة كيف تصغر الشمس وهي تغرب... لم يعد يظهر منها إلا النصف... انظري... انظري... ها هي تكاد تغيب نهائياً عن أعيننا... دادة، أين ذهبتِ الشمس يا دادة؟
قلتُ له دون أن أحيد نظري عن هذا المنظر الآسر، الذي كنتُ أشعر في كل مرة وكأنني أشاهده للمرة الأولى:
- ذهَبَتْ إلى الناحية الأخرى من الأرض يا حبيبي!!
سألني ثانية:
- وأين تكمن هذه الناحية؟
لم أعرف أي بلد سأختار، فالتفتُّ إليه قائلة ورامية ما سأقول جزافاً:
- في... في أمريكا.
صرخ واضعاً يده على فمه:
- لا لا... قولي لها... قولي لها... لا تذهب إلى هناك... فستعود إلينا ممزقة... ممزقة، وهي... وهي تنزف الدماء يا دادة!!! إنّهم مجرمون... مجرمون..



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن