جدل الحريّة والضرورة - 1

علي عامر
ali.amer.h.h@gmail.com

2016 / 10 / 10

جدل الحريّة و الضرورة - 1

تنقسم الفلسفات في فهمها للحريّة وعلاقة الحريّة بالواقع إلى ثلاثة تيّارات رئيسيّة:

أولاً: المدرسة الآلية (أخذ الواقع بمعزل عن الوعي) : تنظر للإنسان كعبد خاضع للظروف الموضوعيّة وشروطها.

ثانياً: المدرسة الذاتية (أخذ الوعي بمعزل عن الواقع) : تمنح الإنسان جبروت عالي , وتعتقد بطاعة الظروف الموضوعية لجبروت الإنسان.

نلاحظ في كلتا المدرستين أعلاه , الفصل الميتافيزيقي الأجوف , الذي يضع الإنسان في جهة والواقع في جهة ويفصل بينهما بهوّة سحيقة , فإمّا الانسان وإمّا الواقع , ومشكلة الفصل الميتافيزيقي هذه هي الخطيئة التاريخية للمنطق الصوري , التي عالجها ونقدها المنهج الجدلي (الديالكتيك).

ثالثاً: المدرسة الجدليّة (وجهة نظر الديالكتيك في قضيّة الحريّة وعلاقتها بالواقع) :

{الحريّة عند الماركسية هي فهم الضرورة} , حيث تسلّم الماركسية بقوانين الطبيعة وأسبقيّتها على وعي الانسان , ثم يأتي فهم الانسان لهذه القوانين تالياً , والحريّة تكمن في الوحدة الجدلية , بين وجود قوانين الطبيعة موضوعياً بإستقلال عن وعي الانسان , وإدراك الانسان لهذه القوانين , لكن إدراك القوانين وحده لا يحقق الحريّة , بل توظيف هذا الإدراك لاستخدام القوانين في تحقيق الأهداف هو الحريّة بالمفهوم الماركسي.
لذا فيمكن تقسيم جدل الحرية والضرورة إلى ثلاثة لحظات:
أ‌- وجود قوانين الواقع وجوداً موضوعياً مستقلاً بغض النظر عن وعي الانسان لها من عدمه.

ب‌- وعي الانسان بهذه القوانين وإدراكه لها.

ت‌- توظيف الانسان لهذه القوانين في تحقيق أهدافه في تغيير ذلك الواقع ذاته.

{فالحرية إذن هي الوعي بقوانين الواقع لتغييره و تغييره}.

يقول انجلس في كتابه "ضد دوهرنغ" :" إنّ هيجل أوّل من تفهّم بشكل صحيح العلاقة بين الحريّة والضرورة. فالحريّة بنظره هي معرفة الضرورة . "إنّ الضرورة عمياء مادامت غير مفهومة" . فليس في الإستقلال الموهوم عن قوانين الطبيعة تتجسّد الحريّة, بل في معرفة هذه القوانين وفي الإمكانيّة المرتكزة على هذه المعرفة لإجبار قوانين الطبيعة بصورة منهاجية على أن تفعل فعلها من أجل أهداف معيّنة. وهذا ينطبق سواء على قوانين الطبيعة الخارجيّة , أم على القوانين التي توجّه الوجود الجسدي والروحي للإنسان نفسه , وهاتان فئتان من القوانين نستطيع أن نفصل إحداهما عن الأخرى في تصوّرنا فقط , ولا نستيطع فصلهما في الواقع أبداً.
وبالتالي لا تعني حريّة الإرادة سوى القدرة على اتخاذ القرارات عن معرفة بالأمر (يقصد قرارات واعية) . وهكذا , كلما كانت محاكمة الانسان بصدد مسألة ما أوفر حريّة , كلما تقرر مضمون هذه المحاكمة بقدر أوفر من الضرورة... إنّ الحريّة تتجسّد في السيادة على أنفسنا بالذات وعلى الطبيعة الخارجية , هذه السيادة المرتكزة على معرفة ضرورات الطبيعة ".


يتبع...



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن