مؤتمر كروزني بداية الأمل للأمة الإسلامية.

جعفر المهاجر
jaafar_almuhajer1944@yahoo.com

2016 / 9 / 28

مؤتمر كروزني بداية الأمل للأمة الإسلامية.
جعفر المهاجر.
بسم الله الرحمن الرحيم:
أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ- المائده-50.
تعرضت الرسالة المحمدية السمحاء على مر تأريخها الزاخر بالعطاء إلى مخاطر جمة من عتاة الكفر قبل أن تصل أنوارها المشرقة إلى أقاصي بقاع الأرض لتكون خير هادية ومنقذة للبشرية من عوامل التخلف والانحطاط والقهر.
لقد ضحى رسول الإنسانية محمد ص ومن معه من أولئك الأسلاف التقاة الأباة بالروح والمال،وقدموا التضحيات ألجسام، وصبروا على الشدائد من أجل أن تبقى رسالة الإسلام ناصعة مشرقة جليلة خالية من كل شائبة إلى يوم يبعثون. وكان على رأس المضحين تلك الكواكب النيرة من آل محمد ص وصحبه الغر الميامين الذين آمنوا بتلك الرسالة ولم يبدلوا تبديلا بعد أن عانوا الكثيرمن الغدر والتنكيل والقتل والحرمان والسجون الموحشة المظلمة على مر مئات السنين التي تلت الدعوة الإسلامية من أعدائهم الذين أنحرفوا عن الدين وحاولوا تشويهه وإفراغه من محتواه الإنساني الطاهر. وجعله منهجا للتعصب والجريمة والتحكم برقاب الناس ظلما وعدوانا.
ومرت الأعوام ثقيلة كثقل الجبال،وسيطر الحكام الظالمون من أرباب المال والنفوذ على مقدرات الأمة الإسلامية،وطغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، وبنوا ملكهم العضوض على جماجم المسلمين ،واعتبروا أنفسهم (خلفاء الله) في الأرض ، وأحاطوا أنفسهم بهالة من القدسية الزائفة، وسلكوا طريق القهر والإذلال لشعوبهم ، واحتكروا الثروات الطائلة وسخروها لملذاتهم وأهوائهم وشن الحروب على الشعوب المستضعفة، وسببوا في قتل الآلاف من المسلمين، وورثوا أبنائهم وأحفادهم من بعدهم وعملوا على تقوية سلطانهم بالإكثار من وعاظهم وإعلامهم وخدمهم وعسسهم الذين راحت أفواههم النتنة تقدم الولاء المطلق لهؤلاء الحكام الظالمين، وتطلب من الرعية طاعتهم في كل شيئ مهما فعلوا وأجرموا وبغوا. وأخذت تطلق كلمات الفحش والشتم والتنابز بالألقاب بحق كل مسلم يعارضهم فهذا علوي كافر، وذلك مجوسي صفوي موتور حاقد على العروبة وآخر رافضي مرتد،وقد بلغ الأمر بكبير وعاظهم أن يكفر شعبا قوامه 80 مليون مسلم تجنيا على الإسلام وكتابه المجيد ونبيه الطاهر ذي الخلق العظيم. وقد قال رسول الله ص:
( أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتفاخرها بآبائها ، ألا إنكم من آدم وآدم من طين)
وقال ص: ( العربية ليست بأب والد ،ولكنه لسان ناطق ، فمن قصر عمله لم يبلغ به حسبه)
وقال ص(إن الناس من آدم إلى يومنا هذا مثل أسنان المشط ، لافضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى)
لكن الوهابيين داسوا على كل قيم الإسلام الخيرة النبيلة،ونشروا مدارسهم التكفيرية الناطقة باسم الإسلام زورا وبهتانا،وطبعوا عشرات الآلاف من المناهج الدراسية المنحرفة ومن كتب التكفير الضلالية، وظل دعاتهم يزقون الأجيال في المدارس والمساجد والجامعات بفكر محمد بن عبد الوهاب الرافض لكل المذاهب الإسلامية، والمتناقض تناقضا صارخا مع مبادئ الشريعة المحمدية السمحاء. وتخرجت من تلك المدارس أجيال من المتعطشين للإنتقام والذبح والدمار.
وهاهم خريجوها من أتباع الوهابية يجسدون هذا الفكر المنافي لقيم السماء على الأرض يرتكبون أبشع المجازر وأكثرها خسة ودناءة تحت صيحات الله أكبر وباسم الإسلام الذي يعتبرونه حكرا عليهم فقط. فيذبحون كل من يخالفهم في نهجهم الدموي، ويأكلون الأكباد، ويغتصبون النساء دون خوف أو وجل من الله.وهم لايختلفون في سلوكهم عن عتاة الجاهليين كأبي لهب وأبي جهل وفجار قريش والخوارج لشراستهم وغيهم، ونزوعهم إلى سفك الدماء، وتحريفهم لآيات الله، وتعصبهم وتحجر عقولهم ، ومحاربتهم للقيم والمبادئ الإنسانية السامية التي حوتها العقيدة الإسلامية السمحاء وشملت الكون برمته والتي تمثل رسالة السلم والمحبة والفضيلة واحترام كرامة الإنسان ، ونزلت في لوح محفوظ من رب السماء إلى رسول الإنسانية محمد ص ليبلغها إلى أهل الأرض قاطبة. لكن هذه الوحوش البشرية حولتها إلى رسالة ذبح وحرق وحقد وكراهية وتدمير ماأنزل الله بها من سلطان.
ولا يشك اثنان في هذا العالم ،بأن الأمة الإسلامية تمر اليوم بمنعطف خطير وزمن عسير وأعداؤها يحاولون توجيه المزيد من الطعنات لها، نتيجة لما ترتكبه هذه القطعان الضالة التي ترعرعت في أحضان الوهابية الضالة لأكثر من قرن من الزمن.
وجاء مؤتمر العاصمة الشيشانية كروزني كصرخة مدوية بوجه هذه الفئة التي احتكرت الدين، وارتكبت جرائمها باسمه، واعتبرت نفسها بأنها الوحيدة التي تمثل سنة العالم.
ففي مساء الخميس الحادي والعشرين من ذي القعدة، سنة سبع وثلاثين وأربعمائة وألف موافق الخامس والعشرين من أغسطس سنة ست عشرة وألفين من الميلاد، انعقد المؤتمر العالمي لعلماء المسلمين برعاية الرئيس الشيشاني رمضان أحمد قديروف وحضور 200 من كبار علماء أهل السنة والجماعة من المذاهب الأربعة ومن ضمنهم الإمام الأكبر أحمد الطيب شيخ الأزهر تحت عنوان:
(من هم أهل السنة والجماعة) واتخذ القرارات الآتية:
1- عتماد كلمة فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر وثيقة أساسية للمؤتمر.
2- أهل السنة والجماعة هم الأشاعرة والماتريدية "ومنهم أهل الحديث المفوضة" في الاعتقاد، وأهل المذاهب الأربعة الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في الفقه، وأهل التصوف الصافي علماً وأخلاقاً وتزكيةً على مسلك الإمام الجنيد وأمثاله من أئمة الهدى، وهو المنهج الذي يحترم دوائر العلوم الخادمة للوحي، ويكشف بحق عن معالم هذا الدين ومقاصده في حفظ الأنفس والعقول، وحفظ الدين من تحريفه والعبث به، وحفظ الأموال والأعراض، وحفظ منظومة الأخلاق الرفيعة.
3- للقرآن الكريم حرم يحيط به من العلوم الخادمة له، المساعدة على استنباط معانيه، وإدراك مقاصده وغاياته الموصلة إلى الله، واستخراج العلوم الـمُودعة فيه، وتحويل آياته إلى حياة وحضارة، وآداب وفنون وأخلاق ورحمة وراحة، وإيمان وعمران، وإشاعة السلم والأمان في العالم، حتى ترى الشعوب والثقافات والحضارات المختلفة عيانا أن هذا الدين رحمة للعالمين، وسعادة في الدنيا والآخرة.
4- منهج أهل السنة والجماعة هو أجمعُ وأدق مناهج أهل الإسلام وأتقنها، وأشدها إحكاما، وأكثرها عناية بانتقاء الكتب العلمية ومنهجيات التدريس التي تعبر تعبيرا صحيحاً عن طريقة العقل المسلم في إدراك الشرع الشريف، وإدراك الواقع بكل تعقيده، وحسن الربط بينهما.
5- قامت تلك المدارس العلمية المعبرة عن أهل السنة والجماعة عبر قرون كثيرة بتخريج مئات الألوف من العلماء والخريجين، الذين انتشروا في آفاق الدنيا من سيبيريا إلى نيجيريا، ومن طنجة إلى جاكرتا، وتولوا الرتب والمناصب المختلفة، مع الإفتاء والقضاء والتدريس والخطابة، فاستفاض بهم الأمان في المجتمعات، وأطفئوا نيران الفتن والحروب، واستقرت بهم الأوطان، وانتشر بهم العلم والوعي الصحيح.
6- ظل أهل السنة والجماعة عبر التاريخ يرصدون كل فكر منحرف، ويرصدون مقالات الفرق ومفاهيمها، ويقيمون لها موازين العلم والنقد والتفنيد، ويظهرون الإقدام والحزم في مواجهة مظاهر الانحراف، ويستخدمون أدوات العلوم الرصينة في التمحيص والتصويب، فكلما نشط منهجهم العلمي انحسرت أمواج التطرف، واستقام الأمر للأمة المحمدية لتتفرغ وتنصرف لصناعة الحضارة، فوجد العباقرة من علماء الإسلام الذين أسهموا في الجبر والمقابلة والحساب والمعادلات المثلثية وعلوم الهندسة التحليلية، والكسور الاعتيادية واللوغاريثمات، والوزن النوعي، وطب وجراحة العيون، والطب النفسي، وعلوم الأورام، والأوبئة، والأجنة والعقاقير، وموسوعات الصيدلة، وعلوم الحيوان والنبات، والجاذبية الأرضية، وعلوم النجوم والبيئة، وعلوم الصوتيات والبصريات، وغير ذلك من العلوم، وتلك ثمرات منهج أهل السنة والجماعة التي لا تنكر.
7- تكرر عبر التاريخ هبوب أمواج من الفكر المضطرب والمنحرف، الذي يدعي الانتساب إلى الوحي الشريف، ويتمرد على المنهج العلمي الصحيح ويروم تدميره، ويزعزع أمن الناس واستقرارهم، وكانت أولى تلك الموجات الضالة الضارة، الخوارج قديما، وصولا إلى خوارج العصر الحديث من أدعياء السلفية التكفيرية، وداعش ومن سار على نهجهم من التيارات المتطرفة والتنظيمات المُسيَّسة التي يعتبر القاسم المشترك بينها هو التحريف الغالي والانتحال المبطل، والتأويل الجاهل للدين، مما ولَّدَ عشرات من المفاهيم المضطربة المغلوطة، والتأويلات الباطلة التي تناسل منها التكفير والتدمير، وإراقة الدماء والتخريب، وتشويه اسم الإسلام، والتسبب في محاربته والعدوان عليه، وهو ما استوجب انبراء العدول من حملة هذا الدين الحنيف لتبرئته من كل ذلك مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.)
8- يأتي هذا المؤتمر ليكون بإذن الله نقطة تحول مبا ركة لمعالجة الإنحراف الخطير الذي طال مفهوم "أهل السنة والجماعة" إثر محاولات اختطاف المتطرفين لهذا اللقب الشريف وقصرِه على أنفسهم، وإخراج أهله منه، وذلك من خلال تفعيل المنهج العلمي الرصين الأصيل الذي تبنته مدارسنا الكبرى التي تمثل صِمَام الأمان في تفكيك أطروحات التكفير والتطرف، ومن خلال إرسال رسائل الأمان والرحمة والسلام للعالمين، حتى ترجع بإذن الله بلداننا كلها منابر للنور، ومنابع للهداية. واتخذ عدة توصيات وقرارات مهمة تسحب البساط من الوهابية التي شوهت الكثير من مفاهيم الإسلام السمحاء.
ولا غرابة في تلك الحملة الظالمة الرعناء التي أطلقتها أفواه أتباع الفكر الوهابي المتطرف وفي مقدمتهم حكام مملكة آل سعود الذين صدروا الإرهابيين ، وشنوا الحروب المدمرة المهلكة على شعوب إسلامية كاليمن وسوريا ، ووعاظهم الذين أيدوا بغيهم وظلمهم وفسادهم وعجرفتهم ، ونطقوا بفتاوى التكفير ضد شعوب إسلامية وقعت ضحية لهذا الظلم الكبير،وطبعواعشرات الآلاف من كتب التكفير الضلالية التي تكفر من نطق بالشهادتين .
إن مؤتمر كروزني يعتبرردا بليغا على حكام الظلم والظلام، وبادرة أمل للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بعد صمت طويل .
بسم الله الرحمن الرحيم.
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) سورة الأنعام 123.
جعفر المهاجر.
28/9/2016



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن