الحدث التركي دروس وعبر

سامي الاخرس
samyakras_64@hotmail.com

2016 / 7 / 16

وقف العالم بالأمس على قدم وساق وهو يتابع أحداث تركيا، وتحرك وحدات من الجيش التركي للسيطرة على مقاليد الحكم بعد حقبة ظن الجميع بها أن عهد الانقلابات في هذا البلد قد ولى بلا رجعة، وإن كنت أسلم كما سلم الجميع بذلك نتيجة المتغيرات في السياسة التركية أو العقلية العسكرية التركية التي عهدناها منذ اعلان الدولة أو الجمهورية الأتاتوركية، وسطوة رجال المؤسسة العسكرية على مقاليد الحكم، ولكن لأن السيد رجب طيب أردوغان استطاع أن يطهر المؤسسة العسكرية ويقلم أظافر اصحاب النفوذ من خلال صندوق الانتخابات وتشكيل قوة ضغط جماهيري وشعبي لا يمكن قهرها، مستفيدًا من التجارب التركية السابقة، وتجارب الشعوب الأخرى وهو تشكيل قوة ضغط شعبية واعية ومساندة لا يمكن كسرها متفوقًا على الأحزاب الديمقراطية واليسارية التي تتغنى بالجماهير دون أن تتقدم خطوة لصالح الجماهير وتكتفي بالشعارات فقط.
المشهد التركي جاء حاميًا في احداثة وتلاحقاته الداخلية، باردًا في ردات الفعل الاقليمية والدولية، حيث حرص الجميع على انتظار صورة المشهد ومن ثم تحديد الموقف خاصة الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني وهم الأكثر تحالفًا مع تركيا، ولم تصدر مواقفهم إلا بعد ثلاث ساعات من الأحداث وانقشاع سحابة العمى التي حاولوا أن يمثلوها، وخاصة بعد خطاب السيد رجب طيب أردوغان عبر السكاي بي الذي دعا من خلاله قوته الحقيقية الشعبية للتصدي للحدث على الأرض التي يتبادر للذهن برهة أنها مرسومة ومحبوكة وفق سيناريو عاية في الدقة والحبكة العبقرية وفق تسلسل غير منطقي للعقل بدأ بتحرك وحدات للجيش وسيطرة على مراكز الدولة السيادية من اعلام ومطارات ومقرات ، واذاعة بيان الحكام الجدد، ثم اعلان بعض قادة الجيش أنهم لا يشكلون جزء من الانقلاب، ثم ظهور السيد أردوغان ودعوته للجماهير واتهام جماعة غولن مباشرة بأنها المخطط للأحداث، ومن ثم تسارع خصومه والأحزاب التركية المعارضة لتأييد السلطة المنتخبة ديمقراطيًا، ثم انقلاب المشهد وتلاشي سيطرة الجيش على المراكز السيادية وكأننا في عملية تحرير رهائن من خاطفين هواه لا يملكون إلا سلاح أبيض أو خشبي، وانتهاء كل شيء فورًا خلال ثلاثة ساعات فقط.
يبدو المشهد اشبه بدراما كتبه سيناريست عبقري ومخرج مبدع، سيؤول بكل الأحوال إلى بدء السلطات التركية بتصفية بعض التكتلات المعارضة في الجيش التركي.
بغض النظر عن سيناريو الأحداث وحبكتها إلا أن الأحداث التركية أكدت عدة حقائق من أهمها:
أولًا: أهمية تركيا في الواقع الاقليمي والدولي، وأنها أصبحت لاعب ذو ثقل يؤثر في السياسات والمواقف القليمية ولدولية.
ثانيًا: نجاح حزب العدالة والتنمية في تعئبة وحشد الجماهير التركية وتشكيل قوة اسناد وضغط وقاعدة صلبة له.
ثالثًا: اعتماد القوى الدولية على معيار المصالح وليس التحالف وهو ما تأكد من ردات فعلها المتأخرة وبرودها.
رابعًا: وعي ووطنية الشارع التركي وقدرته على تحمل المسؤوليات الوطنية، حيث لم يستغل حالة الفلتان والانفلات لتدمير مقومات الدولة التركية ومؤسساتها.
خامسًا: تخبط وغوغائية السياسيين والمحللين الفلسطينيين وانحيازهم لأهوائهم وعواطفهم الشخصية والحزبية وعدم قدرتهم على قراءة الأحداث بعلمية وهذا نتيجة أن الكل أصبح يفتي بغير علم.
عليه فإن الأحداث التركية بالأمس سواء كانت منظمة وممنهجة أو غير منظمة وممنهجة فهي بداية لمرحلة جديدة في السياسة التركية سواء على المستوى التركي الداخلي الذي سيشهد سيطرة ونفوذ اقوى للرئيس التركي أردوغان ولحزب العدالة والتنمية، وانذار شديد اللهجة لمن تسو له نفسه من معارضة سياسات أردوغان أو عرقلة خطواته القادة، كونه أكثر المنتصرين من هذه الأحداث من خلال قدرته على تحريك الشارع التركي بدقائق وهو ما يعتبر استفتاء حي ومباشر لقوته وقوة حزبه.
إن الحدث التركي هو درس وعبرة للعديد من القوى الإقليمية وخاصة القوى العربية وكذلك للشعوب العربية التي أصبحت معول هدم لكياناتها ومقوماتها الوطنية تحت مبررات اللاوعي والانقياد خلف مصالح بعض القوى الخارجية والداخلية.
د. سامي محمد الأخرس



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن