الدرويش الغاضب الذي هز عرش السلطان اردوغان

فؤاد الصلاحي
alsalahi_fuad@yahoo.com

2016 / 7 / 16

يبدو ان تركيا ستدخل ضمن مشروع الفوضى الخلاقة والعبث السياسي وهو مشروع امريكي يستهدف اعادة رسم خارطة جيوبوليتكية في الشرق الاوسط لاتكتفي بالدول العربية بل والدول المحيطة بالعرب وفق مكانتها الكبيرة جغرافيا وسياسيا مثل تركيا التي تعتبر عضو في الناتو وقد تم منحها ادوار سياسية اخفقت فيها خاصة في سوريا .. او في محاربة داعش او في العراق او في تقديم انموذج سياسي تتشكل معه دائرة تحالف واسعة تكون تركيا في طليعة هذا التحالف ..وللعلم هذا التغيير شبه الاجباري سيصل مداه دول الخليج خاصة السعودية ..وربما يصل الى ايران من خلال عمل عسكري قادم ..
اذا الانقلاب الفاشل مساء يوم امس له دلالات كثيرة على مستوى الداخل التركي او على مستوى الخارج الاقليمي وحلفاء تركيا ..والاخطر هنا الداخل التركي وهو سياق يعاني من ازمات عدة اهمها الازمة الكردية والمواجهة المسلحة مع الدولة واستقطاب كبير داخل المجتمع ضمن بروز حركية واسعة في الطبقة الوسطى والبرجوازية التركية المرحبين بالتوجه نحو اوربا ناهيك عن ازمات اقتصادية وجمود واسع في عملية الترقي الاجتماعي لفئات واسعة من المجتمع ..وهذا الامر يشكل ساق مولد لمزيد من الازمات السياسية والفوضى الامنية خاصة مع ظهور انقسام محدود داخل المؤسسة العسكرية او اختراق قوى سياسية لرتب صغيرة ومتوسطة كانت وراء الانقلاب الفاشل ..
ورغم الاعتراف بهذا الفشل الا ان له تداعيات من حيث خلق اهتزاز كبير داخل المنظومة السياسية والامنية والعسكرية هنا يكون المشروع الامريكي في تعميم الفوضى قد اطل بوضوح ولما كنت ضد الانقلابات ايا كانت لانها لاتؤسس لدولة حديثة بل تغير مجموعة او شخص باخر ناهيك ان الانقلابات وهذا المهم تقطع الطريق على المسارات الداخلية في التغيير والتحول السياسي والديمقراطي واحيانا تؤجل هذا التحول الى آجال غير محددة كما هو الوضع العربي الذي لاتزال الديمقرطية فيه والانتقال السلمى للسطة من الوعود المؤجلة منذ خمسين عام . وللعلم تركيا بلد حافل بالانقلابات العسكرية بدءا من العام 60 والعام 71 والعام 81 ثم محاولات انقلابية متعددة لم تنجح ..وللعلم ايضا النخبة العسكرية في تركيا اكثر تحديثا وانضباطا وتعمل ضمن تقاليد وطنية مؤسسية وليست كما هي في اليمن او سوريا مجرد حشود تتبع ولاءات اسرية وجهوية وطائفية ..وللعلم حداثة المؤسسة العسكرية جاءت مع تبلور مشروع الدولة لدى الجيل الاول المؤسس وقائده اتاتورك ظهرت معهم جميعا دول تركيا الحديثة ..وتزايد الاهتمام الدوليي بها والامريكي خصوصا مع العام 79 حين نجحت ثورة الخميني وفقدت امريكا حليفا استراتيجيا اتجه بسرعة نحو تركيا لتكون الحليف الجديد وتم دعم النظام عسكريا وحث دول خليجية للدعم المالي ..
الانقلاب احدث هزة في بنية السلطة السياسية وفي مشروعية اردوغان وسيكون له تبعات سياسية متعددة ..ورغم ايجابية الموقف العام للاحزاب حتى المعادية لاردوغان وموقف المؤسسة العسكرية برتبها الكبيرة ورئاسة الاركان فان اجهزة الامن والمخابرات هي من اجهضت الانقلاب بضربات سريعة للانقلابيين .كما قلت الانقلاب الراهن في تركيا له سياقاته الموضوعية في اطار اتساع الطبقة الوسطى ذات النزوع المدني والتعليم الحديث وبروز تيار واسع متجه نحو الارتباط باروربا مع نخبة من الراسمالية التركية ذات المشاريع الكبيرة ضمن مشاريع مشتركة مع مثيلاتها في اوربا حتى الاسلاميين الاصلاحيين مثل حركة فتح الله كولن وهي ذات توجه نحو اوربا ونحو الليبرالية الاقتصادية ..واذا كانت هذه الحركة وراء الانقلاب فان الدرويش كولن بغضبه قد استطاع ان يهز عرش السلطان العثماني اردوغان الى حد كبير .. لكني لا اميل الى الربط الميكانيكي بين الانقلاب والتحريض عليه من جماعة كولن وهي جماعة لها حضور في الشارع التركي لكن التخطيط للانقلاب لم يكن دقيقا ولا منظما ولامدروسا ومن ثم فالهدف الرئيسي هو احدث هزة في مشروعية اردوغان تجبره على اعادة تحالفاته العميقه مع مختلف الاحزاب وتحاوره معها وتجبره على تقليص نزعاته في الاستملاك الحصري للسلطة لان عودته اليها جاء وفق ادوار للعسكر والبرلمان والاحزاب ودعم شعبي لابأس به خاصة وان اردوغان كان قبل الانقلاب ينشر بروبجندا تروج لنجاحاته اقتصاديا وسياسيا وابراز صورته كسلطان عثماني واسع الحضور والفعالية ..هنا انكمشت هذه الصورة الى حد كبير ..
مع العلم انه قد سبق الانقلاب تراجع تدريجي في سياسات اردوغان اهمها اعادة التطبيع السياسي مع روسيا واسرائيل بعد ان كانت خطاباته عنترية تجاههما ...الجدير بالذكر ان هذا الانقلاب ليس بعيدا عن ادوار اقليمية ودولية انطلاقا من حقيقة سياسية ان الداخل في أي مجتمع معاصر ليس معطى محلي بل معطى اقليمي ودولي وتركيا لها حضور في الساحتين الاقليمية والدولية ولها منافسون كثر ناهيك عن الارتباط القومي والجهوي لقطاعات من السكان مع دول مجاورة لتركيا . واذا استطاع اردوغان احداث تغييرات كبيرة وواسعة في مختلف قيادات الجيش والامن فانه سيعمق التغييرات باصلاحات دستورية توسع كثيرا من صلاحيات كرئيس للجمهورية مما يمكنه من الامساك بصناعة القرار السياسي واحداث توجهات سياسية واجتماعية كبيرة في النظام والدولة التركية . لكنه من جانب اخر قد تقل سلطاته مقابل ماتلقاه من دعم عسكري وسياسي ممن وقفوا معه وافشلوا الانقلاب وهي استحقاقات لابد وان يقرها ويثني عليها ..لكن الاسئلة الهامة ستستمر مع حكم اردوغان والتي تتعلق بكيفية التعاطي بعد الانقلاب مع الازمة السورية والازمة العراقية وما طبيعة العلاقات التي ستكون مع دول الجوار الاخرى واخيرا هذا الانقلاب سيجعل الانتخابات الرئاسية القادمة محك رئيسي لاردوغان الذي قد لايحظى بدعم شعبي وحزبي لاعادة انتخابه مرة اخرى ..؟



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن