مفهوم الملك والملكية دستوريا ومفهومها في الإسلام

عباس علي العلي
fail959@hotmail.com

2016 / 7 / 8

مفهوم الملك والملكية دستوريا ومفهومها في الإسلام


الملك الملكية عنوان بارز لكل السلطات التنظيمية في كل المجتمعات ولا يخلو مجتمع منظم ومسيطر عليه بموجب عقد اجتماعي او بموجب فرض السلطة بالقوة من مظهر من مظاهر الملكية، حتى ما يسمى اليوم بالنظام الجمهورية هو في الحقيقة شكل من اشكال الملكية , الملكية تعني أولا في مفهومها ودلالتها تخويل شخص او مؤسسة بامتلاك القرار والسلطة وتحريكهما داخل مجتمع بشري طوعا او كراهية، ولكنه باي حال من الأحوال هو ضرورة اجتماعية لازمة للمجتمع، بمعنى ان الملكية هي قدرة في التحكم و امتلاك هذه القدرة وفرضها باي طريق لغرض انتظام حركة المجتمع وسيرورته اللازمة، الفرق الأساسي يكمن في طريقة تنصيب الملك و طريقة الوصول اليه وكذلك مما يفرض على الملك او ما يتقيد به من شروط .
الملكية من حيث هي نظام سلطوي مرتبط بضرورات الاجتماع الإنساني لا بد أن يكون على واحدة من المناطات الثلاثة:
• ملكية مطلقة غير خاضعة لدستور ولا تتحكم بها قوانين تلزمها خارج إرادتها الذاتية، فهي لا تتقيد الا بما يعتقده الملك من حقوق له على الناس، ويسمى أحيانا بالدكتاتورية الملكية وهذه تستمد مقوماتها اما من حق يعتقده الملك (الحق الإلهي)، او أن النظام الملكي ناشئ عن حق مقدس يشترك به مع الناس (الرعية) وهذا ما نجده في الكثير من النظم الملكية القديمة منها والمعاصرة على سبيل الحصر الملكيات الفرنسية والملكية اليابانية والملكية السعودية، فهي تنطلق في ذلك من حق ديني مفترض اما بالتنصيص او الدلالة او التأويل وكلا حسب ما يدع أو يزعم بعيدا عن كون هذا الحق صحيح أو مختلق.
• الملكية المقيدة بدستور والتي تتعاطى السلطة بموجب عقد اجتماعي تبادلي بين الملك والشعب، فهو مخول في الحكم بموجب دستور مقيد له ومنظم للعلاقة البينية بينه وبين الشعب، تتراوح هذه العلاقة بين التمديد الواسع والتحديد المتضايق، وهناك دساتير تعطي توازناً بين السلطات الممنوحة للملكية أي بين الملك والشعب، وهناك دساتير تنحاز للشعب اكثر وتبقي الملك مجرد رمز للسلطة و لكن الفاعل الأساسي هو ما يريده الشعب بواسطة ما ينتخب من ممثلين ( الملكية البريطانية ) وهناك ايضاً ملكية دستورية تتركز بيدها معظم السلطات ولكن تعطي جزء من هذه السلطات للمؤسسة التنفيذية التي تنتخب من الشعب ( الملكية الاردنية و المغربية ) .
• هناك ملكية تداولية يفرضها الشعب وان كانت تحت عنوان اخر هو الجمهورية ولكنها تخضع لنفس المحددات التي اوردناها في النقطة السابقة، إذن الملكية بعيدا عن الشكليات المظهرية الخارجية تبقى في الجوهر مفهوم واحد هو مفهوم السلطة، ومن يملكها ومن يتصرف بها على النحو الذي تساهم بشكل او باخر في إرساء دعائم المجتمع البشري المنظم، النظام الجمهوري لا يختلف تماما عن الملكية سوى ان الملك يصل السلطة بطريق واحد هو التوارث او الغلبة على السلطة ثم التوارث، أما في النظام الجمهوري يصل الملك او المالك (رئيس الجمهورية) اما بطريق الغلبة او عن طريق التفعيل في نصوص ومفهوم العقد الاجتماعي المنعقد بإرادة الشعب، بالنتيجة يبقى مفهوم الملكية واحداً سواء بهذا النظام الدستوري او بذاك .
في الإسلام وردت المفاهيم (الملك) و (الملكية) بنسق واحد هو النسق الذي تكلمنا عنه أنفا أي مفهوم ممارسة السلطة ومن له حق امتلاك القرار فيها، وهذا يعني ان الإسلام لم يبشر بنظام اخر بل بشر او ذكر مثال حي للملكية الدستورية المحكومة بقانون، وهو قانون غاية المجتمعات (الرشد) فقد ذكر ذلك في النصوص ان النبي داوود ع كان ملك و نبي ولكنه ملك محكوم بالدين بالفكرة الدينية الراشدة، فلا يمنع ان يكون النبي ملك ويحكم بما يمنحه الدين من قدرة على الوصول الى موارد وحيثيات ونتائج الخير الاجتماعي لأنه بما يملك من روح إيمانية قادر عليها بالقوة.
في صدر الإسلام انشأ النبي محمد ص مجتمعاً منظماً تفاعليا كان دستوره الأساس ليس القرآن من يظن الجميع ويعتقد، بل كانت المصلحة الاجتماعية وضرورات البقاء التي تستند في صورتها المثلى من الانتماء الواعي الى العقل الإنساني المجرد الذي ترشده الفكرة الدينية، لذا لم يكن النبي محمد ص لا حاكماً ولا ملكاً بل كان قائداً اجتماعيا (معلما أخلاقيا وتربويا) يؤسس لفكرة اكبر من فكرة السلطة واعظم من موضوع الملكية ذاتها، لقد ارسى النبي محمد ص تجربة أراد لها ان تؤسس لمجتمع فاضل يؤمن بأن الخير والأحسن والأفضل حين يكون مستوعبا لفكرة الدين ويعمل بجوهرها لضمان سعادته، مجتمع ينحاز للقيم والمثل والأخلاقيات اكثر مما ينحاز للسلطة ولصورها الدستورية التي تمثل له القوة القاهرة الفوقية، كان جواب الإسلام للناس حينذاك انكم احرار وعقلاء ولديكم خارطة طريق للعقل يمكنكم بموجبها ان تؤسسوا نظاماً اجتماعياً مبنيا على الضرورة الحتمية وحاجات البقاء لذا كان القرار منه ( وامرهم شورى بينهم ) .
لم يكن خيار الإسلام إذا محدد ملكيا ولا جمهوريا بالمعنى المتعارف بل كان خيارا حرا يرتكز في منهجه و نتائجه على المصلحة الشمولية و الخيرية و الأحسنية، لم يرسم في نصوصه طريقا محددا ملزما للمجتمع وهو يعلم أن كل الطرق تعني ملكية القرار وملكية السلطة وملكية أمر الناس في نهاية المطاف وإن تغيرت التسميات، وهنا لا بد أن بين خطل الصراع التاريخي بين من يعتقد ان الإسلام قد ترك الامة بلا دليل و لا منهج في خياراتهم السياسية الدستورية ونقول بكل ثقة أن هذا القول مضل وواهم، وبين من يقول ان الإسلام قد اختار للناس طريقا مرسوما ومخصوصا ومنصوصا وقد أخطأ المسلمون في تركهم إياه وهم بالتالي قد خالفوا أمرا عقائديا ملزما وأقول هو أيضا وواهم ومضل.
صحيح أن المسلمون أخطأوا الخيار من الناحية الأخلاقية والعملية في تركهم الأفضل للمفضول ولكنهم لم يخطؤوا أبدا من الناحية العقائدية، وهذه النتيجة خاضعة للفحص والنقد ولكنها تحولت بعوامل التنازع السياسي إلى الإشكالية الأولى التي تفرعت منها عناوين عديدة وإشكاليات متفرعة مزقت الأمة ولم تحفظ دين الله، كلا الفريقين ينقصه الدليل الحاسم وهو موجود في النصوص وكلا الفريقين جانب الحق أنتصارا للحزبية الضيقة، الفريق الأول يهدر الفكرة من أساسها وكأن الإسلام مرتبط بمرحلة الرسول وما بعد الرسول يمكن للناس ان يفعلوا ما يحلوا لهم او ما يختاروا بموجب نظريات الملكية التي تستند على حق عقد، فلا الخلافة الراشدة ولدت نتيجة تبني الفكرة الإسلامية لها ولا النظم الملكية التي تلتها توافقت معها، وهذا دليل على ان المجتمع الاسلامي لم يهضم جوهر الفكرة ولم يتعاطى معها بالصورة الإيجابية .
اما الفريق الاخر الذي يعتقد ويؤمن ان الإسلام ورسوله قد خصصا ونصصا على طريقة التداول السلطوي بعنوان الامامة، فهم لم يفرقوا بين الامامة الدينية كما وردت في النصوص (وجعلناهم أئمة ) ووظيفتها الدينية (يهدون بأمرنا لما صبروا) و بين الملك، فهم و غالب المسلمين يرون في الامامة سلطة كاملة دينية ودنيوية، بينما النصوص المحكمة تشير للإمامة على انها وظيفة تتعلق بالهداية وإرساء الدين في المجتمع بالصورة الأفضل (وأجعلني للمتقين إماما)، وهذا لا يمنع عقلا ولا منطقا ولا حتى طبيعيا أيضا ان يكون الامام ملكا وحاكما، طالما انه يمارسها بذات المفهوم الديني الراشد، مفهوم الهداية ولكن أيضا لا يوجب ان يكون كل إمام ملك ولا كل ملك امام وحسب مفهوم الامامة لدى هذا الفريق المحدد بالعدد المتفق عليه .
الدليل لهذا القول ان الامام المعني بهذا الوضع وهو الامام علي ع لم يطالب بكل الأحوال بالملك و لم يسعى له ولم يصرح بانه الملك المنصوص عليه و المشار اليه كما يزعم البعض، وان كان الخيار بالنسبة للمسلمين خيارا مثاليا لو اختير ملكاً وإماما لما عرف عن الامامة ارتباطها بالنبوة، ولو كان الواجب العقلي والمنطقي ان يكون الامام ملكا ولم يبادر لتنفيذ هذا الواجب يكون قد قصر في اهم وظيفة من وظائف الامامة وهي الهداية للحق، فمن يفرط بواجب الهي وحق موجب ومسند ومنصوص عليه بغض النظر عن التبريرات و التعليلات لا يكون اهلا للملكية أصلا، هذه النتيجة سار عليها كل الائمة ورائه والذين يعتقد أصحاب نظرية الامامة بها، بل سالموا الناس طالما كان ذلك فيه سلام للناس وتوافقا مع جوهرية الفكرة الإسلامية .
نرجع الى المعنى المستنتج من هذه المقالة وهي ان الإسلام كنظرية وممارسة حدد للناس طريقا مختلطا بين الحرية والنصيحة بين الخيار والمثال، بين (امرهم شورى بينهم) و بين (اتيناه الملك و الحكمة) (ومن اؤتي الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا)، لم يفرض الإسلام طريقا محددا في الحكم خارج السياق الطبيعي لما في المجتمع الإنساني من تجارب وناموس طبيعي، كما لا يبتدع طريقا مختلفا خاصا به وله شرائطه الخاصة أيضا بعنوان الخلافة أو الإمامة المالكة، فحتى نظام الخلافة هو نظام ملكي تراوح في وصفه بين الدستورية المقيدة وبين الحق الإلهي وكل حسب تجربته وكل حسب ما يقرا من الإسلام وما يجسده على الواقع الفعلي، الإسلام دين يتعامل مع العقل ويهيأ له القدرة والقوة على ان يكون هو الحاكم وهو المشرع وهو المنظر في المجتمع، على ان يتحمل العقل وحده المسؤولية كما يتحمل الحساب على قاعدة (ليبلوكم ايكم احسن عملا) .
الخلاصة التي نريد ان نصل لها ان كل مظاهر السلطة على المجتمعات وفي كل الأدوار الزمانية وفي جميع الأمكنة والأحوال هي ملكية خالصة، قد تتغير فيها العناوين والقوانين والعقود الاجتماعية، لكن تبقى هي المظهر الأهم لمعنى السلطان ومعنى ضرورة الاجتماع الإنساني، ولا يهم بعد ذلك ان تكون تحت أي عنوان طالما انها تؤدي الوظيفة وتستجيب للضرورات و المبررات الاجتماعية، (لا بد للناس من أمير بر أو فاجر) هذا منطق الإمام علي في فهمه للمسألة وعنوان خيارات الدين للبشر بعيدا عن حسابات إن أمنوا أو لم يؤمنوا لأن طريق الإيمان غير طريق الضرورة الأجتماعية، ولان الانسان في الاخر هو كائن اجتماعي خاضع بالقوة لمبدأ السلطة و لا يمكنه ان يكون حرا خارج هذه المفهوم ولو مؤقتا .



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن