شعر موسى حوامدة ، سلالته الريح ، عنوانه المطر

بشرى البستاني
dejla1988@yahoo.com

2016 / 6 / 29


شعر موسى حوامدة
سلالته الريح ، عنوانه المطر
أ.د. بشرى البستاني

***
تظل حاجة الانسان للشعر والفنون تتزايد باطراد مع ضراوة هيمنة المادة على الحياة وجشع الساعين اليها ، أقول هذا مخالِفةً الرأي القائل بضمور الفن كلياً مع تغوّل التطور المادي الذي يفوق إرادتنا وإرادته كذلك. فالفن عبر مسيرته الجمالية يسعى دؤوبا من أجل إحلال التوازن في حياة ليس لها أن تستقيم بالاحتكارات المادية وانغلاقها واستلاباتها ، مما يدفعه الى الانفتاح والتعددية من خلال العمل على كسر تلك الهيمنة بالكشف عما ألحقت بالانسان من اعتداءات وخطايا . لقد واظبت نصوص الشاعر موسى حوامدة عبر دواوينه التسع على الاخلاص لنصه الداخلي الذي لا يمكن لقرائه مهما بلغت درجة استشرافهم من الذكاء أن يدركوا تفاصيله كما يعيشه هو / ذاته الشاعرة ، وكما يعاني جزئياته وسريته التي تستلمها المخيلة ، وتلعب بها لعبتها الماهرة وتقوم بتركيبها تركيبا مغايرا للأصول ، بل قد يكون متنافراً معها ، فهو لا يكشف في كثير من الأحيان عن إشاراته الواقعية ، ولا يرتبط بعلاقات سببية معها ، كون حرية الفن التي هي أم الإبداع تُلغي السببية وتكسر قوانينها وتبدد تراتبيتها ، مما يمنح اللغة هيمنة تامة على المشهد. ويدرك حوامدة أن هذه اللعبة الفنية يجب أن توازي باقتدارها لعبة الموت والحياة التي لا مفر منها والتي تدور حولها أسئلة الفنون جميعا..فهو نفسه القائل:

"لا أملك هروباً من اللعبة .."

لكنه مع إعلانه عن هذا العجز الوجودي يؤكد من خلال نصه الشعري إدراكه العميق لقوانين اللعبة ومأساويتها وحاجة الإنسان لمهارة فنية وعمق رؤيا في التعامل مع مقدراتها. إن أهمية الشعر المعاصر والفنون الراهنة لا يكمن جوهرها في الأشكال قدر ما يكمن في رؤيته الكلية لمعضلة الكون وإشكالية الوجود والموجودات معاً ، بدءاً من مأساة الإنسان ومكابدة ما يحيط به من مخاطر وأزمات تحيق بالطبيعة وما حولها وما عليها من أشياء ، وهو في سموّه بتلك الرؤيا كان يحتاج للغةٍ مؤازرة ورؤيةٍ تعينه على احتواء الأزمة ، فكانت اللغة العربية بالرغم مما يكتنف أهلها وموطنها من عوامل السلب ، جاهزة للتحدي ، فقد آزرت الشعر ، لأنها الشعرُ في بدئها وزهوها وتألقها ، اللغة العربية هي الأمةُ وهي الشعر الذي به نهضت ، وبه دوّنت معارفها وحكمتها ووقائعها ، وبه كتبت زمنها بكل تقلباته ، لقد آزرت اللغة الشعرَ العربيَّ المعاصر في تصديه لصلادة المادة وثقلها وكارثية حوادثها وفداحة الجرم الذي ألحقته بالإنسان ، فراحت بدورها تتفتح وتستنهض طاقاتها الكامنة في القدرة على تجاوز حدودها المعيارية وقوانينها الدلالية القارة في المعاجم ، فاتسعت مرونتها لانفراط العلاقات بين الدوال ومدلولاتها وتعددت الدلالاتُ وتشظت وأنتجت بثرائها وقدرتها على الترميز تشكيلاتٍ جمالية جديدة ، وتداخلت العلاقات بين عناصر الطبيعة والإنسان والحيوان والأشياء داخل التشكيل الشعري ، مما منح كلَّ شيء نبضاً ودفئا ومشاعرَ وأحاسيس ، وكأنها بهذه العملية الفذة تعوّض الحياة عن الدفء الذي تفقده كلّ يوم بالقتل والحرق والسلب والعدوان.

يؤكد الشعر المعاصرُ لقارئه أن الشعر فنُّ الفنون ؛ لأن بنيته تقوم على اللغة التي تعدّ الأكثر تداولاً في سلسلة آليات التواصل ، ولأن الفنون جميعها تسعى للوصول إلى مستوى الشعر ، فضلا عن كونه القادر على احتوائها بالشعرية الرحبة ، تشكيلا ودلالة وبهاءً وموسيقى وكسراً لقيود الفكر التي اصطنعها عصرُ التقنية الذي أودى بالانسان وبقيمه وبمشروعه الجمالي والحضاري معاً.
إن قارئ شعر موسى حوامدة يتلمس بلا شك ما يكمن وراءه من مرجعيات فلسفية ، فهو القائل بثقة ، "الشعر شقيق الفلسفة" بدونها يغدو سطحيا ، وقد يتحول لمقال مباشر ، إن عودة الشعر لوعي الفلسفة ادراكٌ منه لخطر انسحاب القيم من الحياة وغياب حكمة التأمل والتأني ، وهيمنة خطر التقنيات التي تهدد الانسان وجهده الحضاري ، فماذا بقي الآن بعد أن تحولت التقنية الى فكر كوني استنفد طاقته القصوى، فكرٍ نسي الانسان وأمنه الروحي وحاجاته الأساسية ، بل صار يهدده ويجتاح أرضه وعمرانه بالنيران سعياً وراء لغة الحساب والذرائع . إن عصر التقنية لا يتمثل خطره بتراكم منتوجه الآلي والصناعي ، بل يكمن دماره في تسليع الانسان وتوظيفه خادماً للتقنية بينما الأصلُ أن يحدث العكسُ تماماً ، فالتقنية كما يؤكد هيدجر "وضع أنطولوجي" يحكم الواقع ويلقي بثقله على المؤسسات التي وجدت لإسعاد الانسان وتنظيم حياته ، فانقلبت وبالاً عليه يوم انتصر الفكر الحسابي والسلوك الاحتكاري على القيم ،وغاب السؤال وهيمن هاجسُ المصلحة على القيمة ، وغابت فاعلية اللغة لتصبح واسطة ذرائعية لنقل الفكرة وخدمة المعلومة ، من هنا أشاعوا موت الشعر الذي تُضرّ فاعليته بمصالحهم ، لأن لغته لا ترتوي إلا بالقيم وسموها ، وبمشاعر الدفء والحنو وكرامة الإنسان. مع الشعر تكلم الفكر لاول مرة بوصف اللغة بيت الوجود حين حاور الشعراءُ عصورَهم بكيفياتهم الخاصة وليس بمنطق واحد كما تهدف العولمة.

بقراءتي لشعر حوامدة أجدني لا أتفق مع من يرون أن شعره يرتكز على ايديولوجية محددة ، لأن رؤاه أوسع من التقيد بحدود الايديولوجيا ، كما لا أتفق مع القائلين ان كلّ شعره يتأرجح بين الرؤى والدلالات ولا يستقر على إحداها ، فحينا يثبت وأخرى ينقض ، ولو أن سمة الاستقرار لا تتسق وحركية الفن، إذ ليس من وظائف الفن طرحُ مواقف حاسمة إلا من قضية الإنسان ، لكني أراه بوعيه الذي استوعب معضلات العصر وانكسارات الانسان ، شعراً إشكالياً يعمل على خلخلة المسلمات والصدام مع الثوابت القارة وإزاحة سكونية المفاهيم ليمنحها من خلال فاعلية الشعرية أبعاداً جديدة ، ويطرح الأسئلة تلو الأسئلة ،لكن بعيداً عن المباشرة ، وطارحُ الاسئلة لا يتأرجح قدر ما يبحث ويستقصي ويتساءل. وشعرٌ كهذا لا يرهق قارئه كما قيل ، لأن الإرهاق لا يتأتى عن الغموض بل هو ناتج الإبهام ، أما الغموض الذي يتسم به الشعر الأصيل ، فهوسمة جمالية لا ترهق بل تثير ، والإثارة تدفع المتأمل إلى المثابرة من أجل العمل على كشف غلالة الغموض ليضيء الجمال المضمر وراء التشكيل الغامض حين يتضح ويبين. إن الإبهام يضرُّ بالفن وبالمتلقي معاً ، بينما يُضفي الغموضُ دهشة الفن وبهاءه على النص والمتلقي ، ويدفع الناقد لإضاءة الغامض وكشف أسراره بأدوات معرفية ، فالفن يتمُّ إنتاجه ذاتيا ، لكنَّ الناقد يعمل على إعادة الذاتي الفردي للجماعي وللمعرفي معا.
بين يديّ كتاب / رسالة جامعية ، كتبها الباحث عبد الخالق فرحان الخاتوني بقلمٍ شاب ، حاول بكل جهده ، وما لديه من خبرة غضة أن يمنح الشعرَ قيمته فنجح هو ومشرفه أ. د. سعود أحمد يونس في إطار منهجهما النصي.
أشدُّ على يد شعر موسى حوامدة وهو يؤكد أنْ "ليست ميتةً هذه القصيدة" وأقول له ، لن تموت ، لأن مَنْ كانت سلالته الريح فلا شك أن عنوانه المطر.

Dejla1988@yahoo.com بشرى البستاني



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن