الحلقة الخامسة /نوافذ دائرة الطباشير

ذياب فهد الطائي
s_altaye@yahoo.com

2016 / 6 / 1

نوافذ دائرة الطباشير
رواية
الخامسة
ذياب فهد الطائي
قالت المرأة :- ثبّت الشمعة هنا قبل ان تشعلها ؟

قال الرجل : ان هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا

قالت المرأة التي احدى عينيها من الزجاج : ماذا قلت ؟!

قال الرجل : كنت ادعو لمولانا !

كان الضريح قد أزيل ، وحلت حديقة دائريه امتلأ محيطها بورود ملونه ، كانت الى ماقبل ايام تزهو كأنها فردوس صغير للتعويض عن أيام بالغة الزهو والجمال رآها آدم قبل ان ينزل الى الأرض مطرودا ، فضلا عن بضع شجيرات من الصفصاف .

قال( الكلي المعرفة) في يوم كان غبار ناعم يتقدم نحو القرية فيما تجمعت سحب داكنة تسرع نازلة من الشمال وتسد الطرقات التي اصبحت واسعة بفضله
:-الشياطين لاتعبث خارجا !

بدأ سكان القرية بتلاوة القرآن.

وقالت امرأة شيخ الجامع: ان الصيحة آتية ولاريب .
ولكن مدرس الفيزياء الرجل الأبيض والذي ينتشر (البهاق ) في يديه قال

:- ان الموضوع لايتعدى اختلاف في الضغط الجوي اندفعت فيه الرياح من منطقة الضغط العالي .
من الواضح ان هذا الكلام مردود علية لصالح امرأة شيخ الجامع اذ لم يلحظ اي من السكان في القرية ان هناك رياح ما

قال الحارس الليلي الذي يقوم بتنظيف الجامع كل مساء قبل ان تبدأ نوبة حراسته

:- لماذا لا ينشغل بمعالجة البهاق في يديه ، أليس هذا افضل من إلغاء الإرادة الألهية التي تحكم الجن والأنس ؟!

حين توجهت المرأة التي إحدى عينيها من زجاج الى بيت المحافظ لتقف على الأمر اليقين، قيل لها أن السيد المحافظ قد ترك العمل لدى الحكومة وهو ألآن في ضريح سيدنا الولي ينظف الأرض ويقرأ القرآن طوال الليل و أن هذا سيكون مستمرا وليس لليلة واحدة .

بدا من الواضح أن قرار السيد المحافظ ان يكون خادم الضريح والمسؤول عنه لم يكن قرارا مفاجئا، بالنسبة له على الأقل ، فقد سبقته ايماءات عدّة .

توقف عن الذهاب الى دار الغجرية الشابة ذات الشعر الأسود الطويل والذي كانت تطوّح به أمامه كلما رأته يرفع كأسه ، ثم توقف عن الذهاب الى دار الحكومة .

قالت زوجته : -انه لاينام منذ أسبوع وكأن به مس من الجنون يخاف من الرقاد وينظر الي بعينين زائغتين لاترياني ، تنظران الى البعيد المجهول وكأنهما تستطلعان عالما بعيدا لاأراه ، كنت استيقظ فأراه منزويا يتملكه رعب فظيع والعرق يتصبب منه وهو يردد
(( واني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى )) بعدها يأخذ بألأرتجاف ثم يصمت .

قال إن الولي أبو صالح يدعوه , خرج فجرا من دون أن يودع أحدا ، لم يحمل معه غير مايلبسه وبضع أرغفة من الخبز .

كانت الفتاة القادمة من العاصمة تسير بمحاذات النهر بخطى الملائكه يسندها شرطيان ويصطف جمهور على الجانبين يتطلع بعيون جائعة ، كانت نظراتهم الطويلة غبية وهي تنتظر عملية قطع الرأس .
الصبايا المهيئات للزواج كن يبتسمن ببلاهة متشفية ، تطلعت نحو (المحافظ ) الذي كان يقف في آخر الصف قرب السياف الذي يتخفى بغطاء أسود ويرتدي بنطالا يشدّ بقوة على فخذيه فيما كانت بلوزة حمراء تسد الأفق تعطي صدره العريض مظهر قوة مضاعف .
هبط مطر وردي من سماء صافية شديدة الزرقة عندما ابتسمت ، كان في عينيها عناقيد عنب تتدلى وتعد بشيء أبعد من الموت واقوى من فخذي السياف المتباعدتين والمسمرتين في ألأرض بقوة عمياء لاتعني غير العدم .

انساب شعرها المتوهج الذي تداخلت في خصله أشعة الشمس الغاربة والتي بدأت تهبط في رمال منبسطة فسيحة وكأنها بلا نهاية , شملت الجمهور بنظرة متسامحة تمنحهم عطفا وتنازلا عن حقها في ان توبخهم على هذا التجمع الاحتفالي ، في حين منحت السيد (المحافظ ) نظرة تقطر احتقارا، شعر حينها أن قشعريرة سرت في بدنه ، فر من عينيها عصفوران بلون الشفق البرتقالي المحمر ويقسم ألسيد ( المحافظ ) انه سمع رفيف اجنحتهما وهما يعبران فوق رأسه في الصمت المترقب الذي كان يخيم ثقيلا على المكان ، حتى النهر انساب بخشوع أقرب لصلاة دعاء متوسل .لمع السيف كبرق غاضب سريع
ثم هوى على الرقبة الغضة الطرية وانبجس دم حار انساب على الجلابية السوداء ثم غار في ألأرض الطينية الهشة.

رفعت سالومي القناع السابع وشعر السيد (المحافظ ) ان فورانا عاتيا يتصاعد وشاهد الشياطين الثلاثة الصغار، والذين لايمكن رؤيتهم بالعين المجردة، يرقصون بنشوة صوفية ذاهلة , لم يكن جسد سالومي دافئا , كان يبعث برودة تصك ألأسنان ، وهرب الشيطان الذي كانت منطقة نشاطه( الجبهة )السفلى فقد اصبحت المنطقة كلها صقيعا لم يعتده ،هو الذي يعمل دائما في المناطق الملتهبة .

أمر ( الكلي المعرفة ) بتعيين ابن أخيه الذي مازال في الصف ألأول المتوسط والذي لم يلتحق بعد بالكلية العسكرية ليحمل نجيمات ذهبية تعشقها فتيات القرية وكان ذلك قد دفعه الى ان يخاصم عمه .
أمر بتعيينه ( محافظا ) وبرغم ان هذا المركز لم يعجب صديقته الصبية التي كانت مولعة بمضغ (العلكة ) لتصنع منها بالونات تصدر اصواتا سوقية وهي تنفجر على شفتيها الممسوحتين ، لأنها كانت تريده بالنجوم الذهبية لتغيض به صديقتها المخطوبة لضابط في الشرطة ، الّا ان أمها أقنعتها ان المحافظ أكبر من ضباط القرية كلهم فصمتت .

حاول (الكلي المعرفة ) أن ينسى قيام المحافظ بالعمل على خدمة الولي، ولكن ألأمر الذي استثاره ، هو ان المحافظ قد أطال لحيته خلال اسبوعين الى اكثر من نصف متر وان أهل القرية بدأوا يتحدثون عن ذلك في المقهى بدلا من ان يتطلعوا الى التلفاز مساء ليشاهدوا (الكلي المعرفة ) وهو يزور كلية للبنات في العاصمة فيما راحت فتاة كأنها هبطت للتو من كوكب ابيض تزغرد فتبعث فيه احساسا غائما بالفرح والنشوة

: أولاد الكلب .

قالها وهو يشاهدهم يتحدثون عن الولي الذي ألهم السيد ( المحافظ ).

وحين قالوا له انهم استمعوا لأشرطة تتحدث فيها نساء كبار المسؤولين عن كرامات الولي الذي استطاع ان يمنح المحافظ لحية شديدة السواد الى الحد الذي يكسف لونها لون شوارب (الكلي المعرفة ) ، رغم انه يستخدم صبغة شديدة الفعالية ومركزة تم تصنيعها له بعد ان أمر بأيقاف تصنيع المعدات العسكرية ليكون المصنع ألألماني الكبير في خدمة شواربه فقط ، شعر بانه يتعرض لأهانة بالغة وأنه لابد من اتخاذ عمل سريع وحاسم ، وهكذا قرر ازالة قبر الولي من المنطقة واستبداله بحديقة وسطية لشارع يلتف حول القرية ويخترق الهضبة.

رفض سائق الجرافة أن يرفع الذراع الحديدي ويغرس الأسنان الحديدية في الجدار الطيني بعد ان حاول ذلك للمرة الثالثة ، ولكن الجرافة أبت ان تستجيب له وشعر بخوف يجتاح كيانه كله وبرجفة حادة تهزه بعنف وأقسم انه شاهد الولي يقف بطوله المتعالي وبكبريائه التي تتماهى بتسامح ساحر ينظر اليه بابتسامة عذبة كأنها ندى الربيع فوق عشب الهضبة وورودها صباحا .
قال السائق انه سمع صوت الولى هادئا ، عميقا، ولكنه نافذا بصلابة لاتتناسب وانسيابيته , لم يحرك فمه ولكن الكلمات كانت تتحرك في الفضاء الذي يفصل بينهما ثم تدخل أذنيه وتتملكه وهي تسري تحت الجلد تتحكم بمسار دمه ويشعر بالعطش اذ يتملكه جفاف في فمه وفي الرئتين وكأنه سيجف تماما ، ويشعر ايضا انه يضيع .

ركن السائق الجرافة جانبا ، تعصف به مشاعر خوف تهزه بعنف وقال لزوجته

:- لقد خفت عليك وعلى ألأولاد , لن أفعلها مهما كلفني ذلك , لن اخسر الدنيا والآخرة ، مع (الكلي المعرفة ) سأخسر الدنيا ولكن مع الولي سأخسر الأثنتين

قال شيخ الجامع وهو يتطلع بوله الى زوجتة الصغيره وكانت الرابعة بين زوجاته ألأحياء والتي دفع (الكلي المعرفة ) كامل مهرها وهو يغمز له بعينه اليسرى التي يبدو الحاجب الراكب فوقها , اكثر غزارة بشعيرات خشنه يمكن حسابها وتضفي عليه انطباعا قاسيا حين يكورها وهو (زعلان ) .

: غدا سيكون لي حديث آخر !

لم تفهم مايرمي اليه ولكنها انحنت لتسكب الشاي في الكوب ، فبان نهداها الصغيران المدوران كحمامتين اشتد وجيبهما ،فقال

:- ولكن اليوم سيكون لي ايضا حديث آخر !!



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن