دليلك إلى حياة مقدسة! (الفصل الثالث)

وفاء سلطان
talk2sultana@yahoo.com

2016 / 4 / 5

من المهم جدا أن يتسلح الكاتب بالمعرفة!
لكن معرفته لا تفيد مالم يكن قادرا على ايصالها لقارئه بطريقة سهلة الهضم وغير مملّة، وخصوصا أن المعرفة بحد ذاتها جافة وثقيلة….
كنت أتحاور مرّة مع شخص من بلد عربيّ ما، جرنا الحديث إلى الكتابة والكتاب، فقلت في سياق حديثي: لم أقرأ يوما لكاتب معروف من بلدك، فرد صديقي على الفور: لا، عندنا فلان الفلاني هو كاتب معروف جدا..
قلت: لم أسمع به من قبل!
فرد ببعض الحنق: مشكلتك أنت وليست مشكلته!

لا يا سيدي مشكلته هو وليست مشكلتي!
الكاتب الذي لا يستطيع أن يصل إلى عموم الناس، بمن فيهم مؤيدوه ومبغضوه، ليس كاتبا….
لقد قيل مرارا: العرب لا يقرأون…
وردي: هم لا يقرأون لأنه لا أحد يكتب….
والدليل لقد قرأوا نزار قباني ونوال السعدواي وطه حسين ونجيب محفوظ وغيرهم (قليلون لكنهم موجودن)!
بالمناسبة، بحثت عن الكاتب الذي قصده صديقي، فوجدته يكتب بلغة “أجنبية” لا أجيدها فك طلاسمها….
ربما تجيدها “النخبة المثقفة”!!!
تلك العصابة التي أطلقت على نفسها في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي “النخبة المثقفة”،
وحشرت أفرادها في برج ليس عاجيا بل حديديا!
أوهمت الناس أنها، وحدها دون غيرها، تملك سرّ البيضة والفرخة، وأن المستقبل رهن يديها…
صدق الشعب ـ لبساطته وبأغلبيته شبه الأمية ـ كذبتهم، وصار يشير اليهم بالبنان، متذكرا اسماؤهم فقط، وغير قادر على ممارسة فكرة واحدة من أفكارهم…
لكن المأساة تكمن في أنهم نجحوا، نجحوا في صناعة المستقبل “الثقافي” الذي احتكروه….
وها نحن اليوم نعيش هذا “المستقبل”، ألا وهو أمة لا تجيد أن تقرأ إلاّ “ما أنا بقارئ”!!!
….
في كل سطر من هذا الكتاب راعيت قارئا مولعا بالقراءة، ومعنيّا بأن يفهم ما يقرأ!
راعيت قارئا من حقه أن يستوعب، ومن واجبي أن أكتب بطريقة سهلة الاستيعاب!
الإبداع هو أن تمارس عملك على أتمّه وفي أجمل صوره بأبسط الطرق المتاحة….
المعرفة معقدة، لكن الإبداع هو القدرة على تفكيك المعقد وتحويله إلى إبسط أشكاله، تفكيكه بعفوية تسمو بروحك ولا تستنزف طاقتك!
الكتابة بالنسبة لي هي تبسيط المعقد، وفي سياق ذلك التبسيط تنتعش روحي وتفيض طاقة وحيوية…
عندما أقرأ لبعض الكتاب، وخصوصا ذاك الذي ربح عضويته في “نخبتنا المثقفة”، لا أرى سوى فأسه ولا أشم سوى رائحة عرقه…
فأشعر بالشفقة على جهوده غير المثمرة، وعلى طاقته المستنزفة وروحه المرهقة…
وتزداد شفقتي على قارئ أضاع ذرة من جهده في محاولة لفهم ما قرأ….
…………..
وصلتني من باب النكتة رسالة على بريدي الخاص، تقول: سألوا أردني: ليش دائما مكشر وعصبي؟
قال: قهوتنا مرة، وبحرنا ميت وخليجنا عقبة وطبختنا مقلوبة وأشهر أسمائنا زعل ومهاوش وعدوان، ومطربنا اسمه متعب، وأشهر أغانينا “ويلك يلي تعادينا يا ويلك ويل”، وبدكون اياني ابتسم؟!
لم أقرأ سابقا مادة مكتوبة تجسد حقيقة تلك الأمة الميؤوس منها وسرّ فشلها، كما جسّدتها تلك الرسالة!
………
لي من الأصدقاء الحقيقين والفيسبوكيين الكثيرون، ولكن أقوى علاقة استطعت أن أقيمها في حياتي كانت مع الكلمة!
من خلالها تعرفت على أشخاص كان من المستحيل أن ألتقي بهم على أرض الواقع،
وعلى شعوب وعادات لم أكن اؤمن بوجودها إلا في الخيال،
وعلى أفكار لم أشعر بحلاوة بعضها إلا في العسل، ولا بمرارة بعضها الآخر إلا في الحنظل!
.....
تلك العلاقة بلورت لاحقا علاقتي بزوجي وأولادي وأحفادي وأقربائي وأصدقائي و”أعدائي” على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم…
تلك العلاقة حددت طبيعة علاقتي بالأشياء اعتبارا من زجاجة العطر في خزانتي ومرورا بماركت كومبيوتري وانتهاء بدمية حفيدي…
تلك العلاقة ساعدتني على أن أتخيل الله كما أريده، وأصبح كما يريدني….
تلك العلاقة أضاءت المخفي والمكشوف، وسمحت لي أن أختار بوعي وبملىء ارداتي…
لذلك، أملك الحق أن أقول “ تلك العلاقة أنجبتني”!
حياتي كلها كلمات….
لم أعش حياة واحدة، بل عشت المئات…
عشت حياة كل كاتب صبّها على ورقه، عشتها بحذافيرها، بخيرها وشرها، بقبحها وجمالها، واستخرجت منها حكمة تفيدني في الحياة…
لذلك، استفدت من تجارب الكثيرين دون أن أدخلها إلاّ على صفحاتهم….
تلك هي قوة الكلمة….
تسمح لك أن تعيش حياة كاملة في غضون أيام، وتسمح لك أن تصبح شيخا حكيما وأنت في مستهل شبابك…
أحيانا أشعر أنني أعرف مارك توين ورالف والدو اميرسون ووالت ويتمان، و “النبي” محمد وابن تيمة ونزار قباني وعبدالله القصيمي ونوال السعداوي أكثر مما يعرف كل منهم نفسه!
لقد تعرفت عليهم من خلال أقوالهم، فالكلمة هي ماتنضحه الروح من طيب أو خبث، والإنسان يتعلم الحكمة من الطيب والخبيث على حد سواء!
بعض الأموات مازالوا يتركون بصماتهم في حياتي وبعض الأحياء ماتوا من زمان…
الكلمة هي التي حددت بقاء البعض ورحيل البعض الآخر!
....
قال لي جدي يوما، وبكل براءة: كتاب “الجفر” للإمام علي يحوي سرّ الحياة والكون كله!
لم أقرأ هذا الكتاب في حياتي، ولست أظنه موجودا…
لكن، ومنذ أن قالها وأن أرى في كل كتاب جفرا وفي كل جفر سرا من أسرار الحياة!
لم أعد اؤمن بالمعنى الذي تحمله عبارة ما وحسب، بل صرت أهتم أكثر بالكلمات التي تصيغ تلك العبارة…
فلو طلبتَ من نزار قباني أن يعبر عن عشقه لحبيبته، وطلبت ذلك من شخص آخر..
قد يعبّر الإثنان بنفس المعنى ولكن قوة الكلمة ومكانها هي التي ستميّز نزارا عن غيره!
للكلمة ـ أية كلمة ـ طاقة تفيض منها عندما تُكتب أو تقال….
قد تستخدم الكلمة السلبية لتعبر عن حاجة ايجابية، وقد تستخدم الكلمة الإيجابية لتعبر عن حالة سلبية، ولكن اللاوعي عندك يمتص سلبية الكلمة أو ايجابيتها غير عابئ بالمعنى الذي حملته العبارة!
أنا لست بخير…
أنا لست مريضا…
كلمة “خير” في العبارة الأولى كلمة ايجابية عبّرت عن حالة سلبية…
كلمة “مريض” في العبارة الثانية كلمة سلبية عبّرت عن حالة ايجابية…
اللاوعي عندك سمع كلمة “خير” فظن الأمور خيرا….
وسمع كلمة “مريض” فظن بالأمر سوءا….
ولذلك صاحبنا الأردني على حق، وهو أشطر من أشهر عالم نفس كنت قد تعرفت عليه عندما يتعلق الأمر بوصف حالتنا اللغوية المزرية وكشف أسبابها…
لقد امتلئ اللاوعي عنده بلغة سلبية جافة قاحلة لا تثمر ولا تسمح بالإبداع…
لذلك، ذهبت جهود الذين يطلقون على أنفسهم “القرآنيون” سدى، وهم يحاولون جاهدين أن يخففوا من حدة لغة القرآن البلدوزرية، ويكسبوها معنى ليس ألطف من المعنى الذي تحمله وحسب بل مناقض تماما له، مثلهم كمثل شخص يحاول إقناعك أنه يحمل سكينا، بغية أن يطبع بها قبلة على خدك!
……..
يقولون الحياة غير عادلة، ورغم مافي ذلك القول من حقيقة، أشعر أحيانا أنه وطالما يمتلك كل انسان على سطح الأرض نفس الحق في استخدام القاموس، لا بد أن الحياة قد ساوت بين الجميع!
لغتك هي أنت، هي التي صنعت ماضيك وتصنع حاضرك وستصنع مستقبلك..
كنت أستمع مرّة إلى الشيخ الشعرواي يتقيأ بعض فتاويه، فأرعبني إصراره على أنه لم يقرأ حرفا خلال الستين عاما من حياته خارج دفتي القرآن!
ليس هو وحده، بل هي الأمة بأكملها…
لقد احتقنت تلك الأمة بطاقة القرآن السلبية حتى انفجرت!
أكثر من خمس وعشرين مرة ورد في سورة البقرة الفعل “قتل” ومشتقاته، ناهيك عن لغة التهديد والوعيد والتكفير!
والأكثر إيلاما تلك السور القصيرة التي حشوا عقولنا بها في سن مبكّرة جدا..
“إن أعطيناك الكوثر فصلي لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر”
وقس على ذلك…
هذه الآيات القصيرة علمونا اياها في المدارس الابتدائية في سنوات عمرنا المبكر، فبنينا لاحقا قاموسنا اللغوي على ذلك الأساس الواهن وغير المشذب!
لنفرض جدلا أن السورة السابقة وردت على الشكل الآتي: إن أعطيناك الكوثر فصلي لربك واجهر، إن غرسك هو الأثمر!
ألا تتصور بأن الطاقة التي ستحقنها تلك السورة في نفس قارئها ستكون أكثر إيجابية وفعالية؟؟
ألا تشعر بالفرق بين كلمة “انحر” وكلمة “اجهر”؟
ألا تشعر بالفرق بين كلمة “غرسك” وكلمة “شانئك”؟
ألا تشعر بالفرق بين كلمة “الأبتر” وكلمة “الأثمر”؟
ناهيك عن حجم ذلك الفرق عندما يكون الناطق لتلك الكلمات طفلا في مراحل حياته الأولى، تلك المراحل التي يكتسب فيها قاموسه اللغوي….
الكلمة، كما هو أي شيء في الكون، مشحونة بطاقة خاصة بها، قد تكون سلبية أو إيجابية…
لذلك، عندما تستخدمها تبث فيك طاقتها، ولاحقا تصبح كما هي كلماتك سلبيا أو ايجابيا!

للمطر عندي طقوس مقدسة، فهو أكثر الظواهر الطبيعة إنعاشا لروحي….
تحوم خلاله روح جدتي في سمائي، وتمدني بنفس الطاقة التي يمد بها المطر أرضه العطشى..
كنت صغيرة، ربّما في عامي الثامن، عندما رحت أراقب زخات المطر وهي ترقص على زجاج نافذتنا، ثم قلت أحدث نفسي: أكره المطر….
يبدو أنه كان يمنعني من أن أركض في أزقة الحارة وأمارس شغفي…
لم أكد ألفظ تلك العبارة، حتى شهقت جدتي، وردت بحزم: ما بتحبي المطر؟؟؟ مين مابحب المطر؟؟ لاه يا عين ستك، المطر نعمة للبشر!
(مابتحبي المطر؟؟؟؟ هو نعمة للبشر!)
كلمات لم تغير موقفي من المطر وحسب، بل غيرت موقفي من الحياة عموما…
لم أعد أكره…
لم تتساءل جدتي لماذا أكره المطر، بل تساءلت لماذا لا أحب المطر…
بين أن (تكره) وأن (لا تحب) تشابه في المعنى وفرق كبير، كبير جدا في الأثر الذي تتركه كل من الكلمتين!
قد لا أحب…
لكنني حتما، لا أكره!
عندما تحفر الكلمة لها موقعا على جدران ذاكرتك، يصبح ذلك الموقع مع الزمن مصدرا لطاقتها….
لذلك، ورغم أنني أعيش في منطقة أمطارها ـ نسبياـ قليلة إلا أنني أحوّل كل زخة مطر إلى عرس ترقص فيه روحي طربا حتى تتوحد مع خالقها…..
نعم تتوحد مع الخالق!
بيني وبين الكلمة قصة عشق سرمدي، يجذبني سحرها إلى حقلها الطاقوي، فأستمد منه قوتي حتى أتوحد في قوتها!
أليست هي الخالق؟؟؟؟
………………
عندما تخوض تجربة ما ثم تعبر عن تلك التجربة بكلمة ما، تصبح تلك الكلمة مع الوقت هي التجربة!
عام 2012 قمت برحلة بحرية عبر البحر المتوسط زرت خلالها خمس دول.
استمرت الرحلة ثلاثة أسابيع قضيت معظمها في اسبانيا، واستمتعت بكل دقيقة منها..
على كل حال، في طريق عودتي من برشلونه إلى لوس انجلوس توقفت في مطار Dusseldorf الألماني وقضيت ليلة هناك…
بعد أن تجاوزت بوابة الطائرة وقبل الإقلاع اكتشفت بأنني أضعت حقيبة يدي!
كانت الرحلة من ألمانيا إلى لوس أنجلوس جحيما بالمطلق!
حاول زوجي أن يهدأ من روعي دون فائدة…
من ضمن محتويات الحقيبة عقد يحمل ليرة ذهبية كانت قد أهدتني إياها أمي وقد ورثتها عن أمها، وكان ذلك العقد أقل محتويات الحقيبة كقيمة مادية، ولكنه الأقرب إلى قلبي…
لم أحتمل التفكير بفقدانه، لأنني اعتبرتها إجحافا بحق ذكرى أمي إلى الأبد..
باختصار: بعد تسعة أشهر من التفاوض مع قسم “المفقودات” في المطار تسلمت الحقيبة بكامل موجوداتها!
لكن، لاحظت أنه كلما تطرقت إلى ذكر تلك الرحلة أقول: كل الألمان هتلريون عندما يتعلق الأمر بالقانون، كانت تجربة سيئة للغاية!
ثم انتبهت إلى الإجحاف الذي أمارسه ، ليس بحق الألمان وحسب، بل بحق تلك الرحلة التي أطلعتني على تفاصيل عن التاريخ الاوروبي كنت أجهلها..
يكفي زيارتي للفاتيكان والهدايا التي حملتها معي لأولادي وأصدقائي..
ثلاثة اسابيع بعيدا عن ضغوط العمل والحياة في لوس أنجلوس قضيتها بصحبة أختي وعائلتها، والتقيت في برشلونة بابن عمي الذي لم أره لأربعين عاما، ثلاثة اسابيع حافلة بالمسرات في دقائقها وثوانيها اختصرها بعبارة “كانت تجربة سيئة”!
أين العدل؟
كما نجحف أحيانا بحق الناس عندما نقيّمهم، كذلك نجحف بحق التجارب وخلاصاتها عندما نقيّمها….
عندما ارتقيت بمستوى وعي إلى الاعتراف بعواطفي السلبية التي فرضها حدث تافه في سلسلة تجارب عميقة وجميلة، قررت أن أستبدل كلمة “سيئة” بكلمة “رائعة”!
واليوم أتحين كل فرصة لأقص لأولادي وأصدقائي تفاصيل مذهلة عن تلك الرحلة الرائعة!
إذن، ليست التجربة التي نخوضها هي المهمة، بل القناعات التي نخرج بها…
والأهم من القناعات الكلمات التي تبلور تلك القناعات!
....
تذكر دوما ما قاله العالم الروحاني جلال الدين الرومي:
Raise your words, not your voice. It s rain that grows flowers, not thunder
ارفع كلماتك لا صوتك، فالمطر هو الذي ينبت الأزهار لا الرعد!
ما أكثر من يرعد، وما أسعد من يمطر!
********
للموضوع صلة!



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن