خواطر / 18 / حلبة المصارعة والمتفرجين

خليل الجنابي
khalilaljanabi@yahoo.com

2016 / 3 / 20

منذ العهد الروماني وفي القرن الأول جرى تأسيس أول المسارح التي إستوعبت آلاف المتفرجين ، وهو المدرج الروماني العملاق الذي يقع في وسط مدينة روما القديمة والذي كثيراً ما أُستخدم للمسابقات الجماهيرية والقتال بين المتصارعين والمعارك بين السجناء وصيد الحيوانات والإعدام والمعارك البحرية الصورية . كان يجلس في المقدمة الإمبراطور وأعضاء مجلس الشيوخ ، بينما يجلس في الأعلى الطبقات الدنيا من المجتمع . وقبلها عُرف سبارتاكوس الذي قاد أكبر ثورة للعبيد في العالم بأنه تعلم في مدرسة للعبيد كيفية مصارعة الوحوش في روما القديمة لتسلية الرومان .
والأمر لا يختلف أيضاً عند مصارعة الثيران ، وهي رياضة أسبانية قديمة تتم فيها المواجهة بين المصارع والثور في حلبة على مرأى ومسمع من الناس وهتافاتهم المدوية وصفيرهم تشجيعاً للمصارع الذي يتقاتل مع ثور هائج بغية الإنتصار عليه .
وهكذا الأمر مع المصارعة الحرة والملاكمة والمبارزة وفنون القتال الأخرى كقتال الديكة المستمرة إلى الوقت الحاضر . كلها غالب ومغلوب ، قاتل ومقتول ، إلى جانب وجود المتفرجين الذين يتلذذون بهذه الرياضات البشعة .
الأمر لا يختلف أيضاً في السياسة والإقتصاد والإجتماع والثقافة والفنون بكل أنواعها ، فهناك صراع بين طرفين أو أطراف متعددة بغية الكسب المادي والمعنوي ، ولهذا الصراع أوجه كثيرة أبشعها هو الإحتراب إلى حد التصفية كما جرى بين وحشين كاسرين . أما المتفرجون فيختلفون هنا عن الذين في الهوايات الرياضية التي مر ذكرها .
ولو تتبعنا مسيرة العديد من الأباطرة والملوك والرؤساء لوجدنا التشابه التام بين الظروف والأساليب التي ساعدت على وجودهم على رقاب شعوبهم ردحاً طويلاً من الزمن ، وكلهم بلا إستثناء قد جربوا حلبات المصارعة والطرق الملتوية التى إستعملوها لتثبيت عروشهم .
في عراقنا الحبيب الأمر سيان كما هو الحال في كل أنحاء العالم ، فالنزاع فيه يجري بين قوى الخير والشر ، بين الحق والباطل ، بين الضلال والفضيلة . وعلى مدى عقود تجذرت المطالب وأصبحت أكثر واقعية وراحت تلامس حاجات الناس ورغباتهم في العيش الحر السعيد .
وإذا عدنا إلى ساحات المصارعة بين الكتل السياسية التي إنتفضت عليها الجماهير في ساحات التحرير وساحات الوطن من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه لوجدنا أن المعركة قد إختلفت وكما سماها الناشط المدني وأحد الوجوه البارزة في حركة الإحتجاج الأستاذ ( جاسم الحلفي ) الذي أكد في مقابلته مع الفضائية السومرية ( بأن المعركة كانت طيلة هذه السنوات بين المتنفذين على المحاصصة وعلى النفوذ وعلى السلطة وعلى المال وعلى الصفقات ، تم تحويل هذه المعركة من معركة بينهم على الأموال إلى معركة الشعب العراقي برمته ضد المحاصصة وضد الفساد وضد المجموعة التي تتحكم بمصير الشعب العراقي ولم تقدم أي منجز . الكره الآن في ملعبهم ، أما أن يسيروا بالإصلاح والتغيير المنشود وأما أن غضب الشعب مستمر ، وبالتأكيد كل شيء ينحسب بالعلم ولكن غضب الشعب وإستعداده للمطالبة بحقوقه وثورته لا يمكن لأحد أن يتوقع شكلها وحجمها ) .
وها هي حركة الإحتجاج توسعت وشملت كل الفقراء والمعوزين وساكني بيوت الصفيح الذين خُدعوا في السابق وصوتوا إلى جانب القومية والطائفة والعشيرة والدين والمذهب .
إن الجماهير لم تعد متفرجة كما كانت في السابق ، وأن ساحات المصارعة ستكون هذه المرة مع حيتان الفساد بكل أشكاله وأنواعه ، الوجه الثاني للإرهاب وداعش ومن لف لفها ، وستكون الغلبة أخيراً لأبناء الوطن الغيارى .
الجماهير لا زالت تتجمع حول المنطقة ( الخضراء ) ، المنطقة التي أذلت الشعب وأهانته ، وهي تصدح بأصواتها ( الجيش مالتنه والشرطة شرطتنه ) رداً على من أراد للجيش والشرطة أن يكونا حامياً لعروشهم المتهاوية ويضرب المتظاهرين .



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن