الفأر الأكثر حظا

دينا سليم حنحن
dina_saleem@hotmail.com

2016 / 1 / 7

الفأر الأوفر حظا
دينا سليم حنحن - أستراليا

ولأن الموضة انتشرت انتشار النار في الهشيم، النزاع على التهام قطعة الجبن، فقد احتارت الفئران فيما بينها وبدأت تبحث عن الحقيقة عند الإنس؛ أصاخت السمع وتلصصت على الأحاديث التي تناولت ذات الموضوع، فقررت بموجبها الاشتراط على الإنس أن يتركوا لهم قطع الجبن خارج المصايد حتى تصبح عادة منتشرة يسهل الوصول إليها، بما أن القطط مشغولة بنفسها في شهر شباط.
لكن، ارتاعت جموع الفئران من مشهد أغضبهم كثيرا، وهو تجمّع المئات من الفئران الجائعة أمام المصيدة التي شبكت داخلها قطعة واحدة من الجبن، لأن الإنس أخلّوا بوعدهم وعزلوا القطعة ليفوز بها فئرا واحدا فقط.
اشتدت الحرب بين الفئران حتى أصبح النزاع على أشده ولم يستطع أي منهم النيل من القطعة التي بقيت معلقة بالفخ، حضر قط ضخم البنية، أسود العينين أخاف الجميع، نصّب نفسه حارسا وزعيما على المنطقة، عندما رأوه هربوا من وجهه مرعوبين وجائعين، لكن شهوة القط التي شغلته في هذا الشهر لم تدعه يلتزم مكانه فترك المكان ورحل.
هجمت الفئران على القطعة فسقطت أرضا وتوزعت فيما بينهم، لم يشعروا بالشبع، ذهبوا ليبحثوا عن مصايد أخرى بما أنهم قد اعتادوا على وجع المصايد بحضور القطة شقراء الشعر التي بدأت تموء بغنج، فالشهر شهرها ويحق لها الدلع، لم تحرك ساكنا عندما خرجت إليها الفئران تطالبها السماح الاقتراب من المصيدة، سمحت لهم، تثاءبت وراحت في سبات عميق، هجم الفئران على المصيدة، وعندما تمكنوا من القطعة حملوها، وضعوها أرضا ثم التهموها.
استشاط فئران المنطقة القريبة غضبا، خاصة عندما شعروا بجوع رهيب، تحاوروا فيما بينهم في كيفية الوصول إلى قطعة الجبن، خرجوا بقرار واحد وهو القضاء على الفئران المحليين واقتسام قطعة الجبن فيما بينهم وذلك بمساعدة أحد الخونة من قطط الحيّ وبمساندة الأنس حاملي الأسلحة النارية، لكن القطط ما زالت تستمتع في شهرها، والإنسان مشغول بالصراعات الآدمية، فماذا هم فاعلون يا ترى؟
ذهبوا إلى الغابة لكي يستشيروا الملك فخرجت اللبؤة من عرينها تزأر زئيرها الأنثوي الرقيق، لكنه رغم كل شيء يبقى مهيبا، نظرت إلى الفئران بشموخ واستعلاء وقالت:
- الملك لن يتنازل ولن ينهض من عرشه من أجلكم، فما أنتم سوى فئران، لكن، ولأننا من ذوات الرحمة سأذهب معكم لكي أحميكم من الأعداء، سأعيد الأوضاع إلى نصابها فكفى فوضى، وسوف أسنّ قوانينا صارمة في الشأن، سأرغم الإنس بأن يتركوا لكم قطع الجبن خارج المصايد... على الجميع أن يأكل ويشبع دون استثناء.
سمعها الأسد فزأر محتجا، اقتربت منه، وضعت وجهها على صدره وبدأت تمشط له فروته الناعمة بمخالبها فأخضعته أرضا ثم تمددت على جسده، زأرت بدلال فهربت من وجهها الفئران، ثم قالت له:
- ملكي الحبيب، سأذهب لأعيد الفئران إلى أجحارها سالمة، وسأعيد القطط من شباطها لتكون حارسة عليها غير ناقمة منها، وسأدربهم على اقتسام اللقمة، وسأعيد ترتيب الكون بالعدل والمساواة، ليبقى كل كائن في مكانه آمنا، وأنت أيها الأسد الجميل ستبقى تنتظرني هنا حتى أعود!
- عودي إليَ سريعا فسأفتقدك كثيرا يا لبوتي الحسناء؟ أجابها الأسد
- حتما سأعود سريعا لكي أخبرك بالمستجدات لأن مهمتنا تضاعفت الآن، لقد أصبح الإنسان مخلوقا خطيرا وملوّث بالدّنس، سنقيم حدودا جديدة فيما بيننا لنقي عالمنا منه، ليبقوا هم في غاباتهم يتناحرون فيما بينهم، وإياهم ثم إياهم عبور حدود عالمنا النظيف، أما بالنسبة للفئران، فلن نتنازل لالتهام أجسادهم النحيلة، يكفينا الغزلان فلحمها شهيّ ومستطاب، ثم إنهم محظوظون جدا لأننا لا نحب الأجبان وجميع مشتقاتها، سنتركها لهم!



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن