معاملة أسرى الحرب وانتهاك الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل لاتفاقيات جنيف

أماني محمد ناصر
amanitimes@hotmail.com

2005 / 11 / 8

للجنود طالما هم أعضاء في قوات مسلحة، حقوق يعرّفها القانون الإنساني الدولي. ويعرفون ب "العسكريين "، ولهم حق المشاركة المباشرة في الأعمال العدائية. ويعني هذا، بتعبيرات عملية، أنّ العسكريين مخولون بمهاجمة قوات العدو، وقتلهم أو جرحهم، وتدمير أملاك لهم كجزء من عمليّات عسكريّة وهذه الأعمال إن فُعِلَت في وقت ليس وقت حرب أو ليس من قبل عسكريين تكون تصرفاً جنائياً.وعليه، إذا أُسر العسكريون يجب معاملتهم كأسرى حرب وفقاً لاتفاقية جنيف الثالثة لسنة 1949 وليس كمجرمين ، لأنّهم كعسكريين مخولون قانونياً بالقتال
وتنص المادة الخامسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه: ((لا يُعرَّض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو المحطة بالكرامة)). وعبَّر اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العام 1948 عن وجود إجماع دولي على أنه يحق لكل شخص عدم التعرض للتعذيب أو سوء المعاملة. وبموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي اعتُمد في العام 1966، لا يجوز أبداً تقييد هذا الحق، حتى ((باسم حالات الطوارئ الاستثنائية التي تتهدد حياة الأمة)) (المادة 4). كما أن القانون الإنساني الدولي، الذي يعرف عموماً باسم قوانين الحرب، يمنع التعذيب والمعاملة السيئة منعاً باتاً.
وأجرت الحكومات إصلاحات قانونية. واعتمدت المحاكم الوطنية قرارات مهمة. وشُكِّلت منظمات غير حكومية لمحاربة التعذيب ومساعدة الضحايا. وتصرف المحامون والأطباء وسواهم من أصحاب المهن بشجاعة وخبرة. وشارك المواطنون العاديون في المجهود، حيث مارسوا الضغط على الحكومات كي تتحرك. وتحقق الكثير، لكن استمرار التعذيب يُظهر أنه ما زال هناك الكثير مما يجب فعله
وعقب صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تم في العام 1966 اعتماد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي تُحظِّر المادة 7 منه ممارسة التعذيب والمعاملة السيئة للأسرى. وعندما تصبح الدولة طرفاً في العهد المذكور، تكون ملزمة قانونياً باحترام الحظر والتأكد من تمتع جميع الأفراد الداخلين في ولايتها القضائية بالحق في عدم التعرض للتعذيب أو سوء المعاملة. ويُحظَّر التعذيب وسوء المعاملة في عبارات مشابهة في المعاهدات الإقليمية العامة لحقوق الإنسان التي اعتُمدت منذ الحرب العالمية الثانية ـ الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية (الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان)، التي اعتُمدت في العام 1950؛ والاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان التي اعتُمدت في العام 1969؛ والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب الذي اعتمد في العام 1981؛ والميثاق العربي لحقوق الإنسان الذي اعتُمد في العام 1994 (لم يدخل حيز النفاذ بعد). وفي القانون الإنساني الدولي، تتضمن الاتفاقيات الرئيسية التي اعتُمدت منذ الحرب العالمية الثانية ـ اتفاقيات جنيف للعام 1949، والبروتوكالات الإضافية للعام 1977 الملحقة باتفاقيات جنيف المؤرخة في العام 1949 ـ تتضمن أيضاً حظراً للتعذيب وسوء المعاملة.
وفي الستينيات ومطلع السبعينيات وبوصفها منظمة تأسست للقيام بحملات من أجل إطلاق سراح سجناء الرأي، أصبحت منظمة العفو الدولية أكثر إدراكاً لمشكلة التعذيب من خلال المعلومات التي تلقتها من السجناء ومصادر أخرى في مختلف أنحاء العالم. وفي العام 1972، وفي 10 ديسمبر/كانون الأول بالذات ـ يوم حقوق الإنسان ـ وهو عيد أعلنته الأمم المتحدة للاحتفال سنوياً بذكرى اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ـ أطلقت منظمة العفو الدولية أول حملة عالمية لها للقضاء على التعذيب. وتضمن تقريرها حول التعذيب الذي أصدرته في العام التالي، معلومات حول التعذيب وإساءة المعاملة في أكثر من 70 دولة ومنطقة في الفترة الممتدة بين العام 1970 ومنتصف العام 1973. وبدا واضحاً أن العديد من الحكومات كانت تستهزئ بالحظر المفروض على التعذيب الذي نادت به في العام 1948. وكما خبرناه في السبعينيات، كان التعذيب يجري عادة في غرف الاستجواب وفي مقر قيادة مباحث الشرطة أو في مراكز الشرطة والسجون وسواها من المؤسسات المعترف بها رسمياً. لكن فضح ممارسة ((الاختفاء)) أظهر أن الأشخاص كانوا يُعتقلون أيضاً ويتعرضون للتعذيب في أماكن سرية من دون الاعتراف باعتقالهم.
وفي عام 1996 دعت منظمة العفو الدولية إلى عقد مؤتمر دولي حول التعذيب في ستوكهولم، شكَّل ملتقى للمدافعين عن حقوق الإنسان وللخبراء من مختلف أنحاء العالم. وتمثلت إحدى مهامه في دراسة الوسائل العملية لتنفيذ المعايير المتفق عليها. وكانت الرسالة المهمة التي خرج بها المؤتمر هي أنه نظراً لعدم وفاء الحكومات بالواجب المترتب عليها في وقف تعذيب أسرى الحرب، فقد آن الأوان للمنظمات غير الحكومية كي ترص صفوفها من أجل مساءلة الحكومات. وأذن المؤتمر بظهور خط متشدد جديد وإحساس بوحدة الهدف بين المنظمات غير الحكومية التي تحارب التعذيب.
ويبدو أن الولايات المتحدة الأميركية تريد تفسير هذه العهود والمواثيق التي اتفقت عليها الدول منذ الثاني عشر من أغسطس/ آب من عام 1949 بما يخدم مصالحها الأمنية. لذا فإن تصريح وزير الدفاع الأميركي "دونالد رامسفيلد" بأن بلاده ستحصل من الأسرى على ما تريده من معلومات يخالف المادة السادسة عشر من الاتفاقية التي تحرم ممارسة أي ضغط جسدي أو نفسي أو أي وسيلة من وسائل الإكراه على أسرى الحرب للحصول على معلومات. ورغم أن اتفاقية جنيف تحرم التفرقة بين الأسرى على أساس الجنسية، أو العنصر، أو الديانة، لكننا نجد الولايات المتحدة في ورطة، فعضو تنظيم القاعدة الأميركي (ووكر) سيحاكم أمام محكمة مدنية أميركية، وقد يعاد البريطانيون إلى بلادهم كي يحاكموا حيث لا توجد عقوبة إعدام، أما أسرى جوانتنامو من العرب والأفغان فيعتقد المراقبون أنهم سيمثلون أمام محاكم عسكرية سرية غالباً ما سيكون حكمها الإعدام.
لقد عرّفت المادة الرابعة من اتفاقية جنيف الثالثة الموقعة في 12 آب/أغسطس 1949م على أن الأسير هو غير السجين ... فهو كل شخص ينتمي إلى أي فئة مقاتلة، سواء كانت رسمية أو غير رسمية ـ كالمتطوعين والميلشيات ـ ما دام قد اعتقل في ميدان الحرب وأثناء الصراع المسلح ... أمّا المادة الخامسة فهي توجب أن يعامل هذا الشخص بمعاملة الأسير إن كانت هناك شكوك في وضعه ووصفه حتى تفصل محكمة مستقلة في ذلك ... إذًا فإن الأحوال كلها مفصلة في اتفاقية جنيف حول أسرى الحرب ... ولكن تركلها أمريكا برجلها ولا أحد يقول لا ...؟! صحيح أن الصليب الأحمر على لسان الناطق باسمه (كيم غوردن) قد قال إنه لا يمكن أن يوضع أحد خارج القانون ـ ولا يمكن ملاحقة أحد خارج القانون ... إذا كان أحدهم ليس أسير حرب فإنه يستفيد على الأقل من أحد بنود المعاهدة التي تنص على احترام الضمانات القضائية المطابقة للمعايير الدولية» صحيح أنه قال ذلك ردًا على البيت الأبيض الأمريكي الذي لم يعتبر جيش طالبان جيشـًا نظاميـًا وأن جماعة القاعدة هم جماعة خارج القانون ... ولكن أمريكا لا ترى في اتفاقية جنيف إلاّ(اتفاقية خارج الزمن) باعتبار أنها وضعت لتصحيح الأوضاع القانونية في أعقاب الحرب العالمية الثانية ... ولكن أجهل طالب قانون يعلم أنه يتوجب سريانها إلى حين إلغائها أو استبدالها!!
وقد أكّدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أنّ عدد المعتقلين العراقيين لدى قوّات الاحتلال الأميركي والذين سجّلتهم اللجنة منذ آذار 2003 وحتى كانون الأول من العام نفسه، بلغ عشرة آلاف ومئتي معتقل موزعين على عشرين مركز اعتقال،موضحة أنها حصلت على هذه الأرقام من قبل قوّات الاحتلال ومشيرة إلى أن من بين هؤلاء المعتقلين 100 أسير حرب و 125 قاصراً و 7نساء، وأنه لا يدخل ضمن تلك الأرقام عدد المعتقلين من قبل الشرطة العراقية.
وقد سُألَ مايكل أوهانون ( الباحث بمعهد بروكنغز) في أحد اللقاءات المتلفزة بتاريخ 16/1/2002 إن كان يعتقد بأن هناك مبالغة من الجانب الأميركي في التعامل مع موضوع الأسرى ، أي عندما يظل الأسير مقيد بالسلاسل باستمرار حتى في فترة الترفيه أو في الفسحة، ومع وجود حارسين اثنين لكل أسير، ألا يعني ذلك نوع من التضخيم والمبالغة في التعاطي الأميركي مع هذا الموضوع؟
فأجاب قائلاً: أعتقد أنه ربما يكون ذلك حقاً. وأضاف: إنّ السياسة الأمريكية بحاجة إلى مراجعة تامة وشاملة.
وقد قال السيّد إبراهيم يسري في اللقاء نفسه(والسيّد يسري هو المدير السابق لإدارة التعاون والمعاهدات بوزارة الخارجية المصرية) :
( في الواقع إذا بدأنا من البداية فالولايات المتحدة الأميركية تملك الآن القانون الدولي بيدها، بل هي قضت على النظام الدولي وعلى المشروعية الدولية منذ بداية الأزمة، وأنا سعيد باعتقاد السيّد مايكل أوهانون العضو في معهد بروكنز بأنّ السياسة الأمريكية في حاجة إلى مراجعة تامة وشاملة لأن ما نشهده الآن يفوق كل تصور من خرق واضح وصريح لكل ما تضمنته مبادئ القانون الدولي وما تجسد في ميثاق سان فرانسيسكو الذي اتفقت عليه الولايات المتحدة وكانت قوة كبرى، وكل مبادئ القانون الدولي، وكل مبادئ ميثاق الأمم المتحدة انتهكت فيما يسمى بحرب أفغانستان، فليس من الغريب أن تنتهك حقوق الأسرى، وليس من الغريب أن تنتهك اتفاقيات جنيف ).
وتعتبر لجنة مناهضة التعذيب أن أحزمة الصعق بالصدمات الكهربائية التي تُشغَّل عن بعد والتي تُستخدم في العديد من الولايات القضائية في الولايات المتحدة الأمريكية، تنتهك المادة 16 من الاتفاقية، وقد دعت اللجنة إلى وضع حد لاستعمالها. ولم تستجب الولايات المتحدة الأمريكية لهذه التوصية. وإضافة إلى ذلك، في عالم ألغت فيه أغلبية الدول عقوبة الإعدام في القانون أو الممارسة، لم تجد حتى المحكمة العليا الأمريكية أن إعدام المصابين بمرض عقلي أو الأشخاص الذين كانوا لا يزالون أطفالاً عند ارتكاب الجريمة، أو إبقاء الأشخاص ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام فيهم طوال عقود قبل قتلهم، يشكل قسوة تتعارض مع الدستور.
كتب محمد خير عوض الله عن أسرى غوانتانامو ( صحيفة المحايد ) :
بعد المجازر الوحشية التي ارتكبتها الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان، والتي راح ضحيتها الآلاف من الأبرياء من النساء والعجزة والأطفال ... بعد تلك المآسي التي اختفت فيها قرى كثيرة عن الوجود تحت سمع وبصر العالم أجمع ... لن تصبح الدعاوى على معاملة الأسرى في القاعدة الأمريكية بكوبا (غوانتاناموا) إلا كمن يحرث في البحر أو يسعى جاهدًا لأخذ الماء من السراب ... ولكن ذلك يجيء مفاجئـًا بالنسبة لكثيرين كانوا يرون في الولايات المتحدة مثالاً حقيقيـًا لدولة تلزم نفسها بكل قيم الحرية والعدالة والمساواة وتعمل على إلزام الآخرين بها.
لقد وزع الصليب الأحمر (وهو المنظمة الدولية المعنية بلعب دور الوسيط الإنساني في ظروف الحرب، وفق قوانين ومواثيق معترف بها من المنظمة الدولية الأم (الأمم المتحدة) ـ صورًا للأسرى في غوانتاناموا بالغة الأثر وهم مقيدون ومعصوبو الأعين ... ثم سربت الأجهزة الإعلامية عن خلافات كبيرة بين الصليب الأحمر والحكومة الأمريكية، بعد أن صرح الناطق باسم اللجة الدولية للصليب الأحمر (كيم غوردن بايتس) بأن أي شخص أوقف في إطار نزاع دولي يعتبر أسير حرب حتى تثبت محكمة مؤهلة العكس» وكانت المنظمة الدولية قد أشارت إلى أن القانون الدولي لحقوق الإنسان يمنح القوة المعتقلة حق مقاضاة أسرى الحرب الذين يشتبه في تنفيذهم جرائم حرب أو أي جرائم أخرى قبل المواجهات العسكرية أو خلالها ... ولكن وزير الدفاع الأمريكي (رامسفيلد) يرد بالقول: لن يعتبر أيـًا من هؤلاء الأسرى بمثابة أسير حرب ... وأن عناصر طالبان لا تتوافر فيهم الشروط الواردة في اتفاقية جنيف حول الجنود في أي جيش نظامي كـ «البزات والشارات والأسلحة الظاهرة» أما عناصر القاعدة فلا يمكنهم المطالبة بتطبيق اتفاقية جنيف عليهم لأنهم ينتمون إلى منظمة إرهابية وليس إلى دولة» وهذا يوضح بجلاء الانفراد الأمريكي الكامل بمصائر هؤلاء الأسرى الذين يتبعون إلى دول عديدة.
لماذا لا تعتبرهم أمريكا أسرى حرب؟
لأن أمريكا تدرك أن ذلك سيقيدها كثيرًا وهي تريد أن تطلق يدها في (حربها ضد الإرهاب) ... لو أنها اعترفت بهم أسرى حرب سيتوجب عليها أن تعاملهم وفق ميثاق جنيف الذي يضمن لهم المعاملة الإنسانية الكاملة ... والواقع أنها في غوانتانامو تعامهلم معاملة سيئة ـ وإن لم يتم تعذيبهم ـ ولكن وضعهم في أقفاص مكشوفة (من السلك الشائك) وتسلط مصابيح وكشافات مضيئة طيلة ساعات اليوم يجعلهم عرضة لكل تقلبات الطقس من شمس قاسية أو برد قارس أو أمطار مغرقة كما أن الإضاءة المتواصلة تحرمهم تمامـًا من النوم ... فكيف تدعي واشنطن أنها تعاملهم معاملة كريمة ... كل ذلك وهم في الأغلال والسلاسل ...؟
كما أن أمريكا لو اعترفت بهم أسرى حرب، فإن ذلك سيقيدها كذلك بإيجاد رقابة دولية ممثلة في الصليب الأحمر وهيئات قانونية وعدلية دولية أخرى ... ولكنها الآن تتصرف وكأنها الوحيدة في هذا العالم!! ولو اعترفت كذلك بهم أسرى حرب فإن ميثاق جنيف يسمح لأسير الحرب بألا يعطي معلومات أخرى غير اسمه ورتبته ورقمه المتسلسل ... ولكن أمريكا بالتأكيد لا تكتفي فقط بهذه المعلومات وحدها إنها تريد أن تبني جبالاً من المعلومات عن تنظيم القاعدة وهو يتوعد وجودها على الأرض ... وهي كذلك وعدت شعبها بأن تقضي تمامـًا على هذا التنظيم، وهي في حالة «هوس» معلوماتي ولن تتقيد بميثاق جنيف الذي ينص كذلك على وجوب محاكمة أسرى الحرب في محكمة عادلة تتوفر فيها استقلالية تامة ولا تنحاز إلى أيّ من أطراف الحرب ... فهل ستفعل واشنطن ذلك ...؟
وكتبت مجلة الشهر اللبنانية في عددها 139 تاريخ كانون الثاني(يناير) 2005 ما يلي:
"يوماً بعد يوم تنكشف حقيقة حقوق الإنسان الأميركية من خلال معلومات تتسرب حول انتهاكات فظة لهذه الحقوق إن كان في سجن أبو غريب في العراق أو في سجن غوانتانامو في كوبا.
فقد كشف مسؤولون عسكريون واستخباراتيون أن وكالة الإستخبارات الأميركية المركزة(السي آي إي) تدير سجناً سرياً في معسكر غوانتانامو تحتجز فيه عناصر"مهمة" من تنظيم "القاعدة"، وأن هذا السجن الذي يبعد قليلاً عن السجن الرئيسي يضمّ أكثر من عشر غرف مشيدة بالأسمنت تتضمّن كل واحدة منها قفصاً حديدياً ومكاناً "للراحة!" ومنضدة للتحقيق.
وكانت الوكالة قد تلقت الضوء الأخضر بموجب أمر رئاسي وسلطات صدّق عليها محامو إدارة جورج بوش لإلقاء القبض على "فئة محددة" من المشتبه بهم وحبسهم من دون الإبلاغ عن إدراجهم في قوائم المحبوسين رسمياً ومن دون الكشف عن أسس معاملتهم.
ويخضع معتقلوا (السي آي إي) في غوانتانامو للحبس وفقاً لقواعد ولوائح مختلفة عن تلك التي تخضع لها بقية المعتقلين ممن تحتجزهم وزارة الدفاع البنتاغون".
ومنذ عرفت أنباء اعتقال هؤلاء المختطفين من أرض أفغانستان طالب المدافعون عن هؤلاء المختطفين بمعاملتهم المعاملة المقررة دولياً لأسرى الحرب، وتطبيق اتفاقيات جنيف عليهم• فقال الأميركيون إنهم ليسوا أسرى حرب بل هم أعضاء عصابات مسلحة حاربت الولايات المتحدة الأميركية ( وكأنهم هم الذين خرجوا من ديارهم عشرات آلاف الكيلومترات وذهبوا إلى أميركا ليقاتلوها!!!)
وطالب المدافعون عن هؤلاء المختطفين بمحاكمتهم محاكمة عادلة طبقاً للقوانين الجنائية والقواعد الدستورية الأميركية، فقال الأميركيون إن هذه القوانين والقواعد قد تطبق على المجرمين الذين ارتكبوا جرائم -مهما تكن بشاعتها- داخل الولايات المتحدة الأميركية، لكنها لا تطبق على من ارتكب جريمته -ولو كانت الدفاع عن وطنه- خارجها•

كما طالبوا بتطبيق معايير المعاملة الإنسانية المقررة بمقتضى المواثيق الدولية عليهم، فقال الأميركيون إنهم ليسوا داخل سجون أميركية حتى تطبق تلك المعايير في حقهم، وإنما هم في أرض كوبية تحت إدارة أميركية مؤقتة فلا شأن للإدارة الأميركية بما يصيبهم فيها•
وطالبوا أيضاً بمحاكمتهم محاكمة عسكرية ولو وفق القانون العسكري الأميركي، فكان جواب الأميركيين إن هؤلاء ليسوا عسكريين أصلاً، ولا لهم رتب عسكرية ولا هم أعضاء في جيش نظامي، فكيف يعاملون المعاملة الخاصة بالعسكريين!!
وهكذا ذهبت جهود هؤلاء الشرفاء الذين تطوعوا للدفاع عن أولئك الأسرى، الذين اختطفوا من حيث كانوا يعيشون آمنين، أدراج الرياح.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2000، أطلقت منظمة العفو الدولية حملة عالمية لمناهضة التعذيب، وهي الثالثة في تاريخ المنظمة. وتم اختيار شعار ((ساهموا في القضاء على التعذيب)) للتشديد على أن للناس في جميع أنحاء العالم أدواراً مهمة يؤدونها في محاربة التعذيب وسوء المعاملة. واستهدفت الحملة إثارة الرأي العام العالمي بحيث تضمن أن تظل محاربة التعذيب تحتل مكانة عالية على جدول الأعمال العالمي.
في السابع عشر من أبريل 1980م أصدر الصليب الأحمر الدولي في مؤتمره الذي عقد في جنيف بسويسرا قراراً باعتبار المناضلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال الصهيوني أسرى حرب ، وتنطبق عليهم اتفاقيات جنيف ، وقد حاولت سلطات العدو "الإسرائيلي" خلال سنوات الاحتلال إبعاد هذه الصفة الشرعية عنهم لتصويرهم أمام العالم بالإرهابيين ، وليسوا مناضلين من أجل انتزاع حقوقهم من براثن الاحتلال.
و من ضمن طرق الاستجواب الواردة في وثيقة الأمم المتحدة UN Doc. CAT/C/SR.297، في التقرير الخاص بتقيد إسرائيل باتفاقية مناهضة التعذيب؛ أوصت اللجنة بوجوب "الوقف الفوري" لهذه الأساليب المطبقة في الاستجواب الذي يقوم به رجال الأمن الإسرائيليون.

وعلى الرغم من ضغوط المؤسسات الدولية الإنسانية والقانونية على الكيان "الإسرائيلي" للقبول بهذا القرار ، فإن السلطات "الإسرائيلية" تعتبر الأسرى الفلسطينيين والأسرى اللبنانيين مجرد قتلة وإرهابيين وخارجين على القانون ومخربين إلى آخر هذه الصفات التي يحفل بها قاموسها الإعلامي والدعائي ، ذلك أن اعتبارهم مقاتلين من أجل الحرية وضد الاحتلال إنما يعني القرار الضمني "الإسرائيلي" بأن الوجود "الإسرائيلي" في الأراضي العربية المحتلة – بما فيها الجولان – هو وجود غير شرعي واحتلالي .
ولذلك تعتبر الحكومة "الإسرائيلية" أن الممارسة النضالية الفلسطينية والمقاومة اللبنانية غير مشروعة ، بعكس ما تقر به كل الشرائع والقوانين الوضعية والسماوية حين يكون هناك احتلال ، ليس ذلك فحسب بل إنها أخذت تصنف المعتقلين – خصوصاً بعد اتفاق أوسلو – إلى فئات بحسب مواقفهم ومواقف منظماتهم من هذا الاتفاق ، وكذلك التمييز بين الأسرى الذين اشتركوا في عمليات قتل فيها "إسرائيليون" ، و اتهامهم بأن هؤلاء الأسرى أياديهم ملطخة بدماء اليهود ..!!
وكأن هؤلاء الأسرى كانوا في رحلة كشافة ولم يكونوا يخوضوا معركة التحرر الوطني
وتناست الحكومة "الإسرائيلية" أن كل القيادات السياسية والعسكرية وكل الرؤساء وأعضاء لجان المفاوضات من "الإسرائيليين" ، بل كل "إسرائيلي" يديه ملطخة بدماء الشعب الفلسطيني واللبناني..!!
وراحت تربط الإفراج عن الأسرى بالتقدم في مسيرة المفاوضات ووقف الانتفاضة، وقمع المقاومة اللبنانية وكأن قضية الأسرى والمعتقلين أصبحت ورقة ضغط قوية في يد "إسرائيل" لإجبار الفلسطينيين واللبنانيين على تقديم التنازلات .
إن الأسرى والمعتقلين جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني واللبناني وقطاع أساسي من قطاعات الحركة الوطنية الفلسطينية والمقاومة اللبنانية ، فمن مواقع الألم والمعاناة العميقة ، ومن قلب جدران القهر والحرمان في سجون الاحتلال ، ومن أعماق جراحهم النازفة طوال سنوات الاعتقال الرهيبة صنعوا ملحمة الصمود وكتبوا فصلاً جديدًا في كتاب الحركة الوطنية الفلسطينية وفي الوجه المشرق للمقاومة اللبنانية .
فالأسرى هم من حمل لواء النضال جنباً إلى جنب مع بقية المناضلين من أبناء الشعب الفلسطيني واللبناني في كل ساحات العمل والتواجد ، وتقدموا الصفوف غير آبهين لشيء إلا استمرار النضال ودعم مسيرة شعبهم التحررية ، وقدموا الغالي والنفيس دفاعاً عن كرامة وشرف الشعب الفلسطيني وحقوقه العادلة ، وكان لهم في سفر التاريخ والبطولة سطوراً مضيئة ، حيث لم يعرفوا إلا الثورة وطنـًا وهويةً في السراء والضراء .
والأسرى هم الذين انخرطوا في صفوف النضال في أصعب مراحله ، وتركوا عائلاتهم وأطفالهم والامتيازات و الإغراءات ، وقادوا معارك المقاومة والشرف ، وفي الأسر خاضوا معارك الاعتقال بإباء وصمود أسطوريين وخاضوا عشرات الإضرابات عن الطعام ، فكان الألم زادهم والمعاناة شرابهم ، حيث سقط العشرات منهم شهداء من أجل كرامة الإنسان وحقوقه، وسطروا صفحات مشرقة في تاريخ سجناء الحرية في العالم ، حيث كتبوا بصمودهم فصلاً جديدًا في ملحمة حركاتهم المشرقة "الأسرى" .. هذا الحشد الكبير المرابط خلف القضبان بكل ما حباه الله من إيمان وإرادة وإصرار وتضحية ، أذهل قلوب جلاديه بالحصانة الوطنية التي يتسلح بها.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن