أطفال القمر

محمد البورقادي
bourkadi.med@gmail.com

2015 / 11 / 24

حينما يصبح النور عدوا يكاد سنا برقه يخطف الأبصار ..ويقرح الجلد ..ويفتك بالبدن ..
حينما يصبح وهج الشمس حارقا ..لا يستطيع المريض اختراقه ..
حينما يحرم الطفل من اللعب ..من الخروج من البيت ..من الإنطلاق في الشارع ..من التعليم ..من الحياة الطبيعية ..
حينما يصبح بصيص النور الذي يضيء الطريق ويثير الحياة سببا في الموت بالتقسيط لأصحاب القمر..
حينما يصير الظلام أنيسا ..والعزلة صاحبا ..وغض البصر منهاجا وسبيلا ..
حينما يستنكر لك الأصدقاء من بني جنسك ..ويحاربوك ويستفزوك ..لأنك مختلف عنهم ..لأنك لا تشبههم ..لأنك مبتلى وهم معافون !!
حينما يقف المرض في طريق الإدماج في المجتمع ..وينبذك الجمع لذمامة صورتك ..ولطفحان جلدك ..ولغمقان لونك..
حينما تُقصى من الإعتراف بك ..وتجلس وحيدا بدون صديق إلا من ذوي الأهل ومن ابتلي بمرضك ..
حينما تُوصم بأقدح النعوت ..وتُنبز بالألقاب من قريب ومن بعيد ..ويستهزأ بك الخاصة قبل العامة ..
كفانا تمييزا وعنصرية ..كفانا احتقارا للغير ..هل منا من صوَّر نفسه بنفسه ..وأوجد مرضه في جسده ..هل منا من طلب الإبتلاء لنفسه.
أم أن الأمر مقدر من السماء ..منزل من لدن حكيم خبير ليبتلينا أنصبر أم نكفر ..وهل أَمِن من يستهزأ سوء المنقلب في نفسه !
كفانا انتصارا لذواتنا وحبا لذواتنا ..وتقديسا لذواتنا.. في مقابل تدنيس للغير وتبخيس للغير ..كفانا ظلما لأنفسنا بظلمنا لغيرنا أوليسوا من بني جلدتنا..
إنهم قليلون في العالم ..لماذا لا نتعايش معهم ونكونوا لهم إخوانا ..ألا يكفيهم صراعهم مع مرضهم حتى نزيدهم من سم نكراننا واستنكارنا لهم ..
وماذا ينقمون منا وهم لا يطلبون شيئا غير حقوقهم المدنية التي ضمنها القانون والأعراف والدين ..
لماذا نرأف بالحيوان ولا نُرثي لحال الإنسان ..لماذا نُحابي الجميل وننبذ الذميم ..وهل يختار أحدٌ ذمامته أو جماله !
لماذا نتقبل الشاذ جنسيا من قوم لوط ..ولا نقبل السوي النقي بسبب طفح في جلده ..
من يسلم من عواقب فعله وهو لازال في الدنيا ..ومن يبرؤه إن أبرئ الله المبتلى وابتلى المعافى ..
فلنحترم ذواتنا باحترامنا لغيرنا ..ولنحكم بميزان القسط ولنكن منتصرين للمساواة ..فلا فرق بين أحد إلا بالتقوى ولا تمايز إلا بالقيم والأخلاق ..ولا تفاضل إلا بفعل الخير مع الغير ..
والأصلح من التمس العذر ..ولم يبادر بالقبح وحسنت معاملته ..وعرف قدره ..فلم يتكبر على أحد من الخلق كائنا من كان ولم ير نفسه أفضل من الآخر ..
فالعافية لا تدوم لأحد ..والإبتلاء لا يدوم كذلك ..فليشكر كل معافى نعمة الصحة والعافية ..وليصبر كل مبتلى عما ابتلي به ..
ولا يحْمِلنَّ المعافى اغتراره بصحته على شتم الآخر المبتلى ووصمه فقد لا يسلم من شر هذا الصنيع في الدنيا ..وقد يحاسب على الإحتقار في الأخرى..
فالحذر الحذر من التفريط في الأمانة ..والبدار البدار في الإصلاح ودفع الحرج وتسديد القول وتليين الجانب وتجميل الخُلق..وتذليل الطبع للمحتاج ..وليس هناك محتاج أكثر من مريض يطلب التضامن والتآخي ..



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن