حقيقة الحياة الدنيا والإستعداد للرحيل..

محمد البورقادي
bourkadi.med@gmail.com

2015 / 11 / 19

إن من ينظر الدنيا بعين العقل وبنور البصيرة وبهدي الهادي من قبل ذلك ..يتلمح فعلها في الناس من حوله ..وفي من سبقه إليها من قبله ..ويتأمل في جد توفى.. وفي جدة تصارع البقاء وتستعد للرحيل ..وفي أب مريض عليل يتلمس الرعاية من أبنائه وأقربائه ..ويستعطف الزمان ليعجل له بالقضاء كي لا يكابد العناء ..ويسأل الخالق أن يخفف عنه العذاب ويغفر له الذنوب لصبره على الضرر في هاته الحياة ..فالله مصبره على سوءه ومجازيه على صبره والكل منه والكل إليه وبه ..كيف الشكر لك يا ربي والشكر نعمة تستحق الشكر ..أنت الموفق للطاعة ..والمصبر على البلاء ..والمتيب على من تاب ..والمودد لعبادك وأنت الغني ..والشكور لهم على حسن الصنيع ..والمكافئ لهم بأضعاف أضعاف الصنيع بفضلك وجودك وكرمك يا منان..والحليم على من أساء الفعل ..والرحيم على من أخطأ ..والقبول لمن جاءك سعيا وطلب القرب منك والنجاة من عذابك ..كيف السبيل لشكر الموفِّق ..وهو الموفق الملهم الهادي الرشيد ..سبحانك ربي ..
والناظر لكل ذاك يخشع قلبه ..ويستحيي من ربه أن يراه في صنيع سوء أو في تدبير لعصيان وتمرد ..ويخجل من نفسه أن يتبعها هواها فيشقيها فيحق عليه عذاب ربه ويحرم الثواب والأجر العظيم.. وهذا حال الأشقياء الذين صموا أذانهم عن سماع صوت الحق ..وأغرتهم دنياهم وأغراهم بالله الغرور ..وظلوا الطريق وبعدت بهم الشقة فما أعماهم وهم يبصرون ..وتلك حال الكفار الذين أبوا الإسلام للإسلام وأعلنوا الطاعة للعلم ..ومجدوا الطبيعة واكتفوا برؤى الفلسفة وعلب المنطق الفارغة ..واستغنوا بعقلهم واستعلوا بكبريائهم ..فما أغربهم عن الحقيقة وما أحوجهم لغسيل دماغ ..وما أقربهم من الزيف والباطل والخذلان ..وما أغبنهم وما أحرمهم ..ويا ويلهم !!..قال تعالى :" إن الذين يستكبرون عن عبادتي لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط "..
والناظر في هذه الدنيا ..يجد مكرها طافح ..ومنكشف لكل من أعمل بصيرته ..فمنطق الموت قد حتم على جميع الخلق الفناء ..وحال الموتى ليس بغريب عن الأحياء ..فكل حي يبصر تصريف مبدإ الفناء في الكون ..وكل حي يفقد من أهله أو أصحابه شخصا يعزه ..يلحض الموت يتخطفه ..ويرقب سير الحياة على مهل من منظار أعلى خارجا عن الشخوص الذاتي الذي يرى الأبدية في الذات ..
ومن يتلمح الموت يخطف القريب ..يعرف أن دوره آت لا محالة ..ولا بد آت ..وإن أخطأه هاته المرة وتخطاه لغيره فلن يتخطاه في القادم ..ولكل أجله ..ولكل دوره ..ولكل ليل صباح ..فلا تستعجلوا المرور ..ولا تستبطؤو مجيئ اليقين بطول الأمل فكم من صغير كان أسبق من الكبير ..وواضبوا وأعدوا للرحيل ما استطعتم من عدة ..وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ..
ومن علم ذلك واستيقن أنه ذاهب ومودع ومفارق ..فليغتنم وقت العمر في تحصيل زاد يفيد في دار المقام ..وليعمل عمل المجتهد اليقظ ..وليفطن نفسه دائما وأبدا بيوم الرحيل ..وليحمل نفسه على إتيان خير الأعمال وأخلص الأفعال فالأجر مضاعف والثواب جزيل ..وليفتر قليلا ليقدر على المضي ..فلا تفريط ولا إفراط ..فالجسد له الحق كذلك ومن أتعب راحلته لم تبلغه مقصده ..فالتلطف التلطف ..على أن لا يحملك التلطف على الإهمال والكسل والدعة ..والحذر الحذر من الإستئناس لهوى النفس فإنها لا تشبع رغم الإرواء ..وما زادادت بإجابة مطلبها إلا نهما ..
واعلم أن عمرك في استهلاك دائم ..فانظرك فيما أنت مستهلك ..واعلم كذلك أن الدهر ينهك الجسد ..ويهلكه بعد نضوجه ..ويشيبه بعد شبابه ..ومن يدريك أنك ستصل لأرذل العمر لكي تصلح ما فسد ..وتستغفر على فعلت وقت القوة والشدة ..فكم من صحيح مات من غير علة ..وكم يخطف الموت من صغير العمر ..
واعلم أن جسدك دابتك فلا تحملها ما لا تطيق ..لكي تستمر لك طائعة ..وتقودك إلى النهاية بلا ملل ولا كلل ..وتيقن بأن خير العمل أدومه وإن قل ..واعمل على حث نفسك على التدرج في الأعمال فذلك معينها على الإستمرار وقائدها للصعود في درجات الرقي ..فابدأ بالخفيف على نفسك وانتظر أن تستأنسه ..فإن تعودت عليه فترة محدودة ..فزد في الحدة ..وهكذا ..فمن كانت همته عالية أوقضت جوارحه للطاعة ..وأزَّته على طلب المزيد طمعا في الجزاء ...ومن ابتغى الإرتقاء جاهد نفسه ..ولكل درجات مما عملوا ..وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ..فسابقوا للظفر بالأعلى ولا ترضوا بدون الأعلى ..واشحذوا الهمم بالصبر والطمع تارة وبالخوف تارة أخرى ..وتفكروا قدر الغبن إن فرطتم في وقتكم ..فالنعيم أبدي ...وتلمحوا قدر الحرمان والعذاب ..فالشقاء أبدي !!..والسلام على من تلمح المعنى واتبع الهدى..



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن