المواطنة في العراق تغييب الحضور والوعي معا !

علي طالب الملا
alitmula@gmail.com

2015 / 11 / 13

لايخفى على أحد المفهوم الصحيح للمواطنة حيث تتجسد فى أن يشعر المواطن أنه جزء فعال من المجتمع الذى يعيش فيه ، يؤثر فيه ويتأثر به دون النظر إلى أصله أو دينه أو عرقه ولكى يؤثر الفرد تأثيراً إيجابياً فى المجتمع يجب عليه أن يضع نصب عينيه أن المصلحة الوطنية العليا لوطن جريج مثل العراق وتعتبر هي الهدف الأسمى بعيداً عن أى إنتماءات عرقية أو دينية أو سياسية الأمر الذى ينتج عنه رضا المواطن عن نفسه وفخره بدوره الإيجابى مما يؤدى إلى السلام مع النفس. ان مفهوم الدولة المبني على العلاقة التعاقدية. وعناصر المواطنة، هي الأرض والسيادة والعقد الاجتماعي. هذه التطورات لا يوجد ما يماثلها في البلدان العربية، والعراق بالذات بسبب مورثات ثقافية سكنت في اليقين طويلا؛ ولتعطل النمو في الهياكل الاجتماعية، الذي هو نتيجة مائة عام من الفوضى وغياب التخطيط والعناية في بناء مجتمعات سليمة ،إن تأسيس الدولة المدنية هو الذي يتكفل بفض نزعات القوة والسيطرة، ويصد المكونات المجتمعية عن الاعتداء على بعضها اما شرط تحقيق ذلك ؟ هو تدشين مؤسسات سياسية وقانونية، بعيدة عن هيمنة النزعات الفردية أو الفئوية. ويكون من المهام التي تضطلع بها الدولة المدنية، تنظيم الحياة العامة وأن يطبق القانون على جميع الناس بغض النظر عن مواقعهم وانتماءاتهم. ان الواقع العراقي الحالي لايزال متمسكا باحتمالات وبأدوات الدولة العثمانية أي التعامل مع المجتمع على أساس أنه يضم مجموعة من الطوائف ولكل طائفة ممثل أمام "الباب العالي"، أي الدولة. او القبول بقيام الدولة الدينية أي "الأسلمة" من دون أن يكون ثمة حكم فعلي للاسلاميين ولكن من خلال هيكلة المؤسسات على أساس ديني. وهذة الأدوات التي نبذتها الدولة التركية الحديثة والتي لا توفر أدنى معطيات تؤسس الى إرساء دولة المواطنة التي تقبل الجميع بغض النظر عن العرق او اللون او الجنس او الدين والتي تفضي بالتالي الى الاندماج في المجتمع العام، ما يؤمن الحماية والأمان للأقليات ولكافة المجموعات الأخرى على حد السواء. علماً أن هذا الاندماج موجود بالممارسة على مستوى الشرائح مهمة وواعية من المجتمع العراقي ولا تبرز الانقسامات الدينية الا لدى الشرائح العشوائية ، لا تميز دساتير العراق الدائمة والمؤقتة بين المواطنين وتعزز بشكل مطلق عن تساوي حقوقهم. إلّا ان الواقع مغاير لما طرحه الدستور الجديد المكتوب وفق متطلبات الاحتلال الأميركي وسبب مخارج طائفية للنظام السياسي المفروض على الشعب العراقي وكلما تدرجت نحو أسفل الهرم البيروقراطي يتم تأشير الحالات المنافية للواقع بسرعة وأدى التعاطي الطائفي للمسؤولين إلى تحويل كل نزاع بين المواطنين وأن كان بسيطا الى نزاع طائفي ومنحى طائفي. وعزز ذلك تغييب للقوانين التي تسمح بتطبيق عملي للدستور " المتوفر " حاليا .
المطلوب ان لا تعادي الدولة المدنية، العقائد أو ترفضها، باعتبار العقائد الفكرية السامية هي الباعث والمحرض على الصدق والأخلاق والاستقامة والالتزام. والعمل والإنجاز والنجاح في الحياة. إن ما ترفضه هو استخدام الدين لتحقيق أهداف سياسية، والاستغراق في تفسيرات تبعده عن عالم القداسة وتدخل به إلى عالم المصالح الضيقة. من ثم فإن الدين ليس أداة للسياسة وتحقيق المصالح، ولكنه طاقة وجودية وإيمانية تمنح الأفراد مبادئ الأخلاق وحب العمل ، ان فكرة الدولة المدنية، هي نتاج التطور التاريخي، الذي ارتبط بمرحلة الرومانسية، التي هيأت السبل، لاندلاع الثورة الصناعية. وهي جزء من سيرورة عصر الأنوارـ وأساسها التبشير بنشوء دول حديثة تقوم على مبادئ المساواة ورعاية الحقوق، وتنطلق من قيم وضوابط في الحكم والسيادة. وتبلورت فكرة الدولة المدنية عبر إسهامات متعددة من مصادر مختلفة في العلوم الاجتماعية. والأهم في الدولة المدنية، هو تمثيلها لإرادة المجتمع؛ كونها تنبع من إجماعه ومن إرادتهما المشتركة. إن ذلك يعني أنها دولة قانون مع وجود قضاء مستقل يطبق هذه القوانين بإرساء مبادئ العدل، من خلال وجود سلطة عليا، تحمي حقوق المجتمع، أفرادا وجماعات، وتمنع أي نوع من الانتهاكات أو التعديات عليها. تستند هذه الدولة على شبكة من العلاقات، قوامها التسامح وقبول الآخر والمساواة بالحقوق والواجبات. وتؤسس هذه القيم لثقافة مبدأ الاتفاق؛ المستندة على احترام القانون،. وعلى السلام والعيش المشترك، ورفض العنف، وعلى القيم الإنسانية العامة، ورفض النزعات المتطرفة. ولا تستقيم الدولة المدنية إلا بشيوع مبدأ المواطنة، حيث يعرف الفرد بانتمائه للوطن، وليس بمهنته أو معتقده أو منطقته أو بماله أو سلطته. وإنما يُعرف قانونيا واجتماعيا بأنه مواطن، له حقوق وعليه واجبات، يتساوى فيها مع جميع المواطنين. وضع العراق الحالي لا يسمح على الإطلاق بالحديث وان كان متاخر جدا لبناء ثقة مجتمعية تعزز لبناء دولة ومواطن . غياب سطوة الدولة وضعفها وتوزيع المجتمع بسبب " عسر " العيش على احزاب ومليشيات وجهات تدفع له المنح والعطايا وكذلك الحماية ويتطور ذلك الى التسلط على شركاء الدم والأرض والعرض في بعض الحالات . تحول شعب في بلد مثل العراق من مجتمع متحضر يمزج بين العشائرية بشقها الجميل والانتماء الوطني الصادق الذي وصل في يوم من الايام للجود بالنفس مع طمس الأيديولوجيا المعلنة ، وهذا ينسحب على غياب تعريف محدد متفق عليه. باعتبارها ظاهرة بأبعاد وأوجه معقدة، اجتماعيا وثقافيا وسكيولوجيا ومعرفيا، وليست مدلولا سياسيا فقط. ذلك لأن الأيديولوجيا في بعدها السياسي، تقتصر على تناول العلاقة بالخيارات والمؤسسات السياسية المختلفة، في حين يبرز بعدها الاجتماعي، علاقتها بالمجتمع ككل، وبمؤسساته. أما البعد السكيولوجي، فيتلخص في علاقته كظاهرة اجتماعية، وفكر جماعي للذات، وباللا وعي والوجدان والرغبة. والأيديولوجية نقيضة للعلم، ذلك أن المهمة الأساسية للعلم، هي المساعدة على اكتشاف هذا الكون، وقهر الطبيعة، وافتراضا تحقيق قدر أكبر من الرخاء والعيش الكريم للمواطن العراقي . وهذا يفترض ان يتم دون تحولات كونية او معتقدات سالبة لكل ما حق له أما الأديولوجيا، فمهمتها تحديد رؤية معرفية، للكون وللمجتمع والإنسان، تتبلور في صياغات وأطر تمنح ذاتها، مواقف وأدوات، في شتى مجالات الحياة. إنها بمعنى آخر، موقف من الأشياء ومناهج تمد بقواعد من السلوك. وهي في هذا يفترض أن تكون تعبيرا عن أفكار قيمية، تعبوية هدفها الأساسي، ليس المعرفة، بل العمل. هذا يعني باختصار، أن مهمة العلم، هي اكتشاف هذا الكون، بينما تتكفل الأيديولوجيا بتحديد موقف منه ، وهنا تتجلى الصورة بان التغييب المقصود ومنع تأهيل المجتمع العراقي وتعريفة بدوره في صناعة الحياة والسلم الأهلي والعيش الكريم الذي يعزز بناء دولة رشيدة . وذلك لا يمكن ان نحذف مفردة غياب "الوعي " بالمطلق عن الدور المتبادل بين الدولة والمجمتع وتصنيف المواطن وفق طائفتة وحزبة والمليشيا التي تحمية وتمنحه قوت يومه .



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن