الانتفاضة الشبابية ومستقبلها

سامي الاخرس
samyakras_64@hotmail.com

2015 / 10 / 25

اختلفنا ولم نتفق حتى راهن كتابة هذا المقال على اسم ومسمى ما يحدث في الضفة الغربية، أو ما يمكن اطلاق من مسميات على الأحداث أو حرّاك شبابنا الفلسطيني، هذا الاختلاف له مبرراته، وله مسبباته، وإن كان مسببه الرئيسي في عدم القدرة على تحليل مستقبل هذا الحرّاك، وحالة الغموض التي تكتنف مساراته، والحيرة وعدم القدرة على الإجابة إلى أين ماضي من ناحية، ومن ناحية أحرى خشية القوى الفلسطينية من مسارات وتطورات هذا الحرّاك وإن كانت إعلاميًا تبدو وكأنها داعمة له وخلفه، ولكن في داخلها وبين أسرارها الحزبية وغرفها المغلقة هازع ورعب وخوف لم يتبدى للعيان بوضوح، وذلك أيضًا له مسبباته وإحداثياته، ويبنى على التجارب السابقة.
أما الإتفاق الوحيد فلسطينيًا هو على المستوى الشعبي الذي يلتف حول الشباب الفلسطيني الذي قدم ولا زال ملحمة في تنويع وتنوع أشكال واساليب التعبير عن غضبه، فمن الحجر إلى السكين مرورًا بالدهس والشاكوش، وأشكال يبهر بها يوميًا متتبعيه ومراقبيه، بعدما جردته سلطة رام الله من كل أسلحته، وأغلقت سلطة غزة الآفق في وجهه، وأوصدت كل الأبواب عليه وأصبحت المقاومة تخضع لأجندة حزبية ولمصالح حزبية، تحرك أصابع المقاومة حسب حركة يدها ومصالحها. وقمعت السلطتين مظاهر التعبير السلمي عن القضايا المجتمعية والقضايا الوطنية وأصبح الأمر يحتاج لإذن مسبق من أجهزة الأمن والشرطة.
ونعود للانتفاضة الشعبية أو الهبة الشعبية الجماهيرية التي أعقبت خطاب الرئيس محمود عباس في الأمم المتحدة، والذي فسره البعض أنه ضوء أخضر للشعب الفلسطيني في الخروج عن صمته والإنطلاق للشارع، وضوء أخضر للأاجهزة الأمنية أن تترك العنان للشباب وللشارع مع مراقبة الوضع جيدًا خشية أن ينفلت، وهناك فريق آخر فسر الأمر بأنه يأس وقنوط من الشباب الفلسطيني وجد تجلياته وتعبيراته في رد الإعتبار لوطنيته التي زاود وشكك بها البعض، واتهم هذا الجيل بأنه جيل التقاليع والفيسبوك وتويتر، وفريق ثالث فسر الأمر بأنه رد فعل طبيعي على تجاوزات واعتداءات القوات الصهيونية والمستوطنين على المقدسات سواء في القدس أو الخليل، وفريق رابع فسره بأنه حرّاك محسوب وممنهج ومسيطر عليه من القوى الأمنية الفلسطينية برام الله أو بالضفة الغربية، ولذلك سارعت حماس وسلطتها في غزة لفتح ثغرات في جدار حراستها للحدود لكي تسجل موقف ايجابي وتقول لرام الله اللعبة باللعبة، والسلاح بالسلاح.
برغم تنوع واختلاف هذه التفسيرات إلَّا إنها تعبرعن حقيقة واضحة أن جميع التحليلات والتفسيرات واختلافها ومنطقيتها، وواقعيتها لا يمكن فصل أحد الأسباب أو التفسيرات عن الأخرى، مع الأخذ بعين الإعتبار أن الإعلام الفلسطيني لا زال يتعامل مع الأحداث بحذر شديد، ولم يدخل المعركة بعد، وكذلك الفصائل الفلسطينية لأنهما لم يثقا بعد أن هذا الحرّاك عفوي، وتعبير عن حالة وطنية خالصة، فتركوا للشباب تحديد معالمه، ورسم مساراته حتى تتضح الرؤية، وهو ما يؤكد حقيقة ثابتة بأن الكل الرسمي غير مستعد لدفع الثمن سواء من الاحتلال أو من السلطتين، وعليه فالحذر والصمت والتروي هما السمة الأساسية الغالبة والمسيطرة على المواقف الخجولة لبعض الفصائل الفسطينية وعلى وجه التحديد قوى المعرضة اليسارية، وحركة الجهاد الإسلامي، مع استثناء حركة فتحح المسيطرة والحاكمة في الضفة الغربية والتي تحاول تصوير الأمر وكأن الحراك صناعتها وإنها مسيطرة على المشهد، مع تأكيدها على سلمية الأحداث لأغراض سياسية قادمة. أي إنها لا تريد للذئب أن يقتل ولقطيع الغنم أن يفنى، وكذلك حركة حماس التي تصور الأمر بأنه أيضًا حرّاك سياسي شعبي تقحم فيه غزة بنفس الأسلوب وبحذر شديد دون أن يتجاوز خطوط معينة حتى لا تنجر لحرب أخرى كما حدث في عام 2014 بعد عملية الخليل، ودفعت غزة الثمن وحيدة.
إذن المواقف الرسمية وغير الرسمية من القوى الفلسطينية تعبر عن حالة عدم ثقة أو لا ثقة بمخرجات هذا الحرّاك من ناحية، وإنها لا تريد أن تذهب بعيدًا في توقعاتها من ناحية أخرى مما يؤكد غياب أي تكتيكات أو إستراتيجيات سياسية فلسطينية، وأن العشوائية والتخبط والتعامل مع اللحظة هو السائد في الفهم السياسي البرامجي للقوى الفلسطينية. أي بما معناه أن جل برامجنا الحزبية تعتمد على إسقاطات القائم، وتثبيت السائد، وتسييد قيادات قائمة لا يوجد على سلم أولوياتها ( تضحية)، كما أن البرنامج السياسي الرسمي قد حُدد في خطاب الرئيس محمود عباس وأنه يتحرك بهامش ومساحة معينة تفرض سطوتها على الحالة القائمة.
إن قراءتنا للحالة بواقعيتها تخلص لمشهد احد وهو أن الجميع في حالة ترقب وإنتظار للخطوة القادمة من الرئيس محمود عباس وحركة فتح ليبني عليها موقفه بعد مرحلة جس النبض القائمة حاليًا.
وهذا الأمر لا ينطبق على القوى الفلسطينية المحلية بل وكذلك على القوى الإقليمية التي لا زالت مواقفها مترنحة ومتذبذبة وغير واضحة المعالم، فالجميع لا يريد الغوص في الرمال الفلسطينية، ومعمعان اللاوضوح أو ما يمكن تسميته فوضى اللحظة، وفوضى السياسة واندفاعيتها.
يتبقى في المشهد الصورة الأخرى المعكوسة وهي صورة الشباب الفلسطيني الذي خرج للتعبير عن غضبه ورفضه لكل ما هو قائم، وليعيد بناء وترميم وطنيته المطعونة التي حاول البعض المزاودة عليها، وتصويره بأنه شباب فارغ ومتهم بأنه لا يملك مقومات الإنتماء، في حين إنه ومنذ سنوات يقدم هذا الجيل نماذج نضالية ووطنية بطولية، وقد شكل حارس أمين ودرع للكل الوطني، وشهدت له ساحات القدس والخليل وكل المدن الفلسطينية بما فيها غزة بطولات وبسالة نضالية مميزة، وكأنه يرسل رسائل للكل الوطني أن للقدس وللأرض رجال يحموهما، دون وصاية حزبية أو فصائلية.
هنا نؤكد أن هذا الشباب لا يمكن أن يستمر ويتواصل في وتيرة غضبه دون تنظيم ممنهج لتحركاته، واندفاعيته، وعليه ليس أمامه إلَّا البحث عن مخرجات ذاتية لتنظيم نفسه كلًا بموعه مدينته، وقريته، ومخيمه بقيادة ميدانية تأخذ على عاتقها التحشيد والتعئبة بعيدًا عن مغريات واحتواء المال والجاه الحزبي والسياسي، لكي يبقى مستمر.
شهر أو ما يقارب الشهر من حرّاك الشباب دون أي رأس قيادي أو قوة أو حزب يملي إرادته وسياسته عليهم ورغم ذلك فالحرّاك يحافظ على قوانينه التي انطل بها، مع تطوير الأشكال والأساليب بشكل تلقائي وعفوي، معبرًا عن ذاته وكينونته الوطنية بدون صايا واستخدام كل ما ه متاح له، وربما كان تصرف الشاب سائق الشاحنة الذي تصدى لعربدة المستوطن في الخليل أفضل تعبير عن هذه العفوية والتلقائية في الزود عن كرامة الفلسطيني غير الممنهج أو المؤدلج حزبيًا.
في ظلّ هذه الحالة، وهذه الضبابية ما هو المستقبل الذي يمكن أن تؤل إليه الإحداث الحالية؟ من الجلي قراءة المستقبل تعتمد على حلة الدحرجة التي عليها الأحداث، وحالة الاستعدادية والحافزية التي تستند إليها عزيمة الشباب الفلسطيني، ومن هنا فإن هذا المستقبل يمكن قراءته من خلال عدة سناريوهات؛ منها على سبيل المثال:
أولًا: إحداث حرّاك سياسي من مصر والأردن يختر جدار التعنت الإسرائيلي ويبدأ بفتح ملفات المفاوضات من جديد، وعليه تحاول السلطة وأجهزتها اتخاذ تدابير الضبط والتهدئة الجماهيرية من خلال خطوات متتابعه متتالي أي الميل إلى تهدئة الأمور ضمن سلسلة من الخطوات الإقناعية للجماهير والشباب واستخدام الوسائل الحزبية والأطر الحزبية الشبابية والجماهيرية المتحمسة اليوم للحرّاك وتشارك فيه، من خلال تحمس نفس هذه الأطر لتهدئة الشباب والتأثير به، وربطه بحراكات إسرائيلية على صعيد ملف التفاوض وبعض التسهيلات على الأرض، وهو احتمال وسيناريو قائم وبنسبة كبيرة جدًا في ظل غياب المحرض المقاوم من قوى المعارضة الفلسطينية، وعدم ميل حماس لتصعيد الأمور في غزة وكذلك خشيتها من حرق مجموعاتها النائمة وعناصرها في الضفة الغربية.
ثانيًا: تصعيد الأمور من خلال تدخل القوة الفلسطينية واقتحام المعركة وتحريك قواعدها ومجموعاتها للتصعيد في كل مدن وقرى ومخيمات الضفة مع عسكرة بعض المظاهر هنا وهناك، وهو احتمال ضعيف جدًا في ظل تلك القراءة المسبقة لأحوال وتوجهات القوى الفلسطينية المعارضة، وعدم توفر استعدادية لدفع الثمن.
ثالثًا: فتح جبهة غزة وتصعيد المواجهة مع الكيان، وهو احتمال ضعيف جدًا ايضًا لعدم رغبة حماس وسلطتها في تصعيد هذه الجبهة أو توتيرها، وكذلك عدم قدرة حركة الجهاد الإسلامي والقوى اليسارية عن الخروج على طاعة حركة حماس في هذه المرحلة.
رابعًا: تصعيد الحالة من قبل حركة فتح في الضفة الغربية، وهذا أيضًا احتمال ضعيف بما أن حركة فتح حددت أهدافها منذ البداية من هذا الحرّاك، وعدم وجود أي استعدادية من قبل الحركة في التضحية بسلطتها أو قيادتها أو بما تبقى من أوسلو في هذه المرحلة أقل تقدير، وعدم غلق كل الأبواب بوجه ” إسرائيل“ ودفعها لاستخدام ما استخدمته مع ياسر عرفات سابقًا.
خامسًا: إنتهاء الحرّاك مع حالات طعن ودهس ... إلخ واشكال نضالية متفرقة هنا وهناك خاصة في مدينة القدس، وهو احتمال قائم وبنسبة كبيرة حيث لا يمكن السيطرة على الأعمال الفردية بأي شكل من الأشكال، وكذلك عدم سيادة للسلطة على القدس، وعليه لا يمكن توجيه أي اتهام لها من ” إسرائيل“ وهو ما شهدته المدينة سابقًا.
إذن لا يوجد خيارات متعددة أمام الحرّاك الشبابي الفلسطيني، بل خياراته محدودة جدًا، ومحدودة في دوائر ضيقة، ويتم تضييق الخيارات عليه رويدًا رويدًا حتى لا يبالغ بسقف طموحاته الوطنية وليعود لقواعده الفيسبوكية من جديد، وليستمع لقائمة ألإتهامات من جديد، وليضغط اجتماعيًا، ويقهر اقتصاديًا، ويراقب حياتيًا حتى يجد مجالًا أو ساحة أخرى يعبر بها عن غضبه، ولكن كل التوقعات أن المستقبل وحالة الضغط ستفجر الشباب الفلسطيني ولكن على من؟!
د. سامي محمد الأخرس
samiakras@gmail.com
الرابع والعشرون من أكتوبر 2015



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن