«بيان» العلامة محمد المختار السوسي حول ضبط الأعلام الأمازيغية

الحسين أيت باحسين
Bahcine@gmail.com

2015 / 10 / 19

لقد سبق لي أن نشرت مقالا، في موقع الحوار المتمدن بعنوان : «من أجل ضبط علم جغرافي أمازيغي ضبطا سليما («إفْرانْ» و«يَفْرنْ» نموذجا) (1). حيث أبرز الفقيه والمؤرخ الاجتماعي المرحوم محمد المختار السوسي، أن الخلط بين صيغ متباينة في كتابة نفس الإسم الجغرافي الأمازيغي في علامات التشوير، لا يؤدي فقط إلي تحريف الإسم عن نطقه السليم؛ بل يؤدي، ذلك أيضا، إلى تحريفات على مستوى دلالاته الجغرافية والتاريخية وغيرها من الدلالات التي يتضمنها ويحتفظ بها وفق مرجعياته اللغوية والجغرافية والتاريخية أو غيرها من المرجعيات التي ينغرس فيها.
وكانت المناسبة القيام بكتابة اسم »إفران« في علامات التشوير بصيغة »يفرن«؛ حيث أكد، في نوع من الغضب تجاه هذا التحريف، قائلا: إيفْرانْ» !!! هذا نطقه الحقيقي، لا («أفْرانْ» كأحمد) ولا («يَفْرًنْ» كيحمد) كما يضبط به اقتداء بصاحب القاموس. كأننا مكتوب علينا كتابة مسجلة. ومحكوم علينا مسمطا أن يكون أولنا وآخرنا إمعات للمشارقة حتى فيما بين أسماعنا وأبصارنا، كأن أهل مكة ليسوا أدرى بشعابها. فالحق في هذه الكلمة مطلقا لا اسم هذه القبيلة. ولا عَلَم القبيلة الأخرى التي مضت لها الدولة في أواخر القرن الرابع وأول القرن الخامس سكان سلا، أن نضبط هكذا. والأصل في ذلك - كما لا يخفى - أن «إفران» جمع «إفري» بكسر الراء و هي جمع كما نرى بهذا الضبط، ومعناه : «الغيران» جمع «غار» والكلمة «شلحية» وتبا للتقليد و ذويه». (2)

في هذا المقال المعنون: »بيان العلامة محمد المختار السوسي حول ضبط الأعلام الأمازيغية« أقدم نصا آخر يلفت نظر الباحثين والمشتغلين بالأعلام الأمازيغية أن هناك قاعدة أساسية تعتبر البوابة الملكية في بناء دلالة أي علم أمازيغي، ألا وهي كيفية نطقه نطقا سليما من طرف مستعمليه. لقد وضعت مصطلح »بيان« بين قوسين حتى لا يتبادر إلى ذهن القارئ، في الوهلة الأولى، أن الأمر يتعلق ب »بيان« بالمعنى السياسي؛ ولو أن واقع ما آل إليه استعمال وتوظيف الأعلام الأمازيغية يقتضي ذلك.
لكن السياق الذي ورد فيه مصطلح »بيان«، من قبل فقيهنا، هو بناء منهجية تتوخى كيفية كتابة الأعلام الأمازيغية كتابة سليمة وذلك وفق نطقها، من قبل مستعمليها، نطقا سليما. لأن النطق السليم يستدعي، من جهة، الكتابة الصحيحة التي تحافظ على القثيمة الصواتية السليمة للكلمة؛ ومن جهة أخرى قد تحافظ على المرجعيات الدلالية لمختلف فروع الأمازيغية المتنوعة، خاصة في إطار أصولها الكبرى من مصمودية وصنهاجية وزناتية، نظرا لما تلعبه القيم الصواتية في بناء الدلالة اعتمادا على هذه المرجعيات اللغوية.
إنه يقدم لنا منهجية في معيرة الأعلام الأمازيغية معتمدا نموذج لهجة »تاشلحيت« التي يثقنها، كما يعتمد في هذه المعيرة حرف كتابة اللغة العربية التي يثقنها أيضا؛ كما اعتمد أمثلة لكل حالة من حالات تقعيد كتابة الأعلام كتابة سليمة. وتذكرنا هذه المنهجية بما قام به المرحوم علي صدقي أزايكو في تحقيقه لكتاب رحلة الوافد (3). كما تذكرنا بالطرق التي وضعها كل من الجغرافيين والمؤرخين المسلمين في العصور الوسطى بالنسبة لكتابة الأعلام الأمازيغية أمثال ياقوت الحموي في كتابه: معجم البلدان؛ وأبي عبيد البكري في كتابه: المغرب في ذكر بلاد إفريقيا والمغرب؛ وابن خلدون في مقدمته وفي كتابه: العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر (أو تاريخ ابن خلدون)؛ حيث كانوا يستعينون بالشكل الموصوف لحروف الأعلام الأمازيغية ويضعون حروفا خاصة لبعض القيم الصواتية الخاصة بالأمازيغية والتي لا توجد في أبجدية كتابة اللغة العربية. كما تذكرنا هذه المنهجية بالأبجدية الخاصة بكتابة الأمازيغية بحروف كتابة اللغات اللاتينية من طرف المتهتمين بالأمازيغية من الغربيين، حيث يضع كل مختص أبجدية قادرة على استيعاب مختلف القيم الصواتية للأعلام الأمازيغية. وستعرف هذه المحاولات المنهجية بديلا ملائما لكتابة الأعلام الأمازيغية كتابة سليمة حين سيتم تنميذ حرف تيفيناغ الذي سيستوعب القيم الصواتية للأعلام الأمازيغية في بداية الألفية الثالثة.

وهذا النص الجديد، لفقيهنا العلامة محمد المختار السوسي يقدم لنا، كما أسلفت قوله، منهجية في معيرة كتابة الأعلام الأمازيغية بشكل سلس وبسيط؛ ولكنه يغني عن بسط مجموعة من التحاليل والقواعد بل والنظريات الضرورية كمدخل لتنميط الأعلام الأمازيغية وكتابتها كتابة سليمة قصد بناء دلالتها الصحيحة.
وقد ذيل كل أجزاء موسوعته الكبيرة المسماة «المعسول» بهذه المنهجية، وذلك منذ الجزء الأول (حيث صرح بهذا ال«بيان») (4) إلى الجزء العشرين من موسوعته تلك؛ حيث يقول: «غالب الأعلام في الشلحة لا ينطق بها كما هي عند أهلها إلا مضبوطة مشكولة، وحين كان ذلك الآن كالمتعذر في مطابعنا العربية المغربية سلكت الطريقة التي تعتاد في أخوات الشلحة من اللغات العجمية: فأجعل الألف مكان الفتحة والواو مكان الضمة والياء مكان الكسرة: وكل حرف ليس أمامه ألف أو واو أو ياء فإنه مسكن.
فمثلا: تجد (تمنرت) في أقلام الكاتبين السوسيين فلا تهتدي إلى قراءتها، ولكن إن كتبتها هكذا (تامانارت) فإنك تفتح التاء والميم والنون وتسكن الراء: فإذا بك نطقت بها نطقا صحيحا: وكذلذ (ايديكل) و(ءازاريف) و(ءاكجكال) و(تيغمي) و(ءاقا) و(تامادولت) و(تيفنوت) و(تاكانزا) و(ايسي) و(تالبرجت) و(تيفرميت) و(تاكموت) و(ايليغ) و(ايلغ) فالفرق بينهما أن الآول مكسور اللام والثاني مسكنها: وبهذه الطريقة يستغنى عن شكل ألفاظ شلحية لا حصر لها:
فلم يبق لنا إلا معرفة الحرف المشدد من غيره؛ فلم أقع الى الآن على ما ينبه به على التشديد الا الشكل: فمثلا (تيمكيدشت) فجميع الحروف يظهر ضبطها مما تقدم: فلم يبق الا الكاف المشددة: وكذلك (تاغاجيجت) فالجيم الأولى مشددة: وكذلك (اكادير وايو) فإن الواو والياء مشددتان:
كما يبقى لنا أيضا ما يتعلق بالتفخيم والترقيق في الحرف؛ والكاف المعقودة التي تكون بين القاف والكاف وهي كثيرة في الشلحة؛ مثل (اكلو) و(اكرسيف) و(ايكوسالن) و(تاكنيت) فان هذين وهما ما يتعلق بالتفخيم والترقيق. وما يتعلق بالكاف المعقودة أمرهما خفيف في نظري الآن، فحينئذ يتلخص لنا أن الذي يكون لنا حجر عثرة في مطابعنا التي لم تزود بالحروف المشكولة هو الحرف المشدد وحده؛
وسنجتهد ان نبين ذلك آخر كل جزء فنرتب الأعلام التي فيها الحرف المشدد على حروف المعجم باعتبار أول الكلمة. والله أعلم«.

لنلاحظ التواضع الكبير الذي اتسم به فقيهنا، رغم هذا المجهود المنهجي والأكاديمي الذي قام به خلال عشرين جزءا من موسوعته : »المعسول« وفي مختلف تآليفه الغزيرة، من أجل تثمين الأعلام الأمازيغية والحفاظ على صيغها السليمة من حيث كتابتها ومن أجل تيسير بناء دلالاتها التي ستتولاها المقاربات المتعددة الاختصاصات المرتبطة بالأعلام الأمازيغية.
ولا نملك إلا أن نسجل له هذا المجهود الذي الذي قام به، بالرغم من بعض الملاحظات التي سنعود إليها في مقال لاحق حول مشكلة كتابة وتنميط الأعلام الأمازيغية
(Problème de la tran-script-ion et la normalisation des noms Amazighes)

---------------------------------
الهوامش:
1- http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=340109 الحوار المتمدن-العدد: 3966 - 2013 / 1 / 8
2 محمد المختار السوسي، كتاب من أفواه الرجال،ج.2، المطبعة المهدية، تطوان، المغرب، 1963، ص.39
3 - رحلة الوافد: تأليف عبد الله بن ابراهيم التاسفتي، تحقيق علي صدقي أزايكو، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقنيطرة، سلسلة: نصوص ووثائق رقم: 1، المعارف الجديدة، الرباط، 1992.
4 - محمد المختار السوسي، المعسول، ج. الجزء الأول، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، 1960، ص.11
الحسين أيت باحسين
باحث في الثقافة الأمازيغية



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن