الرسوم التى تأخذها السعودية من الحجاج سُحتُّ وحرام..ونذالة أيضا .!!

أحمد صبحى منصور

2015 / 10 / 5

أولا : الأسرة السعودية تتبع دين الأعراب فى سلب الحجاج أموالهم
1 ـ الأعراب الذين هم أشد الناس كفرا ونفاقا (التوبة:97) ، إحترفوا الإغارة على قوافل الحج والهجوم على مكة وانتهاك حُرمة الكعبة أحيانا . وحين تجمعهم عقيدة دينية يقترفون هذه الكبائر على أنها جهاد دينى .
2 ــ وهنا نذكّر بقول الله جل وعلا فى تحريم القتل والقتال فى الشهر الحرام وفى حصانة الحجاج وما يحملونه معهم من حيوانات الهدى الى البيت الحرام : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً ) (2) المائدة )، كما نُذكّر أن الله جل وعلا جعل بيته مثابة للناس وأمنا وأوجب الأمان لمن دخله ، فمن دخله كان آمنا أى يجب أن يأمن على حياته ، بل إن الأمن يشمل كل دابة حية ، حتى الحشرات ( كالقمل ) فى رأس الحاج ، لذا يجب الحلق أو التقصير قبل الاحرام ، ويحرم قتل الصيد من طيور وحيوان فى الحرام ، ويكفى أن نتدبر قوله جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (95) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96 )المائدة ).
3 ـ ولكن ما هى صلة رسوم الحج التى تأخذها الأسرة السعودية من الحجاج بموضوع أولئك الأعراب الذين إحترفوا قطع الطريق على الحجاج فى قدومهم للحج وفى رجوعهم منه ؟ . إن بعض الأعراب المترصدين لقوافل الحج كانوا يفرضون ( رسوما ) أو إتاوات على قوافل الحج لتمر بسلام دون إعتداء . التفاصيل ستأتى فى كتاب قادم لنا عن (قتل الحجاج وانتهاك حُرمة البيت الحرام ) . ولكن نكتفى بمثلين فقط :
3 / 1 : فى العصر العباسى نستشهد بما ذكره المؤرخ ابن الجوزى شيخ المؤرخين فى القرن السادس الهجرى فى تاريخه ( المنتظم ) فى أحداث سنة 545 هـ ،وكان ابن الجوزى الذى مات عام 597هـ ، يسجل التاريخ شاهدا على العصر ، يقول :( وقـد ذكرنـا ان الخـادم نظرًا لما حج خرج بالحاج مريضًا فعاد وسلمهم إلى قيماز. فلما وصلوا إلى مكة طمـع أميـر مكـة فـي الحـاج ، واستـزرى بقيمـاز ، فطمعـت العـرب ، ووقفـت فـي الطريـق ، وبعثـوا يطلبـون رسومهم . فقال قيماز للحاج‏:‏ " المصلحة ان تعطوهم ونستكفي شرهم." فامتنـع الحـاج مـن ذلـك . فقال لهم‏:‏ فإذا لم تفعلوا فلا تزوروا السنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستغاثوا عليه وقالـوا‏:‏ نمضـي إلـى سنجـر فنشكـو منـك . وكانـوا قـد وصلـوا إلـى الغرابـي ، فخرجـت عليهـم العرب بعد العصر يوم السبت رابـع عشـر المحـرم ، فقاتلوهـم فكثـرت العـرب ، فاخـذوا مـن الثيـاب والامـوال والاجمال والأحمال ما لا يحصى ،واخذوا من الدنانير ألوفًا كثيرة، فتحدث جماعة من التجار أنه أخذ من هذا عشرة آلاف ومن هذا عشرون ألفًا ومن هذا ثلاثون ألفًا وأخـذ مـن خاتـون اخت مسعود ما قيمته مائة ألف دينار . وتقطع الناس وهربوا على اقدامهم يمشون في البرية ،فماتوا من الجوع والعطش والعري ، وقيل‏:‏ ان النساء طيّنّ أجسامهن بالطين لستـر العـورة .ومـا وصل قيماز إلى المدينة إلا في نفر قليل‏.‏ ) ( المنتظم (18/78.). نسترجع ما قاله ابن الجوزى : (فطمعـت العـرب ، ووقفـت فـي الطريـق ، وبعثـوا يطلبـون رسومهم . )، يعنى الإتاوة كانوا يسمونها رسوما ، كما يقال الآن عن رسوم الحج . والبديل عن دفع الرسوم هو القتل والسلب والنهب ، والنتيجة أنه تكاثر العرب ( الأعراب ) كالذئاب الجائعة : (فكثـرت العـرب ، فاخـذوا مـن الثيـاب والامـوال والاجمال والأحمال ما لا يحصى ،واخذوا من الدنانير ألوفًا كثيرة ) وتشرد الحجاج من هذه القافلة وتاهوا فى الصحراء وماتوا جوعا وعطشا ، وبعض النساء كُنّ عرايا : ( وتقطع الناس وهربوا على اقدامهم يمشون في البرية ،فماتوا من الجوع والعطش والعري ، وقيل‏:‏ ان النساء طيّنّ أجسامهن بالطين لستـر العـورة.!! ). أى سلبهن الأعراب ملابسهنّ ..أيضا .! خسّة لا مثيل لها ؛ يسلبون المرأة ملابسها ويتركونها عارية .!
3 / 2 ـ فى العصر المملوكى نستشهد بما قاله شيخ المؤرخين المصريين فى القرن التاسع : المقريزى فى تاريخه ( السلوك )، وكان أيضا معاصرا للأحداث ويكتب شاهدا على العصر ، إذ توفى عام 845 ، يقول فى أحداث شهر محرم 842 : ( وفي ثاني عشرينه‏:‏ قدم الركب الاول من الحجاج وقدم المحمل في يوم الخميس ثالث عشرينه ببقية الحجاج بعدما نزل بالحاج بلاء عظيم وهو ان ركب الغزاويين ومن انضم اليهم من اهل الرملة ومن اهل القدس وبلاد الساحل واهل ينبع لما ‏"‏ نزلوا في عودهم من مكة بوادى عنتر قريب من ازلم خرج عليهم من عرب بلى نحو اربعين فارسًا ومائة وعشرين راجلًا يطلبون منهم مالاً ، فاما الينابعة فانهم جبوا لهم مبلغًا من الذهب دفعوه اليهم فكفوا عنهم وتركوهم فلحقوا الركب . واما الغزاويون فاستعد مقدمهم ورمى العرب بالنشاب وقتل منهم ثلاثة فحملوا عليه حملة منكرة اخذوه فيها ، ومالوا على الركب يقتلون ويأسرون وينهبون ، فما عفوا ولا كفوا ، فيقول المكثر انهم اخذوا ثلاثة الاف جمل باحمالها وعليها من المال ما بين ذهب وفضة وبضائع وازودة الحاج ما لا يقدر قدره كثرة‏.‏ وخلص من تفلت من الركب وهم عراة حفاة يريدون اللحاق بالمحمل ، فمات منهم عدة ، ولحق بالمحمل عدة ،وتاخر بالبرية منهم عدة‏.‏ قدم منهم الى القاهرة من تاخرت منيته فيما بعد من البر والبحر بأسوأ حال وفقد الناس من الرجال والنساء والصبيان والبنات عددًا كبيرًا . فكانت هذه الحادثة من شنائع ما ادركناه‏.‏ )هنا الحديث عن الحجاج من الدولة المملوكية ، والمعتدون الأعراب من عرب قبيلة ( بلى ) . وقد طلبوا ( الرسوم ) من الحجاج ، فريق من الحجاج دفع الرسوم ذهبا . وفريق رفض وقاتل فإنهزم ، وسلب الأعراب ما لديهم ، ومن نجا منهم من الموت تاه فى الصحراء عُريانا . أى سلبهم الأعراب ملابسهم ..أيضا ..
ثانيا : رعاية ملوك المسلمين بالبيت الحرام والحجاج
1 ـ تلك الغارات الإعرابية على قوافل الحج استلزمت شيئين معا لحماية الحجاج :
1 / 1 : أن تسير قوافل الحجاج فى حماية جيش كامل، يقوده ( امير الحج ) .
1 / 2 : حصر موسم الحج فى أسبوع واحد هو موسم إفتتاح الحج ، أى فى الأسبوع الأول من شهر ذى الحجة ، وإهمال الحج خلال بقية شهر ذى الحجة والأشهر الحرم التالية( محرم / صفر / ربيع الأول ) ، وبمرور القرون إعتاد الناس الحج فى هذا الأسبوع فقط وتناسوا قوله جل وعلا : (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ )(197) البقرة) .
وبرغم دعوتنا المتكررة والمُلحّة لفتح موسم الحج خلال الأشهر الأربعة تطبيقا لشرع الرحمن الرحيم الذى ما جعل علينا فى الدين من حرج ،وحفاظا على حياة الحجاج ، إلا إنّ الأسرة السعودية تتمسك بحشر مئات الألوف من الحجاج فى أيام قليلة ، ثم تضيّق عليهم أيضا عند مرور المترفين من الأمراء بما يسبب التدافع والقتل الجماعى . ولا تهتم الأسرة بحياة الحجاج ، بعد أن دفعوا لها الرسوم .!
2 ـ وفى الوقت الذى تفرض فيه الأسرة السعودية على الحجاج الرسوم أسوة بأسلافها من الأعراب ، فإن الحكام والميسورين فى العصور الوسطى فعلوا النقيض ؛ كانوا يرسلون الصدقات والأموال لأهل مكة ، يقول المقريزى:( فان العادة لم تزل من قديم الدهر في الجاهلية والاسلام ان الملوك تحمل الاموال الجزيلة الى مكة لتفرق في اشرافها ومجاوريها ).
3 ـ وفى الوقت الذى تفرض فيه الأسرة السعودية على الحجاج الرسوم أسوة بأسلافها من الأعراب ، فإن السلاطين المماليك كانوا لا يتعرضون لأرباح التجار الذين يستغلون موسم الحج فى تجارتهم . وهذا يستلزم توضيحا .
كانت بضائع الهند تأتى بحرا الى اليمن ومنها يتم حملها عبر البحر الأحمر الى السويس ، ومنها الى الاسكندرية ودمياط حيث تحملها سفن البندقية وجنوة وغيرها من الدويلات الايطالية . وكانت الدولة المملوكية تكسب الكثير من إحتكار تلك التجارة الشرقية وتفرض عليها المكوس ( الجمارك ) العالية . كان موسم الحج فرصة للتجار المصريين للفوز بنصيب من هذه التجارة ، يذهبون فى حماية ورعاية الجيش المملوكى حجّاجا الى مكة حيث يؤتى ببضائع الهند عبر اليمن ، يشترونها فى مكة ويعودون بها الى مصر لتباع فيها بعيدا عن المكوس والضرائب . فطن لذلك بعض العاملين فى الدولة المملوكية ففرضوا جمارك على أولئك الحجاج بعد عودتهم . رأى ذلك السلطان المؤيد شيخ فغضب وطردهم ، المقريزى يحكى هذا فيقول : ( واني لاذكر ان الملك المؤيد شيخاً نظره مرة في ايام قدوم الحاج فراى من اعلى قلعة الجبل خياماً مضروبة بالريدانية ( مكانها الآن مدينة نصر ) خارج القاهرة، فسال عنها ،فقيل عنها فقيل له ان العادة ان ينصب ناظر الخاص عند قدوم الحاج خياماً هناك ليجلس فيها مباشرو الخاص واعوانه حتى ياخذوا مكس ما معهم من البضائع. فقال‏:‏ " والله انه لقبيح ان يعامل الحاج عند قدومه بهذا. " واستدعى بعض اعيان الخاصكية ،وأمره ان يركب ويسوق حتى ياتي تلك الخيام ويهدمها على رءوس من فيها ويضربهم حتى يحملوها وينصرفوا ، ففعل ذلك ،و لم يتعرض احد في تلك السنة للحجاج . ).
الحجاج الشوام كانو أمهر . كانوا يذهبون الى مكة فيشترون بضائع اليمن ثم يحملونها حيث تباع فى موانى البحر المتوسط للاوربيين بأعلى الأسعار، وبدون دفع جمارك لدولتهم المملوكية . فطن لذلك السلطان الأشرف برسباى المشهور بجشعه وإحتكاره وسيطرته على منافذ التجارة الشرقية ، فألزم الحجاج الشوام ألا يعودوا الى بلادهم مباشرة ، بل عليهم الذهاب الى محطة الحجاج ( بركة الحاج ) قبل القاهرة لأخذ المكوس ( الجمارك ) منهم . إعترض على هذا المؤرخ المقريزى بشدة ، وذكر هذا فى أحداث محرم عام 829 ،وقال فى كلام طويل : ( وفيه تجددت على الحجاج مظلمة لم تعهد من قبل وذلك انه منع التجار ايام الموسم ان يتوجهوا من مكة الى بلاد الشام‏.‏ مما ابتاعوه من اصناف تجارات الهند والزموا ان يسيروا مع الركب الى مصر حتى يؤخذ منهم مكوس ما معهم.... وبلغ ما حمل الى الخزانة من ذلك زيادة على سبعين الف دينار سوى ما لم يحمل ، فجاء للناس ما لا عهد لهم بمثله . فان العادة لم تزل من قديم الدهر في الجاهلية والاسلام ان الملوك تحمل الاموال الجزيلة الى مكة لتفرق في اشرافها ومجاوريها ، فانعكست الحقائق وصار المال يحمل من مكة ويلزم اشرافها بحمله. ومع ذلك فمنع التجار ان يسيروا في الارض يبتغون من فضل الله وكلفوا ان ياتوا الى القاهرة حتى تؤخذ منهم المكوس على اموالهم. ) ، ثم يقول المقريزى متحسّرا : ( ولعمري لقد سمعت عجائز اهلنا وانا صغير يقلن انه لياتي على الناس زمان يترحمون فيه على فرعون .! فبرغم انهن مضين وخلفت حتى ادركت وقوع ما انذرنا به قبل ولله عاقبة الامور‏.‏..‏ ولا قوة الا باللّه )(السلوك محرم 829 ).
كل هذا لأن السلطان برسباى أخذ الجمارك من تجار الشام ( الحجاج ) ، ماذا لو عاش المقريزى عصرنا وشاهد الأسرة السعودية التى تمتلك آلاف البلايين تأخذ الرسوم من الحجاج الفقراء.! ؟
4 ـ تاريخيا فإن مصر ظلت المسيطرة على الحجاز ورعاية الحجاج فيه منذ الدولة الطولونية ( 868 : 905 ميلادية ) الى أن غزا عبد العزيز آل سعود الحجاز وإستولى على الحرم عام 1924 بعد مذبحة الطائف وقتل أهلها .
طيلة 11 قرنا كانت مصر هى التى تتكفل أكثر من غيرها بكسوة الكعبة والانفاق على الحجاج والمجاورين فى مكة والمدينة، وخصوصا فى الدولة المملوكية التى كانت تقوم بتعيين حاكم مكة وجدة والمدينة ، وعرفت القاهرة عيدا هو ( دوران المحمل ) ، والمماليك هم الذين ابتدعوا تقليد سفر المحمل منذ أول عهدهم بالحكم حيث تتزين القاهرة لدوران المحمل. ويخرج ( المحمل ) من القاهرة الى مكة ( محملا ) بالصدقات والأموال والمرتبات لأهل مكة ومن حولها . ومع السيطرة المصرية الرسمية على الحجاز ومكة والمدينة فقد كان الحج مفتوحة أبوابه للمسلمين جميعا على إختلاف مذاهبهم بلا رسوم ، بل تحت الحماية والرعاية ، وبعيدا عن الخلافات السياسية ، وفى المقابل حرص حكام مصر على منع الأوربيين من الابحار فى البحر الأحمر حماية للحرم ، ولم يمانعوا سلاطين المسلمين وأثريائهم من التبرع للحرم والنذر اليه ، وإقامة المؤسسات الخيرية فى مكة والمدينة .
وعلى النقيض من ذلك ، فعندما إستولت الأسرة السعودية فى دولتها الأولى والثالثة على مكة والمدينة فقد نهبوا ـ على عادة أسلافهم الأعراب ـ النذور والهدايا التى كانت توضع فى حجرات خاصة لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها ، فوقعت غنيمة سهلة فى أيدى أعراب آل سعود .
ثالثا : إقامة المؤسسات الخيرية فى مكة قبل ظهور محور الشّر السعودى
1 ـ بينما تقيم الأسرة السعودية فنادق هائلة للمترفين التى تحجب الكعبة لتكسب المزيد من البلايين دون إهتمام بالحجاج الفقراء ، كان الأمر على العكس من ذلك تماما فى العصور الوسطى حيث تنافس الملوك والأثرياء فى الماضى فى رعاية الفقراء وأهل مكة ، ليس فقط بإرسال الأموال والحبوب والغذاء ـ بل أيضا بإنشاء المدارس والأربطة – جمع رباط – والخوانق – جمع خانقاه – تقربا الى الله تعالى . ولم تقتصر تلك المؤسسات التعليمية على مجرد التعليم بل كانت تستضيف طلبة العلم والفقراء والمساكين وأبناء السبيل والمنقطعين للعبادة والنسك ، أي كانت تؤدي دورا تعليميا اجتماعيا ، ولذلك كان من ينشيء المدارس والرباطات حريصا على أن تستمر تلك المؤسسة في دورها في الإنفاق على القاطنين بها والواردين عليها ، لذلك أوقفوا عليها الضياع والحوانيت وكانوا ينفقون عليها من ريع تلك الأوقاف . وكان صلاح الدين الأيوبى أول من أدخل مدرسة في الحجاز ، وأسهم الوزير الأيوبي المشهور القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني في إنشاء الرباط المعروف باسم " العفيف " بمكة ، وقد شاركه في إنشائه عبد الله بن محمد الأرسوفي المشهور باسم العفيف ، صاحب المدرسة الأرسوفية..
2 ـ ونعرض لأشهر المؤسسات الدينية والتعليمية التى أُنشئت فى الحجاز قبل ظهور الأسرة السعودية:
المدرسة الأرسوفية : وقد أنشأها عبدالله بن محمد الأرسوفي سنة 571هـ وكانت تقع بالقرب من باب العمرة ، ويذكر أن الأرسوفي أنشأ رباط أبي رقيبة في مكة وكان يسكن به ، بالإضافة إلى مشاركته القاضي الفاضل في إنشاء رباط العفيف ، الذي كان موقوفا على كل الفقراء والمساكين العرب والعجم من الرجال دون النساء .. إذ كانت للنساء أربطة خاصة بهن .
مدرسة الزنجبيلي : أنشأها الأمير فخر الدين عثمان بن علي الزنجبيلي نائب عدن عند باب العمرة ، وقد أوقفها على أصحاب المذهب الحنفي سنة 579هـ واتخذت اسما آخر هو دار السلسلة. وقد أنشأ الزنجبيلي رباطا آخر حمل اسمه هو رباط الزنجبيلي كان يقع قبالة المدرسة ، كما أنشأ " سبيل الزنجبيلي " بأسفل مكة مما يلي التنعيم .
مدرسة طاب الزمان : أقامتها ( طاب الزمان ) جارية الخليفة المستنصر بالله العباسي ، ويقال أنها كانت جارية المستضيء العباسي ، وهو الأصوب. وقد أوقفت هذه المدرسة سنة 580 هـ على الفقهاء الشافعية ، وكانت المدرسة في الموضوع المعروف بدار زبيدة .
المدرسة الشرابية: أنشأها إقبال الشرابي خادم الخليفة العباسي المستنصر بالله ، سنة 632 هـ وكانت على يمين الداخل إلى المسجد الحرام من باب السلام . وقد أوقف بها كتبا كثيرة لطلبة العلم وذلك سنة 641هـ وقد ضاعت الكتب بالتدريج حتى إذا انتهى القرن العاشر لم يتبق منها شيء.
المدرسة المظفرية : كانت لها أسماء متعددة مثل الفخرية أو مدرسة الشلاج أو المدرسة المنصورية أو مدرسة السلطان ، فقيل عنها مدرسة الشلاج أو الفخرية نسبة لأمير مكة فخر الدين الشلاج، ويقال لها المظفرية نسبة لأبيه الملك المظفر الذي أوقف عليها الأوقاف ، ويبدو أن منشئها الحقيقي هو الملك المنصور صاحب اليمن الذي عمرها سنة 641 هـ وقام بإنشائها لحسابه الأمير فخر الدين الشلاج ، وقام بإدارة الأوقاف عليها المظفر والده ، لذلك تعددت أسماؤها لتعدد القائمين عليها.
المدرسة الغياثية : وتسمى مدرسة أعظم شاه، أنشأها سلطان البنغال بالهند غياث الدين أعظم شاه . وتقع بالجانب اليماني ، وأوقفها على فقهاء المذاهب الأربعة ، وقام خادمه ياقوت بعمارتها ووقفها، واشترى مكانها باثني عشر ألف مثقال من الذهب ، وعمل في التدريس فيها قضاة مكة الأربعة مع ستين من الفقهاء عشرون من الشافعية وعشرون من الأحناف وعشرة من المالكية وعشرة من الحنابلة ، وكان تدريس الشافعية والحنفية في الأيوان الشرقي ، كما كان الإيوان الغربي لتدريس المالكية والحنابلة . وأوقف منشئها الطابق الثاني منها لسكن الفقراء عدا حجرة واحدة خصصها للمدرسة . وبدأ التدريس بها يوم السبت 7 جمادي الآخرة سنة 814 طبقا للجدول الموضوع فيها للدراسة ، فكان تدريس الفقه الشافعي ضحى السبت وضحى الاثنين وتدريس الفقه الحنفي ضحى الأحد والأربعاء والخميس ، وتدريس المالكية بين الظهر والعصر أيام السبت والأحد والاثنين ، وكان تدريس الفقه الحنبلي بين الظهر والعصر يومي الأربعاء والخميس .
المدرسة الباسطية : كانت بالجانب الشمالي من البيت الحرام ، أنشأها الزيني عبدالباسط القاهري ناظر الجيوش في الدولة المملوكية ، وقد أرسله الأشرف برسباي ثامن الملوك الجراكسة إلى مكة سنة 826 لتجديد كسوة الكعبة ، فبنى مدرسته الباسطية في نفس العام ، وكانت تضم مدرسة ومساكن للفقراء ، وكان لها شبابيك تشرف على المسجد الحرام ، وكان لها سبيل بجانبها. وظلت المدرسة وملحقاتها تؤدي دورها قرونا ، وكان يسكنها الأعيان القادمون للحج.
مدرسة قايتباي: في سنة 882 أمر السلطان المملوكي قايتباي وكيله ابن الزمن والأمير سنقر الحجالي بأن يختار له موقعا يشرف على المسجد الحرام ليبني فيه مدرسة يدرس فيها علماء المذاهب الأربعة ، وليبني رباطا يسكنه الفقراء ، ومحلات وحوانيت تأتي بريع ينفق منه على المدرسة والرباط ومن فيهما من المدرسين والقراء – الذين يقرأون القرآن – بالإضافة إلى إقامة مكتب لتعليم الأيتام .. فاشترى وكيله رباط السدرة ورباط المراغي ودار الشريفة شمسية وهدم ذلك جميعه وأنشأ مجمعا كبيرا مشرفا على الحرم يحوي مدرسة ومكتبا لتعليم الأيتام واثنتين وسبعين خلوة للفقراء ومئذنة ، وأصبح اسم المجمع مدرسة قايتباي ، بناها بالرخام الملون والسقف المذهب ، ووظف فيها أربعة مدرسين على المذاهب الأربعة وأربعين طالبا مع خزنة كتب يقوم عليها خازن أو أمين مكتبة، وكالعادة ضاعت الكتب بالاستعارة ، وبقى منها ثلاثمائة مجلد كانت تحت رعاية قطب الدين الحنفي في أواخر القرن العاشر .. واشترط على القضاة الأربعة القائمين على التدريس بالمدرسة أن يحضروا مع الفقهاء بعد العصر يوميا ليقرأوا له القرآن لتكفير ذنوبه حسبما شاع في ذلك العصر ، وجعل فقيها لتعليم أربعين صبيا من الأيتام ، ورتب لكل واحد من الأيتام والفقراء الساكنين في المدرسة ما يكفيهم في كل عام .كما جعل للمدرسين والمؤذنين وقراء القرآن مبالغ من الذهب تصرف لهم كل سنة . وبنى عدة محلات ودكاكين ومنازل جعل إيرادها للإنفاق على المدرسة وكان إيرادها السنوي نحو ألفي دينار ذهبا ، كما وقف على المدرسة قري وإقطاعيات في مصر كان إنتاجها من الحبوب يذهب إلي مكة . ويقول قطب الدين الحنفي الذي كان يعمل في هذه المدرسة وقد كتب عن مدارس مكة : أن ما عمله السلطان قايتباي من الخيرات العظيمة قد فاق ما عمله كل سلطان قبله ، إلا أن إيراد الأوقاف ما لبس أن ضعف وآلت إلى الخراب بعد موت قايتباي بقرن من الزمان . وقد تم بناء مدرسة قايتباي سنة 884 هـ وحج السلطان قايتباي في نفس السنة ، ودخل مدرسته وأقام فيها في موسم الحج ينظم شئونها ووظائفها وحضر درسا قرآنيا وقرأ مع القراء بنفسه وأكل معهم في الحفل الذي أقامه في المدرسة وفرق عليهم الهدايا
المدرسة الكنبياتية : وهي مدرسة للفقهاء الأحناف جنوب المسجد الحرام، أقامها السلطان أحمد شاه سلطان كنباية وكجرات بالهند، وكان مشهورا بعمل الخير وحب العلماء ،وكان يشرف على هذه المدرسة قطب الذين الحنفي مؤلف كتاب " الأعلام بأعلام بيت الله الحرام " وهو متوفى سنة 889هـ .
المدارس الأربع : أنشأها سنة 972هـ السلطان العثماني سليمان القانوني ، وكانت مدرسة رباعية للمذاهب الأربعة ،وأقامها مكان المارستان المستنصري الذي أقامه المستنصر العباسي ،وقد وضع حجر أساسها قاضي مكة . فلما تم البناء تعين فيها المدرسون . وكان مدرس الفقه الحنفي الشيخ قطب الدين الحنفي سالف الذكر ، وقد ساعد في استبدال المدرسة الكنباتية لتقوم بدلا منها مدارس السلطان سليمان القانوني.
أخيرا
1 ـ هل يستوى قاطع الطريق بفاعل الخير ؟
2 ــيقول جل وعلا : (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28) ص ) .
ودائما : صدق الله العظيم .!!



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن