حوار هادئ مع السيد المالكي/ الحراك الشعبي، الشعارات و الشيوعيون (2)

ابراهيم الحريري
hariri4u@gmail.com

2015 / 9 / 11

حوار هادئ مع السيد المالكي(2)
الحراك الشعبي، الشعارات و الشيوعيون

ياخذ السيد المالكي على الحراك الشعبي انه تطور من المطالبة بتوفير الخدمات، الكهرباء خصوصا، الى طرح شعارات سياسية( الدولة المدنية) مرورا بالمطالبة بتطهير الدولة من الفساد و الفاسدين ، الى غير ذلك من المطالب المشروعة للحراك الشعبي.
صحيح ان الحراك بدأ بألأحتجاج على نقص الخدمات، بالأحرى انعدامها، و هو امر لا يد للشيوعيين فيه،و قد تصادف ذلك مع ارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة، وهذا ايضا امر لا يد للشيوعيين فيه، اللهم الا اذا بدا للمالكي، كما بدا لغيره، ان في الأمر مؤامرة "دبّرت بليل" بين الشيوعيين ورب العباد! للأطاحة بنظام المحاصصة البغيض ورموزه و ابرزهم السيد المالكي.
ادت هذه "المصادفة" غير السعيدة، اي التقاء النقص المعيب للطاقة الكهربائية بارتفاع درجات الحرارة، الى تفجير مراجل الغضب الشعبي.
كان يمكن تجنب تفاقم تراكم الغضب ، بان يبتهل السيد المالكي،رافعا كفيه الى السماء، ان تغير، بمعجزة، الجو ، و لعله فعل، لكن يبدو ان السماء لم تستجب لدعائه، لأمر لايحق لنا ان نتدخل فيه، اذ لا يحق لنا ان نتدخل في العلاقة بين المعبود و عبده المالكي.
او ان يتنازل السيد المالكي والسكان الآخرين في المنطقة الخضراء عن مساكنهم المتواضعة للمكتوين بنار جهنم الأرضية التي وفَرها المالكي و اضرابه ممن تسنموا سدة الحكم،لعباده. و لم يكن، لوجستيا ، تحقيق هذا الأمر ممكنا.
لم يبق، اذن، الا ان يتوقف الناس ، في وقدة الحر، ليفكروا: لماذا لم تحل ازمة الكهرباء و الأزمات الأخرى، رغم المليارات التي صرفت عليها؟ و قادهم هذا، بالضرورة، الى الأنتقال بالتساؤل، الى مرحلة اخرى: اذا كانت هذه الأموال لم تصرف لحل ازمة الكهرباء، فأين ذهبت اذن؟
يحك المواطن البسيط راسه،قليلا اوكثيرا،ليتوصل الى ان ثمة خلل. يضرب كفا بكف فرحا بتقدمه في الأكتشااف،و يواصل الرحلة،ثم يتوقف ليصرخ: هناك فساد! هناك فساد! ِ
لا يتوقف المواطن البسيط عند هذا الجد بل يتوقف ليتساءل: اذا كنت انا، المواطن البسيط، توصلت الى ذلك، فكيف لم يكتشفه من هو على درجة عالية من الذكاء و المفهومية، مثل السيد المالكي؟
يتقدم "المواطن البسيط " خطوة اخرى، أكثر خطورة ووعورة في الأكتشاف: اذا كان الناس اللي فوق لا يرون، او لا يريدون ان يروا، فلا بد ان لهم مصلحة في ذلك! لا بد انهم متواطئون!
لكن المواطن، رغم انه بسيط،يقفز الى المنطقةالأكثر خطورة : اذا كان هؤلاء، الذين يحمون الفساد والمفسدين ، او يسهلون لهم، او يتعامون عنهم طيلة هذه السنين: على امتداد زمن الأزمات و تفاقمها فثمة، اذن، خلل في النظام الذي اتى بهم الى الحكم،و ما يزال !
مرة ثانية، يحك رأسه، يضرب كفا بكف و يهتف اين الحل؟ اين الحل؟
يصدف ان يكون جاره او قريبه، شيوعيا، لبراليا،او ديمقراطيا يحدثه عن الدولة المدنية، و الفرق بينهاوبين النظام الذي يتستر بالدين و الطائفة ل" تحليل" النهب و الفساد، فييهتف و قد نفذ صبره : وجدتها! وجدتها!
يخرج الى الشارع و هو يهتف:
لا لنظام الأزمات! لا لنظام الفساد و المفسدين! لا لنظام المحاصصة! نعم للدولة المدنية!( ليس الأمر، بالتأكيد،بهذا القدر من البساطة، فمراحل تكون الوعي و تطوره اكثر تعقيدا)
و "يصدف" ان يلتقي بالمئات، الآلوف، مئات الألوف، الملايين الذين توصلوامثله، بعد رحلة معاناة طويلة، الى اِلأِستنتاج ذاته.
فماذا كان المالكي يريد من الشيوعيين و اصدقائهم ان يفعلوا؟ ان يضللوا الناس و يخدعوهم و يقولوا لهم انهم- اي الناس- على خطأ و ان السيد المالكي و المستفيدين من نظام النهب و اللصوصية والأزماتَ هم على صواب؟
لم يدّخر الشيوعيون وسعا في النصح و التنبيه و التحذيرسواء في اللقاءات مع قيادات الحكم ، المالكي خصوصا، اوبالمذكرات،او في ادبياتهم ووثائقهم،و ما تنشره صحافتهم، من النتائج الكارثية التي تقود اليها سياسات اقطاب الحكم، و على راسهم المالكي، على مجمل الوضع و على مايسمى ب" العميلية السياسية" بل يذهب البعض،الى انهم بالغوا في الحرص على"عملية سياسية" كان المستفيدون منها يئدونها .
لماذا لم يقدم السيد المالكي و بطانته نظاما آخر يلبي مطالب الناس و حاجاتهم لييسيروا وراءه، بدل ان يعتبروه - يالأسف- رمزا للنظام الذي تسبب لهم بكل ما يعانونه؟لا ينبغي ان يلوم السيد المالكي الشيوعيين على ذلك،فلا يلومنّ الا نفسه.
لم ينعزل السيد المالكي عن الأكثرية الساحقة من الناس ، بل عن بعض قيادات حزبه، بعد ان بات يشكل مشكلة لها، هذا فضلا عن المرجعية و عن حلفاء آخرين بارزين في التحالف الوطني، دعك عن قوى سياسية اُخرى. طالما عبرت، لدوافع مختلفة، عن معارضتها و تحفظاتها على ساسات السيد المالكي

طبيعي، اذن، ان يجد الشيوعيون مكانهم بين الناس و حراكهم، لا ضدهم، كما يريد لهم السيد المالكي و غيره، منطلقين في ذلك من مبادئهم و تاريخهم و سياساتهم،لكنهم لا يدّعنون انهم خالقوه- اي الحراك الشعبي- فقد خلقه المالكي و نظامه وسياسته، و لا يدّعون انهم منظموه و الناشطون الوحيدون فيه، فثمة العشرات، بل المئات غيرهم. و يولد و يتطور، خلال الحراك الشبعي العشرا ت، بل المئات من النشطاء،وتبرز ما لا يحصى من المواهب في التعبير عن مطالب الناس و مشاكلهم و هممومهم, من التشكيل الى الغناء الى المسرح و غير ذلك من اشكال الأبداع، الفردي و الجماعي،. ذلك ان الناس يعبرون عن الفرح باعادة اكتشافهم لذواتهم و ما تنطوي عليه من طاقات غيبتها عقود من القهر.
من حق المرء ان يتساءل، اذا كان المالكي و من يذهب مذهبه، محق فيما يدعيه عن دور الشيوعيين في "تحريك" الحراك، و اذا كانوا يملكون حقا هذه القدرة الخارقة على زج الملايين في الشارع و هم خارج السلطة،و بدون ان يوزعوا العطايا و لاسندات ملكية الأرض،غير الموجودة فعلا( يذرع بالجنة!) و غير ذلك من اساليب الترغيب و الترهيب فضلا عن الخداع و التضليل بما في ذلك استخدام الدين و المذهب لتجييش الأنصار و المحازبين، فاين اذن،ذهبت، الآن، قوته ؟
ان بين من نزلوا الى الشارع عشرات الآلاف ممن صوتوا له، لكنهم عندما اكتشفوا خداع الوعود التي اهرقت بلا حساب ، و هي لاتغني و لا تسمن- حقا- من جوع،لا توفر الكهرباء و لا الخدمات نزلوا الى الشارع يهتفون :
"باسم الدين باكَونا الحرامية" !
فلماذا يغضب السيد المالكي؛ الأِنه تاخذه الغيرة على الدين ام العزة بالأثم ؟



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن