محاكمة صدام حسن والشيخ زغلول النجار

حسن ميّ النوراني

2005 / 10 / 20

مؤسس دعوة النورانية
من زاوية ما، يمكن اعتبار تاريخنا العربي (الإسلامي) تاريخ الطغيان.. وفي هذا التاريخ، تغيب ظاهرة محاكمة الطغيان عن إثبات حضورها الفاعل لمواجهة الطغيان بكل صوره السلطوية.. وأعني بالسلطة كل قوة تحكمية تصادر الحق في حرية التجديد، وتلغي الخصوصية الفردية، لحساب الشمولية التي تتجسد في حكم سياسي مطلق، أو في تصور عقلي مطلق.. صدام حسن، نموذج للحكم السياسي المطلق، وزغلول النجار، نموذج للتصور العقلي المطلق..
لدى مثول دكتاتور العراق صدام حسين، في محكمة عقدت اليوم (19/10/05) في بغداد، لمحاكمته على ما اقترفه من جرائم، في حق شعبه، أصر صدام، على أنه رئيس العراق.. وجادل بقوله: احتراما لإرادة الشعب العراقي الذي اختارني لرئاسته، فأنا رئيس العراق.. كان الرئيس صدام قد أعلن، قبل وقت قصير من الغزو الأمريكي للعراق، الذي أنهى حكمه، أن الشعب العراقي قد انتخبه بنسبة 100%.. ولا يخفى على أحد، أن انتخابات العراق لرئيسها صدام، كانت كلها مسرحيات يتم إخراجها في أجواء من الرعب الذي كان نظام صدام يهدد به حياة كل من يختلف معه..
صدام، يعتقد، مثله في ذلك، مثل كل حكامنا العرب، منذ أول حاكم منهم، منذ قامت للعرب دولة، حتى كل الحكام المعاصرين، باستثناء سوار الذهب في السودان الذي تخلى عن السلطة طواعية، أن الحكم، قميص، يُلبسه الله لأحدهم، ولا يحق لغير الله أن يخلعه عنه.. والله، ذو القمصان الحاكمية، وكما تشهد وقائع التاريخ العربي السياسي، لا يخلع عن حاكم قميص الحكم، إلا وهو على نعش الموت.. وما دام في الحاكم العربي عرق ينبض، فهو الحاكم المطلق الذي لن ينزل عن كرسي الزعامة ما لم ينزل منه على ظهر دبابة أو ظهر الموت!!
صدام أنزلته دبابات عدوان هو المسئول عن استقدامه.. ولكنه، كنموذج مثالي، للمطلقية العربية، لم يتنازل عن حقه في البقاء زعيما مطلقا للعراق، وللأمة العربية كلها أيضا..
أنا لست مع العدوان الأمريكي على العراق، وكنت أود أن لا يقف صدام، أمام قاض يقاضيه عن جرائمه، بعد أن احتلت أمريكا العراق، وبعد أن قبضت قوات الاحتلال على صدام، وساقته من مخبئه إلى ساحة القضاء.. لكننا، وبشهادة تاريخنا، لم نعرف من قبل، أن قامت شعوبنا، بمحاكمة الطغيان، الذي يستبد بها، ليس في حقل السياسة فقط، ولكن، في حقل التفكير أيضا.. وحقل التفكير أهم من حقل السياسة، فالفكر هو الذي يؤسس القاعدة التي يأتي السياسيون في مناخها، فيتكيفون بمعطياتها، وتكون هي صمام الأمان، بقدر ما تكون ثقافة خاصة للحاكم لا يقوى على منافاتها..
صدام حسين، هو صنيع الثقافة ذاتها التي صنعت زغلول النجار وأمثاله، وكل الذين يمتلكون القابلية للانبهار بهم، وتصديق ما يرددون من أقاويل تنافي قواعد العلم الصحيحة، لحساب قواعد التلقين والتعصب للمحفوظات، وتوظيف كل جديد، لصالح تكريس المفاهيم القديمة, وعلى رأسها، مفهوم المطلقية المعرفية، الذي يتوهم أن عصرا من العصور، أو عقيدة من العقائد، تمتلك الحقيقة المطلقة، وأن الزمان كله، ماضيه وحاضره ومستقبله، لم ولن يعرف من حقائق الكون سوى ما تقره تلك الحقيقة التي يتوهم أتباعها بأنها الصادقة صدقا لا يقبل التشكيك..
وكما صدام حسن، لا يقبل الاعتراف بتغيرات الزمان، ولا يقبل التنازل عن حقه في رئاسة العراق، بحجة أن شعبها اختاره.. فكذلك، لا يقبل العقل الذي يجسده زغلول النجار، أن العقيدة، اية عقيدة، هي عقيدة نسبية، تخضع لشروط نشأتها المكانية والزمانية، ولا تمتلك خاصية المطلقية، إلا في أهواء ضعاف العقول وضعاف الإرادات غير المستنيرين بالعقل وبالحب وبالنورانية الروحية العلمية..
صدام حسن ديكتاتور سياسي وزغلول النجار دكتاتور فكري.. وكلاهما يستند إلى مفهوم واحد، يرى أن الحقيقة واحدة، ويرى أنه هو لا غيره، الممثل للحقيقة، والمدافع عنها, الوصي عليها.. وعيب عيوب الإسلاميين في عصرنا، هو اعتقادهم بأنهم الأوصياء على العباد والبلاد!!
كان الإسلام لدى نشأته، ثورة تجديدية، وانطلق من قاعدة علمية منهجية صحيحة، تلك هي رفضه المقولة التي كان عرب مكة أيام أول البعثة المحمدية يواجهون بها النبي الجديد، وهي: إننا وجدنا آباءنا على دين ولن نفارقه!! وكيف يقع تطور، لأمة لا تزال تردد المقولة الخاطئة، بعمى وصمم، في وجه دعوات التجديد، التي تنشأ تحت شروط مباينة، لتلك الشروط التي نشأت فيها دعوات التاريخ القديم؟!
إليكم هذه القصة: سألت طبيبا عربيا مسلما: ما هي أداة التفكير لدى الإنسان؟ أجاب الجواب الذي أعرفه، والذي سيجيب به أي منكم: الدماغ طبعا!!
قلت له: ولكن القرآن يقول إنه القلب!!
رد على الفور، وبقطعية الديكتاتورية الفكرية: إذا كان القرآن يقول ذلك، فأنا أقول ما يقوله!!
فأين نحن من القاعدة المنهجية المعرفية التي أكد عليها النبي محمد صلى الله عليه وسلم، في أوائل دعوته، التي شرخت مفاهيم قومه، وزلزلتها قبل أن تغيرها؟!
كان العرب وكان الناس كلهم في الزمن القديم يعتقدون أن القلب هو محل التفكير.. وردد القرآن ما كان العرب يألفونه من المعارف، فردَّ التفكير إلى القلب، ولم يسبق الاكتشافات اللاحقة للعلم أن القلب عضلة لا علاقة لها من قريب أو من بعيد بالنشاط الفكري للإنسان.. وأن الدماغ هو أداة التفكير.. كما القرآن لم يسبق العلم ولم يقل أن الحيوانات المنوية تخرج من الرجل من مكان غير المكان الذي حدده القرآن بأنه منطقة الظهر (فلينظر الإنسان مم خلق، خلق من ماء دافق، يخرج من بين الصلب والترائب.. الصلب: عظام الظهر، والترائب: عظام الصدر).. ولم يشر القرآن ولا السنة النبوية إلى بويضات المرأة التي ينتجها المبيض والتي تشارك الأنثى بها، في تكوين الجنين.. فما كانت المعرفة العربية أيام النبي قد تعمقت في فهم عملية الإخصاب كما فعلت الحضارة الإنسانية في العصور اللاحقة.. وأشار النبي والقرآن سائل (ماء، بلغة الدين) المرأة الذي يسيل من مهبلها كلما وجدت نفسها في موقف يداعب رغبتها الجنسية، فاعتبر الدين المحمدي أن المرأة تشارك في عملية إخصاب الجنين بهذا (الماء) المهبلي..
أفيقوا أيها المخدوعون بمروجي ما يسمى بالإعجاز العلمي في القرآن والسنة: النبي والقرآن لم يعلنا أن مهمتهما مهمة علمية في علوم الطبيعة ولا الأحياء.. النبي قال: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.. ولم يقل إنه جاء باكتشافات علمية لم تكن معروفة في عصره.. وعندما حاول النبي أن يفتي في مسالة علمية تتعلق بعملية تلقيح إناث النخيل بطلح ذكورها، واقترح يومها أن يتخلى الناس عن التدخل في شأن هذه العملية، بدعوى أن الله كفيل بها، اكتشف فيما بعد أنه وقع في خطأ تجريبي علمي، راجعه المسلمون فيه فرجع عنه.. لكنه لم يرجع عن قول القرآن إن الله بعث النبي محمد ليخرج الناس من الظلمات إلى النور.. دعوة النبي محمد دعوة أخلاقية نوارنية، تعاطت مع معارف زمانها.. ولكن النورانية، بصورتها المحمدية، وبكل صورة، لا يحق لها، أن تزعم أنها تمتلك الحقيقة المطلقة، وهي تعي أن الحقيقة تتكشف بتجدد الأزمان، درجة بعد درجة، وليس كلها ومرة واحدة..
وإن انحراف الاعتقاد، من الرؤية العلمية الرشيدة المتنورة الجريئة، إلى مزالق الهوى والتعصب، هو الذي يقودنا إلى مهالك الجمود، عندما نخضع لمفهوم المطلقية الدكتاتورية الفكرية، فندافع بالباطل، عن علمية ما ورد في النصوص المتوارثة، دون أن نراعي الظرفية التي لا تنخلع عن رؤية ما من الرؤى..
ومفهوم المطلقية الديكتاتورية الفكرية، هو المسئول عن الديكتاتورية السياسية التي جسدها صدام حسن، والتي لا تزال تمنحه الاعتقاد، أن حكم العراق، حق له، ما دام فيه عين ترف أو قلب ينبض.. لكنه لا ينبض بحقيقة الحقائق، التي تؤكد أن كل الأشياء تتغير، غير مبدأ التغير ذاته.. وهذا مفهوم تتبناه النورانية، وتدعو إليه، بالقوة التي تدعو فيها لكرامة الإنسان.. فهل يكون للإنسان كرامة، إذا أسلم قياد عقلة وروحه، للجامدين على قديم مضى!! وكيف ترى يعود الماضي، إلا في أوهام الكسالى، الذين يغيبون في الغباء وفي الخوف حتى تأتينا العواصف، كالعاصفة التي أتت في طائرات ودبابات أمريكا لتسقط طاغية، طغى، لأن ثقاتنا تفتقر إلى تاريخ مواجهة الطغاة، بعقل نوراني محب ومقدام!!



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن