انتخبني من فضلك

السيد نصر الدين السيد

2015 / 8 / 30

"عندما تؤثر القناعات الخاطئة، التي تبدو انها صحيحة، على أصوات الناخبين فان الديموقراطية الوليدة لا بد وان تؤدي الى سياسات رديئة"
بريان كابلين، من كتابه "اسطورة الناخب العقلاني"


وأخيرا صدر القانون الخاص بتنظيم مباشرة الحقوق السياسية في مصر وأصبحت الانتخابات البرلمانية على مرمى الابصار. وبالطبع لم يفوت وسواسي الخناس هذه الفرصة ومارس معي ألاعيبه المعتادة لأكتب حول هذا الموضوع. وعبثا حاولت إقناعه باني لست بالشخص المناسب للكتابة في هذا الموضوع فالحبرة العملية منعدمة والخلفية الأكاديمية مختلفة. الا انه في النهاية أفحمني بقوله ان الغرباء عن المدينة يرون فيها ما لا يراه سكانها بحكم العادة، وهكذا حال الغريب عن السياسة عندما يدخل عالمها فترى عيناه ما لا تراه عيون الآخرين. ولم يكتفي الوسواس الخناس بهذا بل ذكرني، على سبيل المثال، بـ "هيربرت سيمون" عالم الاقتصاد الأمريكي الذي كان أحد الآباء المؤسسين لعلم الذكاء الاصطناعي. المهم انه نجح في مسعاه ودفعني لكتابة هذا المقال.


وتعود أهمية الانتخابات البرلمانية القادمة الى انها بداية المحاولة الثالثة لإنشاء نظام حكم ديمقراطي ليبرالي. فلقد سبقت هذه المحاولة محاولتين فاشلتين كانت نتيجة الاولى انقلاب عسكري ساندته الجماهير فتحول الى ثورة، وكانت نتيجة الثانية حراك شعبي سانده العسكريون فأسفر عن وضع غير مستقر تتعدد فيه البدائل والخيارات.


وكانت بداية المحاولة الأولى، التي استمرت 29 سنة (1923-1952) عندما صدر دستور 1923 الذي وضع الأساس لقيام نظام ملكي دستوري، وكانت نهايتها سنة 1952. وقد اهتم العديد من الباحثين بهذه الفترة وارجعوا فشلها الى مجموعة من الأسباب السياسية (تدخل الملك في الشأن السياسي، الاحتلال البريطاني)، والاجتماعية (انخفاض مستوى التعليم)، والاقتصادية (تحكم العناصر الأجنبية في الاقتصاد الوطني، ضعف نفوذ الطبقة البرجوازية بالمقارنة مع نفوذ كبار ملاك الأراضي) (لطفي, 1981). اما المحاولة الثانية، التي استمرت 34 سنة (1977-2011)، فقد كانت بدايتها صدور قانون الأحزاب السياسية سنة 1977 الذي ينظم شروط إقامة الأحزاب. ولقد تميزت هذه الفترة بسيطرة حزب واحد، الحزب الوطني الديموقراطي، على الفضاء السياسي المصري سيطرة شبه كاملة.


ونموذج "الديموقراطية الليبرالية" الذي يسعى المصريون الى تحقيقه هو أحد صور "الديمقراطية التمثيلية"، التي يقوم فيها أفراد المجتمع باختيار من يمثلهم وذلك لفترة محدودة عبر انتخابات حرة ونزيهة. لذا يرتبط نجاح هذا النموذج بتوفر شرطان "جدية المباراة" و"المشاركة الواعية". واصارحكم القول أنى لم أفضل من كلمة "المباراة" لاستخدمها في تسمية الشرط الأول. فالمباراة هي منافسة بين فريقين او أكثر تجري وفقا لقواعد محددة سلفا في العلن، ويحترم نتائجها الجميع. و"جدية المباراة" تعني وجود كيانات سياسية تعبر عن مصالح وتطلعات مكونات المجتمع المصري وتمتلك رؤى محددة وقابلة للتنفيذ لتلبية هذه التطلعات، وأنها في سبيل تحقيق رؤاها تسعى الى السلطة عبر المنافسة الحرة والنزيهة. كان هذا عن الشرط الأول وهو شرط "لازم" لنجاح النموذج ولكنه ليس "كافيا" إذ لابد ان يصحبه الشرط الثاني "المشاركة الواعية". فكلمة "المشاركة" وحدها تشير الى استخدام كل المواطنين البالغين حقهم في الادلاء بأصواتهم، اما صفة "الواعية" فتضمن أمرين هما: "استقلالية الناخب" و"الناخب العارف".

ويعني الأمر الأول، "استقلالية الناخب"، ان قراره باختيار أحد المتنافسين هو قراره الشخصي الذي تبناه دون ضغوط او مغريات خارجية. وهو "الاستقلال" الذي تحميه مجموعات الحريات الثلاث: الشخصية (المدنية) والسياسية والاجتماعية (أو الاجتماعية الاقتصادية). وتشمل الحريات المدنية حريات مثل حرية الفكر والاعتقاد وحرية التعبير، وحرية التنقل والإقامة، حرية الانضمام إلى الأحزاب والنقابات. اما الحريات السياسية فتشمل حريات من قبيل حرية التجمع السلمي لأغراض سياسية، وحرية تكوين كيانات سياسية. وأخيرا الحريات الاجتماعية الاقتصادية التي تضمن حق افراد المجتمع في التملك وفي التصرف فيما يمتلكونه دون تدخل من الحكومة. اما الأمر الثاني المتعلق بالمشاركة الواعية فهو "الناخب العارف" الذي يعتبر من متطلبات أي نظام ديموقراطي. فأثناء العملية الانتخابية تعتبر معرفة القوى السياسية المتنافسة والتعرف على ما تتبناه من رؤى امرا لا غني عنه ليتمكن الناخب من المفاضلة بينها واختيار ما يراه الأفضل. كما تعتبر معرفة الناخبون بالسياسات التي تتبناها الحكومة امرا ضروريا لتمكينهم من محاسبة الكيان السياسي الفائز في الانتخابات.


كان هذا عرضا بالغ التبسيط لنظام ديموقراطي بالغ التعقيد الا انه يقدم إطار يمكن الاستعانة به في فهم ما يحدث وما قد يحدث. فبداية تقتضي "جدية المباراة" وجود أكثر من كيان سياسي يتمتع بقدر معقول من التأييد الشعبي. وهنا نستدعي عبارة لاحد الدارسين حول أسباب فشل اولي محاولات إقامة نظام ديموقراطي ليبرالي في مصر يقول فيها: "وأصبحت التكوينات القبلية والعشائرية هي المناظرة للتكوينات السياسية مثل الأحزاب والجماعات وظلت المؤسسات التقليدية والرؤية السلفية ذات فعل قوى ومؤثر في حركة المجتمع" (نايل, 1989). ونتساءل هل ما زالت هذه المقولة صحيحة الآن؟ وعن "استقلالية الناخب"، أحد أبعاد "المشاركة الواعية"، تذكرنا أرقام الجهاز المركزي الإحصاء ان عدد المصريين الذين هم تحت خط الفقر هو 26 مليون مواطن وان. والذين يقيمون في العشوائيات هو 18% من السكان. وهي أرقام تجعل الحديث عن استقلالية الناخب هزل لا يستساّغ. وفي نفس السياق كتبت الباحثة عفاف لطفي السيد عن الانتخابات أثناء المحاولة الأولى "ووقت الانتخابات كانت كل عناصر المجتمع الريفي يأتمرون بأمر العمدة لاستدعاء ومداهنة وتهديد او رشوة الناخبين كما يشاء. وكان العمدة مسئولا عن كافة إجراءات التصويت" (لطفي, 1981). وهو امر لايزال قائما حتى يومنا هذا.


ان إقامة نظام ديموقراطي ليبرالي ليس امرا قريب المنال ولكن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة وجعل الله كلامنا خفيفا على قلوب أهل السياسة.

المراجع

لطفي, ع. 1981. تجربة مصر الليبرالية (1922-1936). القاهرة: المركز العربي للبحث والنشر.
نايل, ص. أ. 1989. القرار السياسي في مصر والمشاركة الشعبية. اليقظة العربية(العدد السادس): 103.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن