التعليم والثقافة أمن قومي للدولة المدنية

داليا عبد الحميد أحمد
daliaabdelhamed@gmail.com

2015 / 8 / 21


علي إعتبار التعامل مع الأزمات العاجلة وليس حلها حل جذري، وعلي إعتبار أن الوعي والمعرفة المباشرة والآنية مسئولية الإعلام القديم (المساجد)، والحديث (الصحافة والإنترنت والفضائيات) تكمن فكرة الأمن القومي العسكرية فقط، ولكن مفهوم الأمن القومي السياسي لا يقتصر علي ذلك المنظور الضيق، بل يتسع للتنمية، وأولها تلبية الخدمات الأساسية لأكبر عدد من السكان، دون إشتراط أي جودة.
وقد كان أن زحف الكم علي الكيف، وتعطلت التنمية الحقيقية، لدرجة أننا لسنا في مواجهة أزمات بل كوارث، ولو بحثنا عن العنصر البشري لنجده الآن هو الكارثة، مع أنه جزء تنموي هام، وإستثمار أمثل أفضل وأبقي من إستثمار الأموال وثروات الطبيعة والتاريخ والجغرافيا.
فهل نحن بدأنا في إستثمار التعليم؟ لنحصد بعد سنوات أجيالا تعيش الواقع ومتطلعة للمستقبل
التعليم، فالتعليم والثقافة هما طريق الحياة المدنية والسِلم الإجتماعي والانتماء للعصر وللوطن معا.
سقطت مصر في مجانية التعليم، وتوسعة حجم الطبقة المتوسطة كما وليس كيفا، بزيادة الأبنية التعليمية المدرسية والجامعية، ورفع أعداد الملتحقين بها مع عدم القضاء علي الأمية، وإستمرار مقررات الحفظ والإنغلاق الفكري، والغش الجماعي، والدروس الخصوصية التي أصبحت وباء مصري خالص، والتعليم الديني الغارق في القدم وعفن كتب التراث، وزيادة أنواع التعليم الخاص والإستثماري دون رقابة وجودة حتي أصبح في أغلبة لا يعطي المرجو منه والمتوقع.
وما معني أن يلتحق بالجامعات كل هذه الإعداد، وأن المؤهل الثانوي العام شهادة غير ذات قيمة وغير منتهية؟!..
وعن وزارة الثقافة فكل ما نراه من قصور الثقافة والبيوت الفنية التابعة لها تعمل بأقل كفاءة وهدر مادي ومعنوي، وبطأ شديد وإنفصال عن الزمن، وأخيرا بدل أن ننتبه للواقع الثقافي ونسرع من خطواته لدعم الدولة المدنية جاء من يهدمه ويقضي عليه نهائيا إرضاء للأزهر والسلفية بوزير أزهري بميول إخوانية بوزارة الثقافة، ووزير تعليم لا يريد أن يواجه كارثة صفر طالبة الثانوية العامة والآن يدخل في ديلمة مع المشايخ حول حجاب الأطفال في المدارس يمنع أو لا يمنع، والسبسي في تونس منع الحجاب في المدارس بفضل تعليم أفضل منذ حكم الحبيب بورقيبة.
نعم الثقافة والتعليم أمن قومي. وإلا سيحكم ما هو أسوأ، فدون أن يشارك مجتمعيا وسياسيا ويعي ويعرف المواطن والفرد حقوقه ووجباته لتحقق الدولة المدنية بتدرج وتراكم، سيوجه ويكون لعبة في يد حُكم -ديكتاتوري أو معارضة -دينية -مذهبية -فاسدة -إرهابية أو إعلام خاص وفنون مفروضة عليه تسويقيا وإعلانيا، وحياة فارغة عقليا ووجدانيا بتفاهات إستهلاكية و تدين شكلي فلا يمكن من كل ذلك أن نجد تنوع وتعقل ومنطق وتجدد وتطور وإنتاج وتميز وإبداع، وبالتالي فالتنمية الحقيقية مستحيلة مع خلو الخطط عن مواكبة التعليم والثقافة لأخر ما وصل إليه العالم المتقدم. فحتي إحتياجات سوق العمل سقطت من الحسبان.
فلعلنا لازلنا نعيش في الأمن القومي العسكري ولا وجود للأمن القومي بمفهومه الشامل التنموي الحديث.
فلا ننتظر في مصر كفاءة سياسية ولا إقتصادية، ولكن سيظل الواقع ملئ بالفساد والصراعات العنيفة لا التنافس العملي والعلمي في الحياة المدنية، ولعلنا لن نستطيع الخروج من الدائرة المفرغة التي كتب عنها، وحذر منها المفكر فرج فودة وأحيلكم إلي كتابته:
"هنا تبدأ الدائرة المفرغة فى دورتها المفزعة. ففى غياب المعارضة المدنية، سوف يؤدى الحكم العسكري إلى السلطة الدينية. ولن ينتزع السلطة الدينية من مواقعها إلا الإنقلاب العسكري، الذى يُسلم الأمور بدوره، بعد زمن يطول أو يقصر، إلى سلطة دينية جديدة. وهكذا. وأحياناً يختصر البعض الطريق فيضعون العمامة فوق الزي العسكري، كما حدث ويحدث فى السودان.

الخروج من هذه الدائرة المفرغة، ضرورة..
والتواصل مع الشرعية الدستورية، مسألة حياة أو موت..
والشرعية الدستورية لا تتسع لهذا أو لذاك. فكلاهما خطر عليها، ومدمر لها، والذى يُفضل أحد البديلين على الآخر، يستجير من الرمضاء بالنار."
د. فرج فودة - حديث عن آفاق المستقبل
من كتاب "حتى لا يكون كلاماً فى الهواء"
1973



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن