والقلب يعشق سراً .. ( الجزء الخامس )

فاتن واصل
fatenwassel@gmail.com

2015 / 8 / 20

نديم أخ غير شقيق لشيرين المغربي. توفيت والدته الطبيبة الشابة بعد صراع مع مرض غامض، وهو في الثالثة عشرة من عمره، وبعد سنتين وكان نديم في بدايات المرحلة الثانوية، تزوج والده من سيدة سويدية وأنجب منها ابنته شيرين.

عندما لم يكن في مصر عام 1975 معامل لتصنيع المواسير من اللدائن، كان رجل الأعمال السيد توفيق المغربي والد نديم، أول من فتح هذه المصانع وطوّرها ، وكان من كبار المصدرين للدول العربية ودول شرق أوروبا، ولأنها تصنف من المصنوعات الملوِثة للبيئة، فكان الجميع يفضل استيرادها عن تصنيعها، وكان دائماً يحلم بأن يقوم نديم بعد تخرجه من كلية العلوم، بتطوير صناعة المواسير البلاستيكية، بحيث تصبح صناعة صديقة للبيئة، خاصة وأن نديم هو المالك والوريث الأساسي لهذه المصانع، والمفترض أن يرعى أموال والده ويديرها.

لكن هذا لم يكن حلم نديم على الإطلاق،الذي عمّر في عقله مصنعاً للخيال، يولد الأفكار الفنية ويعيش في دنياه الخاصة.. فنان بالفطرة، يحمل بين جنبات صدره قلبَ طفلٍ عطوفاً محباً يبكي لألم الغير، هادئ لدرجة يمكن أن يراه البعض انطوائياً، يفضّل العزلة، رغم أنه محبوب من ذويه وأصدقائه، وكذلك من العمال في مصنع والده لتعامله معهم بتواضع وبمنتهى الأدب والرفق والرقة، يجالسهم على الأرض لمشاركتهم الطعام من فول وبصل أخضر في صحن مصنوع من الألومنيوم، وهو يتجاذب معهم الحديث والطرائف.

وإن كان قد ورث عن أمه هذه الطباع الدمثة، فإنها لم تكن تروق لأبيه، فيحتدم الشجار بينهما لوقت قد يطول أحياناً إلى ساعات:

- إيه الطريقة المايعة اللى بتعامل بيها العمال دي ؟ العمال عاوزين الشدة فى التعامل وإلا مش حتاخد منهم حاجة، وهم على كل حال عندهم ميل للبلطجة والكسل.

فكان نديم يرد بهدوء:

- انا بختلف مع حضرتك يا بابا فى الموضوع ده، أنا شايف ان الناس لازم تحبك وتحترمك وتخاف منك، والخوف هنا مش المقصود بيه الخوف من شخصك، لكن الخوف من حسمك يعني خوف على أكل عيشهم.



فينفعل الأب وتعبيرات السخرية على وجهه :

- إيه الفلسفة دي كلها !! أنا اللى أقول إيه الصح وإيه الغلط وإذا كنت ناوي تدلعهم يبقى إزاي هتشغـّـلهُم فى المستقبل؟ انت ناسي إنك انت اللى هتشغل المصانع دي بعد ما تتخرج من كليتك ؟ ولازم تعمل لنفسك شخصية من دلوقتي.

فيتردد نديم قليلاً قبل أن يرد:

- ما حدش عارف لما أتخرج هيحصل إيه، بعد إذن حضرتك عندي مذاكرة.

ثم يغادر الغرفة متحججاً بالمذاكرة، وهو يعلم أنه لن يصل مع أبيه إلى وجهة نظر مشتركة أو متقاربة، تاركاً والده بين الشك والقلق، مـُشـَيِّعاً ابنه بعبارات الحسرة، نادباً حظه على طباعه اللينة التي لن تعينه على قيادة هذا الصرح الصناعي العملاق في المستقبل.

***

كنا نقضي في بيت نديم - المرصع بالكريستال والمنتظم كدقات الساعة - أوقاتاً طويلة، في الإجازات، أو للمذاكرة استعداداً لامتحان، أو للعمل كفريق لتسليم أحد أبحاث الكلية، نجلس في غرفته الأنيقة التي كانت تشبه جناحاً في فندق، فيها سرير ضخم ومكتب ودولاب كبير بعرض الحائط ومقاعد مريحة وأريكة، ثلاجة صغيرة وحمام منفصل، ملحق بالغرفة غرفة أخرى كان نديم يسميها " الصومعة "، أرضيتها من الموكيت الذي يشبه الفرو، زيتوني اللون تحتوي على مقعد واحد وثير ضخم مكسو بالمخمل النبيذي اللون، يعلوه مصباح يمكن سحبه إلى أسفل، تكتظ الحوائط بالرفوف التي تصل إلى سقف الغرفة تحمل مئات الكتب. فى أحد الأركان جيتارات من مختلف الأنواع، إسباني تقليدي وآخر كهربائي، وكرسي مثل كراسي البار عالٍ بقاعدة جلدية مستديرة، أجهزة للبث الموسيقي وميكروفونات. ساعات طوال يقضيها نديم بهذه الغرفة تصل في بعض الأحيان ليوم كامل.

على جدار، لوحة زيتية ضخمة رسمها جده لسيدة شابة هي والدة نديم، ترتدي تاييراً كلاسيكياً، شعرها قصير مصفف على طريقة الستينيات، تقف بجوار بيانو وتستند بيدها على سطحه . يظهر أيضاً فى الصورة طفل يجلس على الأرض، يلعب بشيء ما بيده ويرتدي قميصاً أبيض وشورت أسود، هو نديم.

أخذ نديم هذه اللوحة من بيت جده بعد وفاة والدته وعلقها في غرفته. كنت أعرف كم هو متعلق بها بشدة، وانطوى على ذاته حين ماتت لدرجة أقلقت الجميع، لكنه بعد فترة تعافى وتقبل الأمر بفضل جده الذي كان يصرّ على أن يقضي نديم إجازاته الصيفية بفيلته، فيوفر له كل ما يمكن أن يسعده ويدخل البهجة إلى قلبه.

كان يخصص الوقت لشيرين، التي كانت تأتي بعرائسها لتلعب بها في غرفته، وتنصت لعزفه بصمت، وحين ينتهي من تدريباته على الجيتار أو من القراءة، يناديها ويبدآن باللعب معاً والقفز والصراخ والضرب بالوسائد.

الفوضى التي كنا نخلّفها نحن الأصدقاء، وأصوات نقاشاتنا المرتفعة، كانت تأتي على إثرها السيدة الأجنبية زوجة أبيه، فتلقي علينا السلام بوِّد، وتوجه كلمات مقتضبة باللغة الإنجليزية لنديم، ترجوه بأدب أن يطلب منا أن نخفض أصواتنا، ثم تستدير نحونا وبابتسامة هادئة تخبرنا أن طعام الغداء جاهز.

فنصيح بأعلى صوت:

- هيييييييه.

تتقافز شيرين بيننا كفراشة، عيناها زرقاوان صافيتان، بشرتها بيضاء وشعرها الأصفر ناعم حريري كشعر أمها، معقوص على هيئة ذيل الحصان، نحيفة دقيقة الجسم ، تتشبث بساق نديم الذي كان يقبِّلها ثم يرفعها إلى كتفه كما لو كانت دمية خفيفة الوزن.

كنا نحبها وندللها ونأتي إليها باللعب والحلويات، ونحتفل بعيد ميلادها الذي كانت العائلة تقيم من أجله احتفالاً ضخماً كل عام بحديقة منزلهم ، يُدعَى إليه كبار شخصيات المجتمع، من أصدقاء الوالد وصديقات الوالدة من السويديات اللاتي يعمل أزواجهن في مصر، كرجال أعمال أو ديبلوماسيين.. فيتحول الحفل إلى مهرجان للمأكولات وآخر صيحات الموضة.



تخرجنا جميعاً من كلية العلوم، وحصلنا على تقديرات متنوعة، بين متوسط مثل نديم الذي كان يكره الدراسة، ومرتفع مثل عصام وأنا، وتم تعييننا بأكاديمية البحث العلمي، وبدأنا حياتنا العملية.

***

كان نديم يراسل جامعات ومعاهد لتدريس فن الإخراج في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا طوال فترة الدراسة فى كلية العلوم أخيراً تلقى رداً، فبدأ على الفور التجهيز للسفر، غاضّاً النظر عن رأي والده أو عما سيكون رد فعله، إذ قرر أن يصارحه بعدم رغبته في العمل بالمصانع، والسفر الذي ينوي أن يقوم به، لكي يبدأ الدراسة التي تمناها طوال حياته.



حين ينوي هذا الانسان على شيء لم يكن ليوقفه أي عائق مهما كان. عنيد بلا حدود لدرجة كنت أظن أنه قد يؤذي نفسه. على أي الأحوال، لم يكن ذاك الشخص المعتاد على الكذب أو على الخداع، فكان دوماً موضع ثقة الجميع، صريحاً أميناً في كل آرائه وأفعاله.

كان من الممكن أن يقبل السيد توفيق فكرة أن يسافر ابنه للترفيه، ولكن لا يمكن أن يقبل فكرة أن يتخلى نديم عن المصنع . ونديم كان يعرف ذلك جيداً ، فحاولنا إقناعه بأن يخفي عن والده الهدف من وراء سفره، لكنه رفض وقرر أن يتحين الفرصة، لكي يفاتح والده فى الموضوع مباشرة ودون مواربة، وبعد تفكير وتردد طويل في أنسب سيناريو لا يؤدي إلى الدخول في مشادات عصبية .. استقر على الذي لا مفرّ منه : الصدام !

انتهز نديم عصر أحد الأيام، كان والده يجلس مسترخياً بملابس منزلية مريحة في التراس، يحتسي قهوته ويدخن السيجار، وتجلس بجواره مدام " آن " زوجته، ترتدي بنطلوناً قصيراً أبيض اللون وبلوزة صيفية مشجرة وحذاءً خفيفاً رياضياً، يتبادلات الحديث ويضحكان، فدار حوار بين نديم ووالده بدأ هادئاً، سرعان ما تحول إلى جدالٍ عاصفٍ، انسحبت السيدة آن إلى الداخل عند احتدامه، فقد كانت لا تفضل التدخل بين زوجها وابنه، ذهبت معها ابنتها مستسلمة تنظر لأخيها بتعاطف.

وضع نديم شهادته على المنضدة أمام أبيه الذي مدّ يده بدوره فقرأها وتهلل وجهه فرحاً وقال:

- ألف مبروك يا حبيبي، أظن بقى آن الأوان.

فتلعثم نديم وتردد قليلاً قبل أن يفجر قنبلته ثم قال :

- أظن كده أكون عملت اللى عليا، بس عندي مسألة عاوز أكلم حضرتك فيها.

فرد السيد توفيق مبتهجاً:

- كل اللى انت عاوزه يا حبيبي، أنا عند كلمتي في أي شيء تطلبه.

نظر نديم نحو الشجر الذي يملأ الحديقة وكأنه أطلق روحه في مكان غامض بعيد، قالوقد ارتسمت على وجهه ملامح جادة، وأصدر الشجر حفيفاً مع مرور نسمة هواء رقيقة، كأنما هو إنذار للعاصفة القادمة :

- الأمر غير اللى حضرتك فاهمه أنا ما عنديش طلبات، أنا عاوز أتحرر من وعدي لك فى موضوع العمل فى المصنع، أنا نفذت كلامك ودخلت كلية ما بحبهاش لأنك رفضت أني أدخل معهد السينما بأكاديمية الفنون، والنهاردة حصلت على الشهادة وسلمتها لحضرتك وحصلت على تقدير كمان، لكن بالنسبة للمصنع .. وصمت لبرهة قصيرة متردداً ثم أكمل.. فأنا آسف، أرجو انك تلاقي له الأنسب وأظن أن شبان كتير يتمنوا يشتغلوا فيه وأنا ممكن أرشح لحضرتك بعض الأسماء.

سيطر الذهول على وجه الأب، ثم بدأ الغضب يكسو وجهه تدريجياً ويزداد احمراراً، مع متابعة نديم كلامه بثبات وإصرار، ونظرة تصميم في عينيه تفيد أن لا تراجع عن هدفه، ثم تابع يقول:

- ده كان الطريق اللى حضرتك رسمته ، النهاردة أبدأ رحلتي أنا فى الطريق اللي أخترته أنا، بس ياريت ما أكونش إتأخرت.

مع نهاية كلمات نديم، هب توفيق بك من مقعده واقفا وصرخ:

- إنت أكيد مجنون..!! وفلوسك ومصنعك وأملاكك دي مين يديرها ؟

رد نديم بشكل قاطع ونهض بدوره واقفاً لينهي الجدال:

- البركة في حضرتك .. آسف يا بابا، كنت أتمنى أكون عند حسن ظنك.. لكن لو عملت كده وطاوعتك هاموت.

واستدار خارجاً دون أن يُبقي لأبيه فرصة للرد، أو لنفسه فرصة للتراجع.

هرب نديم لأنه يعلم أن أباه سوف يجد بدلاً من السبب ألف سبب ليجبره على ما لا يريد، وسيضطر أن ينصاع ويترك حلمه الذي أصبح كالهاجس.

تنازل طويلاً عن حلمه احتراماً لرغبة والده، والآن قد دقت ساعة الصفر معلنة ميلاد هذا الحلم.




عاد نديم بعد سفر دام عامين بالولايات المتحدة الأمريكية، وذلك قبيل خلاف كبير دبّ بين والده وزوجته الأوروبية، أصرّت بعده أن تعود لبلادها مصطحبة ابنتها التي كانت قد بلغت التاسعة من عمرها في ذاك الوقت، لكن السيد توفيق رفض واضطرت إلى العودة بمفردها إلى وطنها. قاومتْ كثيراً، صرخت، هدّدت، ولكن دون فائدة أمام عناده الكبير. وظل هكذا حتى فيما بعد حين كانت شيرين تطلب منه السماح لها بزيارة أمها، يرفض خوفاً من ألا تتركها تعود مرة أخرى، وأيضاً إمعاناً في إذلالها وتعذيبها. فقد كان زواجهما بعد قصة حب، وقد عانى بشدة بعد تركها له، فانعزل تماماً عن حياته الاجتماعية الصاخبة كما ابتعد عن مجتمع الأصدقاء الذين كانوا يشاركونهما معظم أنشطتهما الحياتية.

شعرت شيرين في ذاك الوقت بخوف شديد بسبب فقدان أمها، وتملّكها إحساس بظلم كبير وقع عليها بقرار أبيها المتعنّت في حقها وحق أمها، وملأ الغضب عقلها، إذ أن والدها لم يستشرها حتى قبل أن يقرر مصيرها بالبقاء معه.. صارت عصبية المزاج تصرخ لأقل سبب، تعاند أبيها وتتجنبه.

أية حالة نفسية مزرية وصلت إليها، حتى أنها كانت ترى في كوابيسها أنها استقلت الطائرة من حديقة المنزل وطارت لتلحق بأمها، أو ترى أباها ميتاً ميتة بشعة؟ وقد تجرأ حلمها مرة وحوّلها إلى وحش تخرج من فمه نيران تحرق أبيها وتقتله!

أشفق نديم على طفولتها التي تتحمل أكثر مما يطيقه عمرها الغض. فقد وقعت فريسة لصراع لم يكن لها أي ذنب فيه، ساهم فيه عناد الأب وعدم استجابته لمحاولات الضغط عليه، وحُرمت من أمها وهي ما زالت تحتاج إليها، فأصبح بالنسبة لها بمثابة الأب مع محاولته تعويضها عن والدها الذي تباعدت عنه لعزوفه المتواصل عن التواجد في البيت واستغراقه الطويل في عمله، وترك رعاية ابنته للست نبوية التي كانت تعمل في بيتهم منذ حياته مع زوجته الأولى والدة نديم . وكانت هذه من أشد الفترات التي تقارب فيها الأخ وأخته، ورسمت ملامح علاقتهما فيما بعد.

استسلمت شيرين للأمر الواقع غالباً بشكل ظاهري، لكن شعوراً داخلياً بالذنب تجاه أمها كاد أن يمزقها، أنها لم تثُرْ وتغضب وتحتجج وتتمسك بها أو تلجأ لأصدقاء والدها !! وتملّكها شعور بالندم لأنها لم تدرك ذلك إلا بعد رحيل أمها، وظل السؤال يراودها، لماذا خافت وجبنت ولم تدرك أن هذا حقها الذي كان يجب أن تثور من أجله في الوقت المناسب ؟



لم يكن لديها أصدقاء كثيرون. الرسم والموسيقى كانا كل حياتها، تقضي الساعات في التلوين ورسم اللوحات بالإضافة إلى دروس البيانو، رفيقها أثناء الإجازات الصيفية، وحتى في أيام الدراسة، وظلت منطوية وحيدة، ولم يتفهم تلك الحالة سوى نديم. وكان قد تحدث إليّ في هذا الموضوع وعبر عن قلقه الشديد عليها أنها تقضي في غرفتها ساعات إما في تأمل السقف أو الرسم .

وكان رد فعلي:

- طفلة صغيرة يا نديم ومازالت في حاجة لرعاية أمها.

فيرد متحسراً:

- أمها بتتصل بيها تقريبا كل يوم ويفضلوا يعيطوا هما الاثنين ، حالها يصعب عالكافر ، وبابا مافيش فايدة كلمته كتير مش بيوافق، وعنده إحساس إنها هتخطفها، بفكر آخدها معايا الصيف اللى جاي وأخليها تزور امها.

فقلت بلا تردد:

- والله تبقى عملت طيب، بس حاول تقول له عشان لو اكتشف إنك عملت كده من غير ما يعرف يمكن يفقد ثقته فيك وإحنا بنداديه ( نسايسه ) .

فهز رأسه مؤمناً على قولي.



حاول نديم أن يقنع والده بالتقرّب من شيرين بالهدايا والتدليل وتلبية رغباتها ، ففعل، ولكنها كانت كلما تحدثتْ معه عن أمها، أظهر العصبية وردود الفعل الجافة ورفض الاسترسال في الحديث، فتستسلم ظاهرياً وداخلها يختزن غضباً شديداً نحوه، ولم تسامحه أبداً على حرمانها من أمها.

أصبح نديم الأب البديل الذي يحيطها بالحماية والأمان فلم تعد تفارقه أبداً، فيصطحبها فى سفراته أو للقاء الرفاق، يبتسم لها بمحبة وبحنان صادق مشجعاً أن تغني في حضور أصدقائه أو الأقارب، فتغمرها السعادة وهم يصفقون لها. تفرّغ لها تماماً مهما كان عمله.

كان مهتماً ببناء شخصيتها، يناقشها ويقرأ لها ويثني على طريقتها فى الرسم، وأسند إليها بعض المهام داخل المقهى حتى تكتسب مهارات وثقة بنفسها، وهي لم تتعد الثانية عشرة من عمرها، كانت تتبعه كظله، تتعلم منه وتمتص كل شيء كقطعة الإسفنج كما لو كانت تمتص رحيق حياته ذاتها، لكنه كان سعيداً فرحاً بها وكأنها نبتته التي زرعها.

ظل سؤال يلحّ دوماً على ذهني .. لماذا يسرق إنسان حياة إنسان آخر حتى لو بذريعة الحب..!؟ أم هي أدوار فى الحياة يقتسمها الناس برضى فيما بينهم، البعض يسعد بدوره والبعض الآخر يعيش تعساً دون إرادة حقيقية للتغيير!!؟.



***

كان وصول عمرها إلى سن المراهقة في الرابعة عشرة إيذاناً بتغير حالها تماماً. أصبحت كسولة تنام طويلاً، متمردة ودائمة الشجار مع والدها كطبيعة هذه السن، وتغير أيضاً حال والدها، فأصبح يفعل أي شيء لإرضاء غضبها وسخطها الدائم .. ، ثم بدأت تنغمس أكثر في عالم أصدقائها وتدعوهم للمنزل، وهو الأمر الذي لم يكن يحدث من قبل . مجموعة من الفتيات والفتيان الجامحين في مثل عمرها، أصدقاء الدراسة أو النادي، يقضون الوقت معها في غرفتها، يضحكون ويتسامرون ويستمعون للموسيقى الصاخبة، يشاهدون أفلام الفيديو، ويتناولون المشروبات والأطعمة التي تعدها لهم دادا نبوية.

كانت دادا نبوية في ذاك الوقت ومن بعد سفر السيدة آن والدة شيرين، تحضر إلى عملها في السابعة صباحاً ولا تنصرف إلا في المساء، بعد أن تتأكد أنها انتهت من كل متطلبات توفيق بك وشيرين، ونديم إذا كان موجوداً في المنزل وليس مسافراً.

كانت تحنو على شيرين وتدللها، في محاولة لتعويضها عن فقدان أمها الذي كانت الست نبوية ترى أنه لا يُعَوَّض بشيء، لكن في نفس الوقت كانت تشعر بالمسؤولية تجاهها، خاصة مع الغياب المستمر لتوفيق بك وسفر نديم وعدم تواجده قريباً منها في أوقات كثيرة. وكأي أم شرقية تقليدية، تعتقد أن الفتاة في هذه السن بالذات يجب أن تـُرَاقـَب وألا تـُترَك على هواها، وهكذا حرصت على أن تقوم بهذا الدور البديل، فكانت تراقب شيرين عن كثب حتى تتدخل في الوقت المناسب.

مسكينة هذه الفتاة .. فراق والديها رماها في هاوية مخيفة !



أمور كانت تحدث وسلوكيات غريبة تصدر منها لا تفهمها دادا نبوية. الفارق الاجتماعي والحضاري، المرحلة العمرية، وأغلب محادثاتها التليفونية وحوارها مع أصدقائها باللغة الإنجليزية، كل هذا كان عائقاً، فلم تكن دادا نبوية تفهم ما الذي يدور أو يتم الاتفاق عليه بين شيرين والأصدقاء. ولكن ما كان يصل إلى أسماعها وتفهمه، يدير رأسها ويدهشها. ترى.. لمن تلجأ بالسؤال دون أن تـُعتـبَر أنها تـُفشي أسراراً عائلية ؟ صحيح أنها حضرت طفولة نديم وهو يعتبرها فرداً من العائلة، لكنها خجلت أو خشيت أن تتحدث إليه بشؤون حساسة تخص أخته، وتصنَّف برأيها كأسرار خطيرة. كذلك، كانت شيرين تتصرّف بشكل عادي في وجودها، بثقة وبلا حرج ولا تخشى مراقبتها، ولم تضطر يوماً أن تنبهها إلى أن ما رأته أو سمعته هو أمر شخصي ولا تريد أن يعرف به أحد، ربما لأنها تعتبر الست نبوية جزءاً من أثاثات البيت، موجودة ولا يـُنـتــَظـَر منها أي دور في الأحداث. فضلت دادا نبوية أن تبقى شيرين مطمئنة لها حتى تستطيع إبقاء عينها عليها بشكل طبيعي فلا تضطر الفتاة إلى إبعادها.

حتى كان ذلك الحادث..



عندما دعت شيرين في مساء أحد الأيام عدداً كبيراً من أصدقائها، لتناول الغداء في المنزل حول حمام السباحة بحديقة البيت، حيث قضوا اليوم يمرحون ويصخبون حول الحمام، ويتناولون المشويات. وقفت الست نبوية طوال هذا اليوم مع الأسطى رمضان الطباخ لإعداد الأطعمة والمشروبات.

كان الصمت قد ساد بعد انصراف الأصدقاء، وانتهت الست نبوية من عملها في تنظيف المطبخ، وإعداد اللفافات من الأطعمة المتبقية . ارتدت ملابسها واتجهت نحو غرفة شيرين على أطراف أصابعها خشية إيقاظها، وحين اقتربت من الباب سمعت همساً وكأن هناك مشادة، ولكن أطرافها يحاولون خفض أصواتهم قدر الإمكان حتى لا يسمع مَنْ في البيت.

- إضرب .. بقولك إضرب ، جامد .. لا جامد أكثر.. يا أهبل يا خيخة.

- مش قادر مش قادر.

- يوووه هاعضك .. بقولك إضربني.

- لأ .. إياكِ تعملي كده

- طب إضربني .. لأ جامد .. بالقلم على وشي.

- لا لا مش ممكن.

- طب خلاص .. قوم ياللا .. غور من هنا في ستين داهية وما تجيش تاني.

تراجعت الست نبوية إلى الخلف عندما شعرت بحركة، وكأن وقع خطوات تقترب من الباب ببطء، واختبأت ، فإذا به أحد زملاء شيرين لم ينصرف مع البقية، خرج وهو يحاول ترتيب ملابسه ويمشط شعره الكثيف بأصابعه.

دخلت الست نبوية غرفة شيرين بحذر فلم تجدها. انتابها هاجس مقلق، نادت عليها فلم تسمع رداً، وما هي إلا ثوان حتى جاءها صوت حركة من جهة الحمام الموجود بالغرفة، اقتربت من الباب، فسمعت صوتاً كلسعات السياط وصوت تأوهات شيرين، تسمرت قدما الست نبوية في الأرض رعباً، وهي تتصوّر أن هناك من يضربها في الحمام، فطرقت الباب بهلع ونادت فزعة:

- شيرين ؟؟

فجاء صوتها من الداخل في محاولة لإضفاء نبرة طبيعية عليه:

- إيه يا دادا ؟ إنتي لسة هنا ؟ أنا فاكراكي روَّحتي .. في حاجة؟

لم تعرف الست نبوية بماذا تجيب.. فقالت:

- مش عاوزة حاجة قبل ما أروَّح ؟

- لا ميرسي يا دادا.. مع السلامة إنتِ.

خرجت الست نبوية في هذا اليوم ذاهلة لا تفهم معنى ما جرى !

لكنها لم تكن المرة الأخيرة التي تسمع فيها تلك الأصوات!!

ففي إحدى المرات طلبت منها شيرين أثناء تواجدها في الحمام، أن تعطيها علبة كريم تضعها دوماً على الكومودينو بجوار الفراش، فناولتها إياها ووقفت لبرهة، لتسمع صوت لسعات يعقبها تأوهات ألم ، فتملك الذعر الست نبوية ظناً منها أن هناك أحداً مع شيرين في الحمام يضربها ضرباً مبرحاً، فطرقت باب الحمام بهلع قائلة :

- مالك يا بنتي ؟ في حاجة ؟ انتي تعبانة؟

ردت شيرين بعصبية :

- يوووه مافيش حاجة هيكون في ايه !! بستحمي، روحي إنتِ شوفي شغلك.

خرجت الست نبوية وهي تضرب كفاً بكف غير مصدقة ما تسمعه. وفي هذا اليوم نامت شيرين لفترة طويلة. وحين استيقظت في المساء، اتجهت إلى المطبخ لتشرب بعض العصير وهي ترتدي قميصاً قصيراً للنوم ، معتمدة على ضوء خافت متسرب من أباجورة في الردهة.. كانت الست نبوية جالسة على منضدة في ركن بالمطبخ تحتسي الشاي دون أن تضيء مصباح النور.. دخلت شيرين متجهة نحو الثلاجة، وحين فتحت بابها سقط ضوؤها على جسدها، فرأت الست نبوية آثار علامات حمراء على ساقيها، وتورماً خفيفاً وكأنها لسعات سياط حقيقية.. وما أن همَّت بالنهوض مصدِرة صوتاً منذِراً بوجودها ، كانت شيرين قد استدارت ورأتها، ففزعت، وسقطت زجاجة العصير من يدها وتناثرت محتوياتها على الأرض.. فصرخت شيرين بعصبية:

- إيه ده مش تقولي إنك هنا؟

- آسفة يا حبيبتي فاكراكي شايفاني لما دخلتي المطبخ.

- طب إتفضلي بقى لمِّي الإزاز المتكسر ده.

في هذه الليلة لاحظت شيرين أن دادا نبوية تتأملها باستغراب، وأدركت انها رأت العلامات على جسدها، فخرجت مسرعة متجهة نحو غرفتها، وارتدت بنطلوناً منزلياً وبلوزة قطنية بأكمام طويلة.

أصبحت شيرين تتصرف بحذر في وجود الست نبوية، بعد أن كانت تحذر والدها وأخاها، وباتت تتعامل معها على أنها امرأة حشرية، تدس أنفها في حياتها الشخصية وعليها أن تتجنبها.

وبدأت تتحول إلى الغموض والانزواء .





كان الجميع يعتقد أن نديم يحبني، وأن علاقتنا سوف تنتهي حتماً بالزواج لمجرد أننا نُشاهَد كثيرا سوياً وبيننا تفاهم صامت . أما الزميلات اللاتي كن يهتممن به ومعجبات بشخصيته كفنان، وبدماثة خلقه أو طمعاً في مستواه المادي المرتفع، فلم أكن أجد إجابة على تساؤلاتهن، ولم أستطع أبداً تفسير التقارب الكبير بيننا، ولم أسْع يوماً إلى تسميته أو إيجاد وصف له أو عنوان.

في أحد الأيام سألني عصام:

- سلوى عاوز أسألك سؤال بس تجاوبيني بصراحة.

فقلت بلا تردد:

- إتفضل يا عصام وهو انت محتاج إذن علشان تسأل!! وبعدين أنا من إمتى مش صريحة؟

فبادرني بسؤاله والذي لم يكن مفاجأة لي على الإطلاق، فحتى عصام صديقنا المقرب كان يرى أننا نشكل زوجاً مثالياً وعلاقتنا متوازنة للغاية.

- إنتي بتحبي نديم ؟

فأجبته رغم إرتباكي ومحاولتي أن أظهر بصورة موضوعية:

- طبعا، نديم ده أقرب إنسان إلى نفسي.

رد عصام بسخرية مَنْ كشف محاولاتي للتخابث:

- إنتي بتستعبطي عليّا؟ كل الناس شايفة ده إلا إنتم ؟

أجبته لكن بنبرة جادة:

- شوف يا عصام أنا لا اتصور حياتي بدون نديم لكن كمان ما أقدرش أسمي علاقتنا حب.

كنت صادقة فيما أقول ، أتذكر أني ظللت مكتئبة بعد هذا الحوار يومين، لكن من عادتي ألا أترك أمراً يؤرقني، فتصالحت مع نفسي وأقنعتها بما قلته لعصام.

***

كان نديم يعتمد عليَّ في أمور كثيرة ومنها ما يخص شيرين وبالذات في أوقات سفره . كان من الممكن أن تتصل به باكية إثر مشادة وقعت بينها وبين أبيها، فأفاجأ بنديم يحدثني منفعلاً في مكالمة تليفونية دولية، ويرجوني ألا أتركها . كنت أذهب إليها لنتحدث سوياً وأهدئ من روعها، أنصت لها بصبر، متفهمة شعورها بالوحدة وأحاول أن أقرب المسافة بينها وبين والدها، مهما استغرق هذا من وقت أو مجهود، فلم أكن أنا أيضاً أريدها ان تشعر بفراغ فى غياب نديم.

أحياناً كنت أقوم باصطحابها إلى دروس البيانو بدلاً من السائق، أو لتزور إحدى صديقاتها، أو إلى السينما، فتُتاح لنا فرصة لنتحدث طوال الطريق، أو حتى استضافتها ببيتي لنقضي اليوم معاً، حيث كانت أمي تحتفي بزيارتها، وتحاول بشتى الطرق العمل على إسعادها، ذلك أنها كانت تبادل نديم المحبة والاحترام وتعتز به كابن لها، فترى أن شيرين جزء منه . وفي كل عودة لنديم من سفر أو رحلة لا بد وأن يهديها شيئاَ اشتراه لها من البلد الذي قدم منه ، فكانت تفرح بشدة وتحتضنه وتقبله شاكرةً.. ساعد كل هذا على توطيد العلاقة بيني وبين شيرين التي وجدت فيها تعويضاً عاطفياً عن غياب أمها.

حين كانت صغيرة ولم تتعد العاشرة بعد، قالت لي مرة بعد قضاء يوم معي أنا وأمي:

- أنا بحب بيتكم أوي وعاوزة.. عاوزة أعيش هنا على طول.

فأطمئنها وأنا أستشعر افتقادها لدفء الأسرة:

- أهلا وسهلا تنورينا، وتبقي أختي انا كمان.. تنامي في السرير جنبي، وأحكي لك قصة.

فكانت تكمل تخيلاتها قائلة:

- وطنط عفاف مامتك تبقى مامتي أنا كمان.

كنت أجدها فتاة ذكية مرحة وجميلة، تتسم شخصيتها ببعض الأنانية، لكنها طيبة، تشبه والدتها في كثير من الأمور، منظمة، تهتم بنظافة وأناقة أشيائها لدرجة الوسواس، لكن بعد سفر أمها ارتبكت حياتها بعض الشيء، واعتمدت أكثر على الست نبوية، التي كانت تحاول أن تبقي النظام الذي وضعته السيدة آن والدة شيرين كما كان.



أصبح السيد توفيق عصبي المزاج، عبوس الوجه، متباعداً عن أبنائه، دائم الانشغال ولا يتحدث إلا قليلاً ، يجلس صامتاً إلى مائدة الطعام، فإذا انتهى اتجه مباشرة نحو غرفته يقضي فيها بعض الوقت، ثم يتأنق ويخرج لإحدى سهراته. كانت شيرين تحاول أحياناً مناوشته بمزاحها، فيتقبّلها لكن عصبيته الزائدة كانت تخيفها وساهمت في ابتعادها عنه .

أما نديم الذي لم يتزوج، وتفرغ لعمله الذي كان يحتل أغلب وقته فكان جفاف المعاملة هو السمة الغالبة، وخاصة بعد أن أصر على المضي فى الطريق الذي اختاره لنفسه على عكس رغبة والده، مما ألقى بالمسؤولية على نديم تجاه أخته التي كان يتعامل معها وكأنها جوهرة، يكتئب ويحزن لو مرضت ويتناوب السهر عليها مع دادا نبوية بإخلاص .

تقضي الست نبوية ليلتها ساهرة بجوار شيرين، لتضع لها الكمادات وترد على تليفونات نديم المتتابعة، إلى أن يعود ويدخل غرفة أخته متلهفاً ليطمئن أن حالتها مستقرة.

أحياناً كان يجلس بجوارها طوال الليل، لا يغمض له جفن حتى تنخفض حرارتها، يعتذر عن حفلات ولقاءات فنية حتى لا يتركها وحدها، يحرص على أن تتناول فطورها أمام عينيه في الصباح قبل الذهاب للمدرسة، يصلح من هندامها ثم يقف ملوّحاً لها من الشرفة.

كنت ألومه على هذه الطريقة وهذا الالتصاق، وفي الحقيقة كان لدي إحساس أن هذا الارتباط ، سيتحول بمرور الوقت إلى قيد يكبل حرية شيرين، وبالتأكيد سترغب في التحرر منه، وهو الشيء الذي توقعت أن يكون صادماً لنديم إذا حدث.

أقصى ما يخشاه نديم هو إحساس الفقد، هذا الوحش المرعب، الذي أول ما عاناه كان بوفاة أمه، التي لم يصارحه أحد أبداً بحقيقة مرضها الخطير، فعاش على أمل أن تتحسن وفي انتظار شفائها. إلى أن جاء اليوم الذي عاد فيه من المدرسة فوجد جده، هذا الرجل العظيم ذا المكانة الاجتماعية الرفيعة ، جالساً على الأرض يجهش بالبكاء. أسرع نديم إلى الغرفة التي ترقد فيها أمه هلِعاً، وارتمى فوق جسدها الضعيف الذي ظل لبقية حياته يتذكر ملمسه البارد، وناداها:

- ماما أحضنيني يا ماما.. ما تسيبينيش لوحدي.. أنا خايف.

ولم يتلق رداً، حاولوا أن يجذبوه بعيداً عنها لكنه تمسك بها حتى نام،فحملته دادا نبوية إلى فراشه.. ظل راقداً لثلاثة أيام لا يستطيع حتى البكاء، وفشلت كل محاولات والده أو جده لإخراجه من صمته، إلى أن كان مساء، وذهب لغرفة والدته ونام على فراشها وظل يبكي لساعات، فتركوه حتى هدأ بعدها.

تلك المخاوف هي ما دفع نديم للكثير من ردود الأفعال التي لم يكن له عليها سلطان أو إرادة، كثيراً ما شعرت أنه يكنّ لي مشاعر حب حقيقية، أخفاها حتى عن نفسه لخوفه ان يُقابَل بالرفض أو العزوف أو حتى أن أرتبط بشخص آخر فيشعر بالفقد مجدداً ويتألم..

ذلك اليوم أمضته معنا شيرين أنا وأمي، قضينا الوقت في النادي، في السباحة والـلعب والجري. وشعرنا بعد عودتنا للبيت أن اليوم مر جميلاً مبهجاً . وكان من المفترض أن يمر نديم ليصطحبها، لكنه اضطر لسبب ما خارج عن إرادته أن يتأخر.. ولم تعد تستطيع أن تنتظره، وطلبت أن نذهب سوياً للفراش فأقرأ لها قصة حتى يأتي أخوها .

تركتُ أمي تشاهد التليفزيون وذهبت مع شيرين إلى غرفة النوم، واستلقيت بجوارها أقرأ لها رواية كانت أمي تقرؤها لي حين كنت صغيرة، لكن يبدو أن التعب نال مني أنا أيضاً، فاستسلمنا لنوم عميق.. لا أدري كم من الوقت مرّ عندما فتحت عيني فوجدت نديم يجلس على حافة الفراش عند قدميّ، وكنت ممددة ما زلت أرتدي بنطلون الجينز وأنام محتضنة الكتاب بذراعي، والذراع الأخرى تحتضن شيرين، كان جالساً دون أن ينبس بكلمة، في عيونه نظرة لن أنساها ما حييت، يتأمل وجهي بعيون ملؤها الحب، لا أعرف لماذا لم أفزع ! بل على العكس ابتسمت وكأني توقعتُ.. أو ربما تمنّيتُ أن أستيقظ فأجده بجواري.

ظل صامتاً لا يتكلم يتأملني بعيونه الهادئة الجميلة، وكأنه يستعد لرسم لوحة، فيحاول أن يملأ مخيلته بملامح الفتاة النائمة. وحين كلمته كان كمنْ أفاق من حلم:

- مالك يا نديم؟

- لا لا أبدا مرهق شوية، كان يوم طويل.. معلش سهرناكي.

- بالعكس ملت علينا البيت، ولعبت كثير في النادي، وماما كانت سعيدة بيها أوي.



استدرت لأوقظ شيرين التي كانت على ما يبدو نصف نائمة، فنهضتْ بتثاقل ومشت بجواره حتى وصلا للسيارة فلوَّح لي بيده وذهبا.. جلست في الشرفة حتى ظهرت خيوط الفجر وأنا أستعيد وجهه ونظرة عينيه الحنون تتأملني.



اهتم نديم بالسياسة وانعكس ذلك على ما أنتجه من أفلام وثائقية . اهتمامه كان نابعاً من قراءاته المتعمقة ودراساته في كل ما يتعلق بسينما الفقراء، حيث كرس حياته لهم، ودخل إلى عالمهم ودخل في معارك من أجلهم. وكان يتبنّى حملات للنهوض بالأحوال المعيشية لقاطني الأحياء العشوائية، ويقوم بتصوير أفلام تسجيلية توضّح مظاهر البؤس وانعدام الخدمات التي يعانون منها . آمن أنه يستطيع أن يفعل من أجلهم الكثير، فقط بكاميرته التي يحملها على كتفه طوال الوقت.

كان أحياناً يعرج بنا فجأة إلى جانب الطريق ويسحب كاميرته، ثم ينزل من السيارة مسرعاً متجهاً نحو طفل يبيع المناديل عند إشارة مرور، يتحدث إليه ويضاحكه ويصوّره، أو بائعة ذرة على ناصية طريق يقوم بتصويرها، ويعطيها بعض الحلويات أو الكعك او الفطائر المحلاة، وكان دائماً ما ينهرنا لو ساعدناهم بالنقود، ويرى أن هذا سوف يضرّهم أكثر مما يفيدهم، لأنه سوف يشجعهم على التسوّل، ثم يعود للسيارة وسط صيحات تذمّر مرافقيه بالسيارة.

***

تعرف نديم أثناء إقامته في الولايات المتحدة الأمريكية على أحد أساتذة العلوم السياسية، الدكتور أشرف الكاشف، الذي التقى به يحاضر في الجامعة التي كان يدرس بها، وبالصدفة علم أنه يسكن بحي قريب من مسكنه، فتوطدت صلتهما، لا سيما أن نديم كان معجباً به وبآرائه.

كانا يمارسان رياضة الجري يومياً، ويتحدثان طويلاً عن مصر وأحوالها، ولكل منهما أحلامه لبلده.

ترك الدكتور أشرف مصر منذ بدايات الثمانينيات للدراسة والحصول على الدكتوراه، واستمر يدرِسّ بنفس الجامعة لتفوقه وتميزه.. وكان في منتصف الثلاثينيات من العمر آنذاك، أي أنه يكبر نديم ويكبرني بحوالي عشر سنوات . واسع المعرفة، يهتم بمختلف أنواع الفنون، قارئ دؤوب ومثقف، يهتم بالموسيقى الكلاسيكية، ويواظب على حضور حفلات الباليه والأوبرا، وكان قليل الأصدقاء، صديقان أمريكيان فقط، أحدهما طالب لديه وفي مثل عمر نديم، والثاني زميله بالجامعة ويدعى دكتور جاك، متخصص في شؤون الشرق الأوسط، وهو شخص على درجة عالية من الاحترام، أحبَّ مصر كثيراً وتمنى أن يزورها في يوم من الأيام. وقد ساعد حبه وتقديره الشديد لمصر وتاريخها، على ازدياد التقارب بينه وبين الدكتور أشرف، الذي لا يتوقف عن الكلام عنها، ومتابعة أخبارها كما لو كان يعيش فيها . ثم انضم لهما نديم فيما بعد، فكان كل ذلك من العوامل المساعدة لنديم على احتمال الحياة بعيداً عن مصر.



يتبع غداً



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن