تراجيم العشق

رضوى الأسود
radwaswad@gmail.com

2015 / 7 / 26

هل نبرأ بالكتابة أم نبرأ منها؟ لا شك أننا حين نكتب نبرأ من عتمة دواخلنا، لكننا نبرأ أيضاً - وياللعجب - بعد أن ننهى عمل ما أو يتوقف هاتف القلم، فالكتابة حمل ثقيل ووجع سرمدى لصاحبه.
ذلك المأزق الأبدى للكاتب المُلتعن بموهبته نجده عند الشاعرة والروائية المغربية "فاطمة الزهراء الرياض" وروايتها "تراجيم"، أى السحر الأسود، والتى تقول فيها: "الشفاء من الكتابة قرار صحى"، إلا أنها فى موضع آخر تصف الكتابة بالمحبوب بقولها: "العزلة مع من تُحِب". لذا يبدو أن فى الوجع ثمة إستعذاب بدليل أن الرواية ما هى إلا إحتفاء بالكتابة التى تُشبهّها الكاتبة فى قوة تأثيرها بالـ "التراجيم". ألم تكن الشذرات التى تكتبها البطلة ويقرأها زوجها هى سبب عودتهما لسابق حبهما بعد أن "سقطا فى كمين الحزن واللا فهم"، وبعد أن "إستدرجهما الخصام إلى شِراكه"؟!
فى الرواية يتقاطع الماضى مع الحاضر، وما تفعل ذلك سوى الذكريات التى تهرب منها البطلة بشتى الطرق. "يقال إن عودة الزمان إلى الوراء أصدق أمنية إتفق عليها البشر"، لكن (سحر) لا تشاركهم الإتفاق، فهى لا تريد أن تتذكر الماضى، إلا أن كل شىء يتواطأ عليها، تارة بمرض طفلها المحموم، وتارة بسفر زوجها إلى مصر .. إنها نفس بدايتى قصتى حبها .. حبها الأول (خالد) حينما عرفته وكان ممدداً فوق سرير المرض، وحبها الثانى (أحمد) الذى يبدأ حينما تذهب إلى مصر. هى تقص على مسامع ابنها (معتز) من الماضى وغُبنه ما تعلم أنه لن يسمعه ولن يفهمه.
الأسماء لها دلالات: فـ (سَحَر) فى حالة الفعل من السِحر ، (خالد) الحب الأول الذى عادة ما يُخَلَد فى الذاكرة، (معتز) إسقاط على المعز لدين الله الفاطمى الذى تعشقه البطلة وتعشق معه تلك الحقبة التاريخية التى كانت فيها مصر أهم جزء فى الدولة الفاطمية.
كانت الروائية بسرد عفوى سلس تدلف على الزوج (إبراهيم) ثم تعرج إلى (خالد) ومنه إلى (معتز) فى منمنمة دقيقة كما خيوط الحرير تَجدِل فيها قضايا الحب بالصداقة بالوطن.
ظلت الكاتبة وفية لعبارات من نوع: "لحظات الفرح تُغتال إن هى كُتبت" و أن "الأحزان وحدها تُكتب"، وإن جاءت النهاية سعيدة متفائلة لكنها فى نصف صفحة وليس أكثر، وذلك حينما يتصالح الزوج مع موهبة الزوجة التى كان يرى دوماً أنه يجب أن يكون فى حياتها "أحَدٌ أحَد" .. هو وفقط دونما أحد أو شىء آخر.
لغة الكاتبة وتعبيراتها مبتكرة وكأنها تمتلك بشكل حصرى مفاتيح لغة خاصة بها: "الساعة الرابعة إلا إبراهيم" .. "الأوراق أمامه بدت كقافلة كلاب تنبح" .. "اللباقة تطريز فاخر للإنسانية فينا" .. "منقوشة بالفراغ" .. "الشجن منبطحاً على بطنه" .. "شرفة تفتح صدرك بتقنية التشفير" .. "الخمر لها لسان أعور يأتى على الأخضر واليابس".
.
فى الإتجاه الحديث، أصبحت الرواية غير مقيدة بشكل أوإطار محدد الملامح، بل أصبحت تحتمل بين ضلوعها القصة القصيرة، والشعر، وربما أشياء أخرى .. وهذا ما وجدناه فى هذه الرواية.
لم يكن مرور الكرام على ثورة 25 يناير سوى أن الكاتبة لم ترد تقييم تجربة لا تزال فى رحم التاريخ.
ما بين الحاضر المُعاش والماضى المتمثل فى هيئة ذكرى، تصفها الكاتبة بأنها "قلب يختبىء داخل عقل" تتحرر البطلة من ثقل صدر محزون ببوح غير مقيد بتتابع معين، لننتهى إلى نتيجة مفادها أن الحاضر هو المكسب والتحدى الحقيقيان بعد سلاسل مرارات وخسارات الماضى.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن