من (جمهورية الخوف) الى داعش

مهند البراك

2015 / 7 / 3

بحث كثيرون عن ماهية داعش و عن منابعها و مصادرها و بالتالي عن كيفية التصدي لها، و يكاد يجمع الباحثون على ان داعش هي احدى نتائج و افرازات واقع دولنا العربية و الإسلامية في مسيرتها التي غلب عليها الاستبداد و الظلم الإجتماعي بمختلف الحجج و الإدعاءات، من حكام مستبدين سعوا بكل ما استطاعوا و بكل الوسائل للحفاظ على كراسي حكمهم بعيداً عن تلبية حاجات شعوبهم، و بعيداً عن تطوير و تحديث بلدانهم حتى وفق القضايا التي ادّعوا تمثيلهم لها .
وبقيت في بلداننا بقعٌ منسية في مناطق متنوعة و خاصة تلك البعيدة منها عن مراكز الحكم، بقعٌ عاش اهلها و يعيشون و كأنهم في عصور ماضية بكل احكامها و قناعاتها و مسلّماتها و هياكلها الإجتماعية و العائلية، بقعٌ وصلها الكهرباء حديثاً ان وصلها . . حتى صارت فيها بعدئذ منشآت استخراج النفط و المعادن ، عهدت حمايتها لعشائر و عوائل بعينها و درّت على رؤسائها ارباحاً كبيرة، دون تأهيل او تعليم لأبنائها الاّ بحدود الحاجات الدنيا .
فيما استمرت تلك المناطق تغذيّ جيوش بلدانها بأبنائها الزاماً بقوانين الخدمة العسكرية الإلزامية و تطوّع فيها قسم منهم بعد ان اثبتوا جدارة في الكرّ و الفر و الطاعة العمياء . . وتعلّم قسم قليل من ابنائها و امتلكوا معارف و بقي القسم الأكبر عائشاً على عنته و ضيق افقه و على خرافاته و معتقداته، التي كرّستها و تكرّسها انظمة قبلية عائلية انغرست عميقاً في النفوس، انظمة لم تجد من يهتم بتطويرها و تجديدها او بإعادة بنائها من انظمة الحكم المتتالية، بل بالعكس جرى تكريسها و تشويهها اكثر كمنبع اخذ يتّسع للجاه و السلطة، حتى تكوّنت انواع الفئات العائشة على النهب و المضاربات المالية و صارت تضارب بأموال خيالية في ازمنة و ظروف لاحقة.
وفي كل الأحوال صار ابناء تلك المناطق سندا لأنواع مراكز قوى تحكم، مراكز استندت عليهم في تحقيق سيطرتها على البلاد بأنواع الوسائل و الطرق كان آخرها حكم دكتاتورية صدام الذي استمر ماقارب الاربعين عاماً، و الذي اعتمد الإرهاب و الوقيعة و التعذيب الدموي الجسدي و النفسي وسائلاً للحكم، و اتّبع فنون (تأطير المجتمع) بالوشاية لصالح حزب البعث الصدامي الحاكم، و انشأ لذلك انواع المراكز و المعاهد السريّة بابناء اميين من تلك المناطق و باموال من عوائد النفط الهائلة، للتدريب على فنون الإرهاب و التعذيب لبناء (جمهورية خوف )(1).
و على ذلك فان تركة صدام و الجيش الجرّار لأنواع اجهزته الخاصة على غرار الأجهزة المنحلة لشاوشيسكو و ميلوسوفيتج . . صارت جذوراً لداعش الإجرامية التي تشكّل سبباً هاماً لمصائب البلاد الحالية ، و صارت تدخل في تكوين اي تمرّد محلي المنشأ، و خاصة بمن شملتهم التطبيقات المجحفة لـ ( قانون اجتثاث البعث)، التي القت بجرة قلم ماقارب الـ 400 ألف عسكري من الاجهزة السابقة من الوظائف الحكومية الى الشارع. و انتمى قسم منهم الى داعش رغم فوارق العقيدة بين البعث الصدامي مع عقيدة داعش المتأسلمة، الاّ ان عقائد المجموعتين تتداخل في عديد من المجالات، خصوصًا في اعتمادها على التخويف لتأمين قبضتها على الشعب.
تداخل يبدو واضحاً في نتائج ميل الدكتاتورية و فروع حزبها و اجهزتها في دول المنطقة و معسكرات تدريب متطوعيها من مختلف الدول، ميلها الى اتباع نهج ديني أكثر في حكمها لتحشيد امكانات اكبر لحكمها، الأمر الذي جعل الانتقال من البعثية إلى الأيديولوجية الإسلامية أكثر إمكانية و خاصة بعد اطلاق حملتها الايمانية التي ادخلت (مبادئ إسلامية) صارمة في الحكم، و خطّت (الله اكبر) على العلم العراقي، و بعد صدور مراسيم بتر يد السارق، و عدم تحبيذ الخمور و العقوبات على شرب الكحول في الجيش الذي تركته اعداد من العسكريين وبدأوا يصلوّن ويحتضنون شكلًا محافظًا من الإسلام في السنوات التي سبقت الغزو الأمريكي.
وفي السنوات الأخيرة من حكم صدام حسين، بدأت حملة من قطع الرؤوس استهدفت النساء المشتبه في عملهن بالدعارة، قامت بها وحدته الخاصة من فدائيي صدام . . الى ان صارت وحشية داعش تذكّر بدموية و وحشية فدائيي صدام، و اشرطة الفديو الترويجية بعهده التي تظهر مشاهد تشبه تلك التي تبثها داعش اليوم، كالفنون الوحشية بقطع الرؤوس و ارتداء الاقنعة السوداء.
حتى اصبح بعض أولئك البعثيين ( بحكم مؤهلاتهم الوحشية) من أوائل مجندي فرع تنظيم القاعدة الذي وضعه (ابو مصعب الزرقاوي)، رغم ان الزرقاوي ابقى البعثيين السابقين تحت رقابة، لأنه لم يكن يثق بنظرتهم العلمانية. الاّ ان تجنيد الضباط البعثيين السابقين صار ستراتيجية معتمدة في داعش تحت حكم زعيمها الحالي، أبو بكر البغدادي، و صاروا يحتلون المواقع الهامة في قياداته و هيئات اركانه وفقًا لمحللين وضباط سابقين (2).
ستراتيجية ربحت بها داعش ما جلبوه من خبر في جرائم الارهاب و التعذيب، الخبرة العسكرية، الإدارة، ارشيفات معلومات دوائر الأمن و الاجهزة الخاصة، و ما جلبوا معهم من شبكات و افانين شبكات التهريب التي تم تكوينها لتفادي عقوبات الحصار في التسعينيات، التي تسهّل الآن تجارة داعش غير الشرعية بالنفط. فيما استمرت فلول البعث باجنحته الحالية داخل و خارج داعش على اساليبها التخويفية و الارهابية و باموالها، في سَوْق اتباعها السابقين و سوق جدد حتى انها تمارس القتل بحق من لاينضم مجددا اليهم او في سوقهم للجدد . .
و تشير معلومات " فورن بوليسي " الى ان عدداً من البعثيين السابقين من ذوي المواقع و خاصة في الموصل تعاونوا مع داعش وهي في حالة النشأة بحسب وثائق تسرّبت . . منهم من أراد الاستفادة المادية من انواع المضاربات في الفوضى التي حدثت اثر سقوط الدكتاتورية، ومنهم من أراد تحكّم السنّة لوحدهم سواء كان متأصلاً في فكرهم او كرد فعل على الإجراءات الطائفية لحكومة المالكي، ومنهم لشوفينيّته حاول إضعاف دور الكرد في الحكم. و قد استفادت منهم داعش لتنشئ امبراطورية مالية كبيرة بدأت منذ عام 2009 وإلى اليوم .
و يرى محللون ان ازمة داعش لم تأت عن طريق الصدفة، بل هي نتيجة لتراكم المشاكل التي تسبب بها المحتلون الأمريكان والحكومة العراقية السابقة، حين وجدت اوساط واسعة من السنة نفسها حينها بمواجهة حكومة نوري المالكي الطائفية التي اتّبعت سياسة و اساليب خاطئة ادّت الى تجميع و خلط البعثيين بالسنّة و اعتبارها كل بعثي سنيّ و بالعكس و لم تدقق فعلاً باصحاب العلاقات المشبوهة مع داعش من بين مسؤولين حكوميين سنّة ـ بعضهم شيعة ـ في الموصل وبغداد.
و عليه فان مواجهة داعش و الانتصار عليها ليس عملية عسكرية فقط و انما عملية معقدة سياسية عسكرية، ثقافية حقوقية، ادارية، و قانونية قضائية، تتطلب وقتاً لإرسائها، من حكومة و اجهزة حكم تعتمد المساواة في تعاملها مع مواطنيها على اساس الانتماء الواحد المشترك للجميع، للهوية الوطنية !!

2 / 7 / 2015 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. بحثت للوصول الى (عقوبة اقوى من الموت) للسياسيين المعارضين، ان يعيش و هو ميّت !!
2. راجع تقارير فورن بوليسي، واشنطن بوست في حزيران 2015 .



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن