الرحيل تحت جنح الظلام 1

عدنان حسين أحمد
Adnanahmed9@hotmail.com

2015 / 7 / 3

(1)
تفاقمت الأوضاع النفسية للصديقين الحميمين سنان أحمد وحسن ميرزا، وضاقت بهما مدينة جلولاء الصغيرة حتى تحوّلت الى كابوسٍ ثقيل لا يُطاق. فقررا الهرب الى كردستان على الرغم من أن فصل الصيف ليس مناسباً تماماً لمثل هذه العملية التي تتطلّب حيطة وحذرًا شديدين.
لم يأتِ حسن في الوقت المُتفَق عليه الأمر الذي اضطر سنان لأن يتصل به هاتفياً، وحينما ردّت أمه على الهاتف أيقن سنان أن صديقه حسن لا يريد أن يغادر العراق ويترك خلفه زوجته وأطفاله الثلاثة وأمه الطاعنة في السن وأخته الشابة التي يخشى أن تتعرّض إلى مساءلة قانونية لا تُحمّد عُقباها. بعد مرور نصف ساعة بالضبط طلب المهرِّب خالد كلاري من سنان أن يتحركا طالما أن صديقه حسن قد قرّر البقاء إلى جوار عائلته خشية من المفاجآت التي تنطوي عليها عملية الهروب غير المضمونة، كما أن السلطات المحلية لن تترك العائلة وشأنها.
اختار المُهرِّب قرية صغيرة مجاورة لمدينة كفري فيها بضعة بيوت متناثرة يعرف أهاليها جيدًا كمثابة لبدء عملية تسللهم التي لا تخلو من مخاطر جدّية. مَشَيا أكثر من ساعتين ولم يصلا إلى الضفة الآمنة فأيقن سنان بأنهما قد وقعا في مأزق كبير. فعملية العبور لا تتطلب أكثر من ساعة واحدة لا غير. وقد سبَقَ لخالد أن عبَرَ من هذا المكان عشرات المرات دون أن يُواجه أية مشكلة تُذكَر. ولعل حظ سنان العاثر هو الذي قادهما إلى هذه المتاهة الليلية الخطيرة.
كان سنان يشعر بأنهما يسيران في الاتجاه الخطأ، ولكنَّ ثقته بالمهرِّب المحترف كانت كبيرة لذلك سلّم أمره إليه. وبينما هما يمشيان بحذر اصطدمت أقدامهما بأسلاك شائكة فأيقنا بأنهما قد سقطا في حقل للألغام. توقفا قليلاً فتناهت إلى سمعهما أصوات جنود يتجاذبون أطراف الحديث. واصَلا السير حتى سقطا في فخ دورية قتالية أعادتهما على وجه السرعة إلى مقر الوحدة العسكرية المرابطة عند مرتفعات مدينة كفري.
(2)
السجن عالم لزجٌ وكئيبٌ ومُوحِش، وضراوة التحقيق في بلدٍ مُتخلّف تُشبه ضراوة حيوان مُفترس ينقضّ على عُنُق غزال فيقطعه من الوريد إلى الوريد. يمتّد التحقيق مع سنان ساعاتٍ طوالا فلا يشمّون رائحة جريمة، ولا يمسكون بدليل ضعيف واحد يمكن أن يؤدي به إلى حبل المشنقة. فبعد ثلاثين يوماً من السجن الانفرادي تبيّن لهم أن "جريمته" الوحيدة هي تجاوز الحدود التي تفصل العراق عن إقليم كردستان. وأن عقوبة هذه "الجريمة" إن أُثبِتتْ بالبراهين والأدلة الدامغة فسوف تكون السجن لمدة خمس عشرة سنة! غير أن جلاوزة التحقيق في مديرية الأمن العامة في محافظة ديالى حاولوا بشتى السُبل أن يلصقوا به تهمة تغطية المؤتمر الصحفي لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني الذي صادف أن ينعقد في اليوم التالي مباشرة، أي في يوم وصوله إلى السليمانية. كان سنان صحفيًا وكاتبًا معروفًا، ولحُسن حظه فإنه كان يعمل في الصحافة الثقافية، وليس في الصحافة الاستقصائية أو السياسية التي قد تثير الشبُهات وتجعله هدفًا سهلاً لتُهَمِهِم الجاهزة. أخذ سنان حظه من الذل والإهانة والتعذيب المتواصل على مدى شهر كامل أمضاه في غرفة مطليّة بالأحمر الصارخ طولها أقصر من قامته بربع متر الأمر الذي حرمه من الاسترخاء على مدى ثلاثين يوما. انتشر خبر القبض على سنان مثلما ينتشر العطر في الهواء، وكانت حبيبته سحر عبد العزيز هي أولى الناس الذين نزل عليهم الخبر نزول الصاعقة، ثم وصل إلى أهله وذويه وأصدقائه وبعض أعدائه من حزب السلطة الذين سيشمتون به حتماً لأنهم يتمنون الخلاص من الشخصيات المتنوِّرة التي تتطلّع إلى نمط الحياة الغربية الحرّة الكريمة.
(3)
حينما خرج سنان من السجن بمساعدة حقيقية من قريبِهِ، قاضي مدينة "قرة تبّة" طارق الجبوري، الذي تربطه به صلة قرابة بعيدة، نصحه بعض أصدقائه في إتحاد الأدباء أن يسافر إلى الأردن سفرًا عادياً بعد أن يدبِّروا له دعوة رسمية من أحد الأندية الثقافية الأردنية بهدف تقديم محاضرة ثقافية. ومن هناك يمْكِنه أن يقدِّم طلب اللجوء السياسي إلى إحدى الدول الأوروبية بوصفه ضحية من ضحايا القمع الفكري والسياسي في العراق، خصوصاً وأن آثار التعذيب لا تزال ماثلة على أماكن مختلفة من جسده. جازف بالسفر هذه المرة هو وخطيبته سحر على أمل أن يتزوجا في الأردن إن مشت الأمور على ما يرام. في نقطة حدود طريبيل أعادوا كل الجوازات لأصحابها باستثناء جوازه وجواز سفر خطيبته، الأمر الذي أخرّ الحافلة قرابة الساعة. كان سنان يرّد على أسئلة الضابط واستفساراته المتلاحقة عن سبب الزيارة، ومدة بقائه هناك، وعودته، وكيف حصل على هذا الاستثناء وهو ممنوع من السفر لأنه كان ضابطًا مجندًا برتبه نقيب، وقد منعت السلطات في حينه كل الضباط من السفر من رتبة ملازم أول فما فوق. ومما زاد الطين بِلّة أن خطيبته كانت مُدرّسة ولا يمكنها السفر خارج الى العراق إلا خلال العطلة الصيفية، فكيف تسافر إذًا في أواخر شهر شباط؟ لقد أقتنع الضابط بعد جهدٍ جهيد أن يختم الجوازين بختم الخروج ويقدّم قائمة من الطلبات التي يحتاجها من الأردن طالما أن مدة الزيارة هي أسبوع واحد لا غير! حينما تحركت الحافلة صوب الجانب الأردني لم يعرف سنان وسحر ماذا يفعلان بموجات الفرح التي بدأت تتلاطم في روحيهما، وربما كانت دموع الفرح والانتصار هي أصدق تعبير على خلاصمها من السماء القاتمة.
(4)
في أثناء إقامتهما في العاصمة الأردنية عمّان لمدة سنة واحدة تقريباً أصرّت سحر على أن يقدّم سنان معاملة طلب اللجوء، فهو سجين لأسباب سياسية سابقًا، وقد تعرّض للتعذيب مرات عديدة في ظل النظام الدكتاتوري السابق، ويعمل حاليًا في المعارضة العراقية في عمّان. فما الذي يمنعه من التقديم إلى الأمم المتحدة؟ لم تصدّق سحر خبر قبولهما كلاجئين سياسيين حينما جاء سنان وهو يحمل وثيقة الأمم المتحدة بعد شهر واحدة من تقديم الطلب! لم ينتظرا كثيرًا في عمّان كي يحصلا على اللجوء في المملكة المتحدة، فعندما عُرض عليهما السفر إلى هولندا وافقا مباشرة، وخلال أسبوعين كانت مدينة آبلدورن تحتضنهما في مركز الوافدين الجُدد. مرّت سنوات وهما يتعلّمان اللغة الهولندية ويبحثنان عن فرص عمل مناسبة. ثم بدأت رحلة الانجاب إذ أنجبت سحر خلال ست سنوات ثلاثة أطفال عندها قررت أن تتوقف عن الإنجاب لكي تنقطع لتربيتهم في بيئة اجتماعية مختلفة تحتاج إلى الكثير من المتاعب والجهود. فهؤلاء الأطفال الثلاثة هم نتاج البيئة الهولندية ولا يمكن تربيتهم على وفق الأعراف والتقاليد العراقية. قبل الأيام الأخيرة لسقوط النظام الشمولي العراقي اشتركا في العديد من المظاهرات التي تطالب بإسقاط النظام ومحاكمة رموزه محاكمة نزيهة وعادلة. كما أقاموا العديد من الأنشطة الثقافية والفنية التي تعرّي ظلم النظام العراقي واستبداده.
(5)
اجتاج الجيش الأميركي والقوات المتحالفة معه أغلب المدن العراقية فسقط النظام الحاكم بطريقة
مذهلة لم يألفها العراقيون من قبل. أراد سنان أن يرجع إلى بغداد مع مئات المثقفين والكتّاب العراقيين الذين عادوا لأسباب مختلفة، لكن زوجته وأطفاله الثلاثة رفضوا العودة بشكل قطعي. إذ كانت سحر تتساءل: أين نذهب إذا حدث لك مكروه لا سمح الله؟ وكيف سيحتمل الأطفال فراقك وهم الملتصقون بك ليل نهار؟ ظل سنان أربع سنوات وهو يترجّح بين البقاء في المنفى الذي اختاره بنفسه وأدمن عليه، وبين العودة إلى الوطن الذي اختطفته الأحزاب، ومزّقته العصبيات المذهبية، ونخره الفساد حتى أصبح مثل جذع نخلة خاوية قد يسقط في أية لحظة إذا ما هبّت ريح عاتية. في عزّ المحنة قرر سنان أن يعود لكي يتسنّم منصبًا مهمًا في وزارة الثقافة، فهو أحّق به من غيره. لم تمرّ سنة كاملة على تولّيه هذا المنصب حتى تكاثر أعداؤه والمناوئون لكل المثقفين الليبراليين القادمين من الشتات الأوروبي والأميركي. نصبوا له كميناً في ساعات الصباح الأولى التي يذهب فيها إلى وزارته كي يباشر دوامه الرسمي، وأطلقوا عليه وابلاً من الرصاص.
كانت دهشته كبيرة حينما اكتشف أن الرصاصات الثلاث التي أصابته كانت قد استقرت في بطنه وساقه الأيمن، لكنه فوجئ برأس السائق وهو يرتطم بمقود السيارة التي انحرفت إلى سدة ترابية قريبة من مكان الحدث وانغرزت فيها. غامت الدنيا بعيني سنان، ولم يفق إلا بعد انتهاء المخدّر العام وإخراج الرصاصات الثلاث وتجبير عظم ساقه المكسورة. حينما أخبر زوجته بالحادث كادت أن تُجّن فطلبت منه الرجوع فوراً، أو أنها ستترك أطفالها عند أحد العوائل العراقية وتأتي إليه. حينما دفعوا سنان وهو جالس في كرسي المعاقين صوب خرطوم الطائرة أيقن أنه من الصعوبة بمكان إقناع زوجته وأطفاله الثلاثة بإمكانية العودة إلى عمله خلال السنوات القليلة القادمة في الأقل.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن