قانون المكمة الاتحادية العليا والية بناء الدولة

ناصرعمران الموسوي
march.naser@yahoo.com

2015 / 5 / 19

قانون المحكمة الاتحادية العليا
وآلية بناء الدولة ....!
يرى العالم الالماني (ماكس فيبر) ان الدولة هي :بناء سياسي وقانوني له سلطة السيادة ويعتمد العنف المشروع داخل حدود جغرافية معترف بها .ويجب ان تستحوذ على اعلى هياكل الفكر. ولايمكن حصر مفهوم الدولة ضمن الأطر التجريدية بمعنى انها ليست هيكلية او تصور اجتماعي اونسق من القوانين (الواجبات والحقوق) كذلك لايمكن تحديدها بالجانب الواقعي العيني والمادي كأن نعتبرها مجموعة من الوظائف والاجهزة فقط انما يجب التمييز بين معنى السلطة ومعنى الدولة ،فالسلطة تتمحور حول نقطتين او معنيين الاول : العمل في الجانب الطبيعي اي في حقل العلاقات الطبيعية لتحقيق رغبات الانسان والمعنى الاخر: يتحدد في الاجهزة التي تضمن توازن المجتمع الذي وصل الى درجة من النضج وهذا التوازن يربط مصالح الناس باهداف الجماعات ومتطلباتها بينما تفيد الدولة وهو ما يراها الدكتور (فتحي التريكي ) في دراسة له بعنوان (الدولة في الحقل الفلسفي المعاصر ) بناء متكامل للسلطة في معنييها (القدرة والقوة ) وتَحكم هذا البناء مجموعة من القواعد والقوانين .لكن الملاحظ اننا و بالرغم من مرور فترة طويلة على مرحلة التغيير التي نفض فيها العراق مرحلة الاستبداد والدكتاتورية وصناعة القوانين وفق ما يبتغيه الحاكم واعلن باستفتاء شعبي عن ولادة دستوره الخارج من رحم معاناة زمنية طويلة اضافة الى صعوبات وتحديات كبيرة .رافقت ولادته ليؤسس لمرحلة جديدة يكون عنوانها الابرز دولة القانون والمؤسسات ، الا ان مرحلة التجربة التطبيقية اثبتت قصور كبير في فهم اليات ادارة الدولة والتمييز بين مهام وادارة السلطة (التنفيذ ) واليات عمل الدولة ومؤسساتها الدستورية واذا كانت هناك اسباب ساعدت على ذلك فان احد اهم هذه الاسباب _بعد مرحلة التغيير _ هي في عدم تفعيل محور مهم من محاور بناء الدولة المؤسساتية ،واذا كانت شرعية القضاء الجنائي تترتبط بمفهوم (المشروعية والتي تعني ان لاجريمةولاعقوبة الا بنص ) واذا كان القضاء المدني والاداري له مرجعياته في الوقوف عند النزاعات والدعاوى المدنية والادارية ،فان القضاء الدستوري في العراق يحاول جاهدا الوصول الى بناء الياته وعمله التي ينعكس اثرها على بناء الدولة وتحقيق مشروعية قوانينها ورعاية تطبيق فهم ورؤى دستورها المتجلبب بارادة الشعب والذي يبدأ وينتهي باستقلالية السلطة القضائية التي ينتمي اليها ، ان مشروع قانون المحكمة الاتحادية الذي يراوح بين اروقة مجلس النواب والذي تم اعادته لاكثر من مرة الى السلطة التنفيذية ومجلس القضاء الاعلى والذي يشهد في كل مناقشة خلافات تحتدم لتنتهي عند طابور التأجيل يؤكد ذلك ان المشروع قادم من دورات سابقة لمجلس النواب ، ان كل تلك المخاضات التي تسبق ولادة قانون المحكمة الاتحادية تشير الى اهمية وخطورة هذا القانون الذي يحمل في نصوصه الحل لكثير من العقد التشريعية والقانونية والسياسية في العراق وهذا الامر يستدعي اولا ً ان تكون ولادة هذا القانون ولادة طبيعية و تعني ان يكون هذا القانون مطابق للدستور ومظلته التطبيقية .
ثانيا ً ان يكون خارج تغطية الاجندات السياسية وبعيدا عن الفكرة المكونية السياسية لان العمل القضائي يتأبى الانتماءات وانتماؤه الحقيقي لعقيدة العدالة التي تتجلى في التطبيق السليم للنص القانوني.
ولدت المحكمة الاتحادية العليا بموجب الأمر رقم (30) لسنة 2005 استنادا ًللمادة الرابعة والاربعين من قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية والقسم الثاني من ملحقه وبنا ء ً على موافقة مجلس الرئاسة قرر مجلس الوزراء اصدار الامر والذي كان المجلس فيه يتمتع بصلاحيات تشريعية اضافة لصلاحياته التنفيذية ونشر الامرفي العدد3996 وصدر في تاريخ 17/3/2005 ونظام المحكمة الداخلي الذي يحدد الية عملها نشر في العدد3997 وصدر في تاريخ 2/5/2005من جريدة الوقائع العراقية الجريدة الرسمية والمختصه بنشر القوانين والتشريعات ، وقد جاء في الاسباب الموجبة ان الغرض من تشكيل المحكمة الاتحادية العليا هوانشاء المؤسسات الدستورية في العراق .وبعد نفاذ الدستور الدائم لعام 2005 بعد نشره في الجريدة الرسمية الغى بموجب المادة ( 143) قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية وملحقه بعد قيام الحكومة الجديدة .وقد تضمن الدستور نصا ً في المادة (130) اعتبر التشريعات النافذة معمولا بها مالم تلغى او تعدل ،وفقا ً لاحكام هذا الدستور ،ولما يزل عمل المحكمة الاتحادية مستندا ً في شرعيته الى الامر النافذ التي تم انشائها بموجبه ،ونرى بان العقبة الرئيسية في ايجاد قانون المحكمة الاتحادية يتمثل بعدم وجود الارادة المؤمنة بقيام المؤسسات الدستورية واسقاطات الخلافات السياسية المرتهنة لاجنداتها ،ولعل الخلافات التي يشهدها مجلس النواب العراقي كلما تم مناقشة مشروع القانون دليل واضح على ذلك ،فالخلاف في دور خبراء الفقه الاسلامي وفقهاء القانون الذين اشارت لهم المادة (92 / ثانيا ً ) الدستورية والتي اعتبرتهم من مكونات المحكمة الاتحادية وجاء تسلسلهم بعد عدد من القضاة ومنحت المادة لمجلس النواب تحديد عددهم وطريقة اختيارهم وذلك بسن قانون بأغلبية ثلثي عدد اعضاء مجلس النواب ،ويبدو ان المشروع حسم ذلك حيث نصت :
.( المادة - 2 - اولا تتكون المحكمة من رئيس ونائب للرئيس وأحد عشر عضوا على النحو الاتي: أ- رئيس المحكمة ويكون من القضاة ب - نائب رئيس المحكمة ويكون من القضاة ج - سبعة اعضاء من القضاة د - عضوان من خبراء الفقه الاسلامي هـ - عضوان من فقهاء القانون . ثانيا - أ- يكون للمحكمة عضوا احتياط غير متفرغين يختارهما رئيس المحكمة بالتشاور مع اعضاء المحكمة الاتحادية العليا من بين قضاة محكمة التمييز الاتحادية للحلول محل قضاة المحكمة اذا تعذر اشتراك اي منهم لاي سبب كان . ب - يكون للمحكمة عضوا احتياط غير متفرغين من خبراء الفقه الاسلامي وفقهاء القانون ليحل احدهما محل العضو الاصلي اذا تعذر اشتراكه لاي سبب كان ويتم اختيارهم بنفس الكيفية التي يتم فيها اختيار الخبراء والفقهاء الاصليين . المادة - -3 اولا- ترشح المحكمة الاتحادية العليا ومجلس القضاء الاعلى ومجالس القضاء في الاقاليم في اجتماع مشترك رئيس المحكمة الاتحادية العليا ونائبه وقضاتها من بين قضاة الصنف الاول المستمرين بالخدمة ممن لاتقل مدة خدمته الفعلية في القضاء عن (20) عشرين سنة ويتمتع بالكفاءة والسمعة الحسنة ولم يسبق الحكم عليه بجريمة مخلة بالشرف على ان يتم ترشيح ثلاثة مرشحين لكل منصب. ثانيا -أ- ترشح وزارة التعليم العالي والبحث العلمي (6) ستة مرشحين من فقهاء القانون ممن لهم خبرة في المجال الدستوري ولا تقل خدمتهم الفعلية عن (20) عشرين سنة في الجامعات او مراكز البحوث ويتمتعون بالكفاءة والسمعة الحسنة ولم يسبق الحكم عليهم بجريمة مخلة بالشرف. ب - يرشح ديوانا الوقف الاسلامي في اجتماع مشترك (6) ستة مرشحين من خبراء الفقه الاسلامي ممن لهم خبرة في الاحكام الشرعية لا تقل عن (20) عشرين سنة مع تمتعهم بالكفاء وحسن السمعة ولم يسبق الحكم عليهم بجريمة مخلة بالشرف .) الا ان طبيعة عمل فقهاء الفقه والقانون ظلت محل جدال فالبعض منحهم حق الطعن وبخاصة في الامور المتعلقة في مدى انسجام القانون النافذ واحكام الفقه والشريعة الاسلامية ،الامر الذي يعتبره الكثيرون مخالفا ً لنص الدستور وعمل المحكمة بالاضافة الى ان ذلك يترب عليه امور خطيرة وهي : انحياز الدولة وتشريعاتها الى صورة الدولة الدينية على حساب الدولة المدنية الدستورية ،وبعد عرض المشروع وجدنا رأي غريب جدا ً ظهر عند عرض مشروع القانون للتصويت عليه ،وهو ان تكون قرارات المحكمة في النزاعات التي تنشأ بين الحكومة الاتحادية والاقليم بالاجماع او التوافق والحقيقة ان مفردة (التوافق) تطيح بالصفة القضائية التي منحها الدستور للمحكمة الاتحادية التي اعتبرها من مكونات السلطة القضائية في المادة (89) وهيئة قضائية في المادة (92/ اولا َ) وعلى الرغم من ان مشروع القانون كان واضحا ً في المادة (12) والذي ينص (يدعو رئيس المحكمة اعضاءها للانعقاد قبل وقت كاف، ويرافق كتاب الدعوة جدول الاعمال ومايتعلق به من وثائق، ولايكون انعقادها صحيحا الا بحضور ثلاثة ارباع اعضائها، وتصدر الاحكام والقرارات اما بالاتفاق او بالاغلبية. ) وهو الامر الاكثر حضورا وادى الى تاجيل الجلسة ، يضاف الى العقبات الاخرى ان هناك امور ظهرت من خلال التطبيق بحاجة الى اعادت صياغتها وتحديدها وتقحم في مشروع القانون رغم ان الامر يحتاج الى تشريعات وبعضها يحتاج الى تعديل دستوري ، وبخاصة ان قانون المحكمة الاتحادية هو جزء من قانون اعم وهو قانون السلطة القضائية والذي في حالة تشريعه سيحدد عمل مجلس القضاء الاعلى والمحكمة الاتحادية وجهاز الادعاء العام وهيئة الاشراف القضائي والمحاكم الاتحادية الاخرى وبخاصة ان مشاريع قوانين مجلس القضاء الاعلى ووالادعاء العام والاشراف القضائي في عهدت مجلس النواب ومجلس شورى الدولة ،وتجزئتها بالطريقة هذه سيدخلها في مشكل تحديد علاقات هذه الهيئات القضائية مع بعضها كلما طرح مشروع احداها امام مجلس النواب .
ان استقلالية السلطة القضائية التي نص عليها الدستور اضافة الى السلطتين التشريعية والتنفيذية في المادة (47) منه هي حجر الزاوية في اقامة دولة المؤسسات والية تكوينها ،وزاد على ذلك ان الدستور العراقي حسم امر الرقابة الدستورية بالاعتماد على الرقابة القضائية في تحديد شرعية القوانين وحل النزاعات الخاصة بمكونات ومؤسسات الدولة الاتحادية والاقاليم والمحافظات وزاد من ذلك بان جعله المعيار الفاصل في دستورية وشرعية القوانين والقرارات والاحكام في مفصل عمل المحكمة الاتحادية .



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن