بدء الطور الثاني من عملية تشييع القبائل السنية في العراق(1/2)

عبدالامير الركابي
amir.rekaby@hotmail.fr

2015 / 5 / 5



لايتفق الراي الوارد هنا مع الترسيمات المعتمدة او الشائعة بخصوص التاريخ الحديث العراقي، وفي المنطقة العربية، بالاخص منذ ان تغلبت الاستعارة المنهجية والمفهومية الغربية في العصر الحديث الاوربي وتبريره السلطوي النقلي المسمى "عصر النهضة العربية"، هذا عدا التمايزات الجزئية بين المواضع، واختصاص العراق والرؤى المؤسسة للوطنية العراقية الحديثة بالغلبة الايديلوجية المطلقة، وهو ماحدث بعد الثلاثينات، مع بدء هيمنة الوطنية الحزبية عقب انتكاسة وفشل محاولة ايجاد رؤية "وطنية" عصرية، حاول ارساءها "جعفر ابو التمن" وحزبه "الحزب الوطني العراقي" 1922 اضطر بعدها ابو التمن هو نفسه للانحياز نحو "الليبرالية الشعبوية" المؤسسة منذ 1932 ليدخل بذاته نطاق الوطنية الايديلوجية.
هذا النمط من الوطنية التي استمرت سائدة على مدى ثلاثة ارباع القرن، كانت قد ارسيت بالاصل على رؤى تأسيسية "استعمارية"، اضطلع بها ضباط كانوا ملحقين بالحملة البريطانية، ابرزهم اثنان هما فليب ويرلند، وهمفسلي لونغريك. والاول هو من ارسى سردية العراق المتشكل حديثا ضمن سياق الاندراج في السوق الراسمالية العالمية، وماترتب على ذلك من تحولات بنيوية مفترضة، بالانتقال من الانتاج "للكفاف"، الى الانتاج للسوق، وظهور السلعة والسوق الوطنية الواحدة، ماترجمته سياسيا، توحد الولايات العراقية / العثمانية الثلاث: بغداد والموصل والبصرة "وطنيا"، وهو المخطط الذي يعتمده كافة الحداثيين السياسيين يسارا ويمينا، كقاعدة ثابتة لوصف التشكل العراقي الحديث، بما فيهم وابرزهم الاقتصادي اليساري الكبير "محمد سلمان الحسن"، بالاخص في كتاته الهام " التطور الاقتصادي في العراق: التجارة الخارجية والتطور الاقتصادي1864/1958 ".
والسردية الاستعمارية المعتمدة كقاعدة للرؤية الايديلوجية، قامت على الغاء لابل محو طورين من تاريخ تشكل العراق الحديث، استغرقا قرابة قرنين ونصف القرن، قبل مجيء الاحتلال الانكليزي 1914/1917واقامة "السلطة الحديثة المركزية" التي تجمع الولايات العثمانية الثلاث عام 1921)استعملت في مقارباتي السابقة تعبير "الدولة الحديثة" وهو ماكررته طويلا، لكنني توصلت مؤخرا الى ان تعبير "الدولة" لاينطبق على شكل ومضمون الهياكل الحاكمه التي اقيمت منذ العشرينات في العراق تحديدا، ولربما في غيره من البلدان العربية، وان مصطلح "سلطة" قرب دلالة وتعريفا، بحكم انها لا تمثل النصاب الاجتماعي الذي مايزال قيد التشكل الى الوقت الراهن( فالعراق الحالي بدات علائم تشكلة من جديد، بعد انهيار بناه الحضارية الامبراطورية العباسية الطويل، ابتداء من دخول هلاكو بغدادعام 1258 حتى القرن السابع عشر، عندما بدات بالظهوراولى "الاتحادات القبلية" في جنوب العراق، واسبقها واهمها "اتحاد قبائل "المنتفك"/ المتفق/ ووقتها اتخذ المنتفق موقع المركز القيادي العراقي العربي بمقابل المماليك والعثمانيين، خاض بوجههم العشرات من الانتفاضات المسلحة، وعبر في وقت مبكر عن نزعات عربية لحكم العراق، بينما ظهرت تباعا اتحادات قبلية اخرى، اهمها "اتحاد" الخرعل في الفرات الاوسط.
هده الفترة من قيادة الزعماء القبليين والقبائل، توجت باكبر استعراض ثوري لها عام 1787 بما اطلق عليه " الثورة الثلاثية" التي قادها ثلاثة من اهم الزعماء القبليين، من بغداد/ سليمان الشاوي / احد امراء قبيلة العبيد/ ومن الفرات الاوسط " حمد ال حمود" شيخ مشايخ الخزاعل، ومن الجنوب " ثويني العبدللة" شيخ مشايخ المنتفك، والثورة بدات بلجوء الشاوي الى المنتفك هاربا من الوالي العثماني، ماادى لتوسع العصيان بوجه سليمان باشا الكبير، وقد كاتب ثويني العبدالله "حمد ال حمود"، فاستجاب له وانخرط في العصيان، ليتمكن الثلاثة بقوة قبائلهم من تحرير العراق من بغداد الى الفاو، ويقوموا باحتلال البصرة، وطرد متسلمها، وترشيح قائدها " ثويني العبدالله" لولاية العراق، حسب مانصت المضبطة التي وقعها شيوخ القبائل ووجهاء البصرة، ورفعوها للباب العالي في حينه.
فشلت الثورة المذكورة بانتهاء اكبر معاركها التي اوشك ان ينتصر فيها الثوار، بانتصارجيش الوالي المملوك سليمان الكبير)1780/1802(، والثورة المذكورة مطموسة وغائبة عن التداول التاريخي العراقي الحديث، مع انها البروفه السابقة على ثورة العشرين الوطنية الكبرى، وتلقي اضواء هامة على خلفياتها و طبيعتها عدا آلياتها، كما توجه النظرلمسارات التشكل الوطني، وتتابعات حقبه وقواه السابقة على الاحتلال الانكليزي، عنما بدأ بالتراجع بسرعة فائقة موقع الزعامة الدينية، التي قادت فعليا الثورة الوطنية عام 1920.
والقيادة الثانية او التجديدية الدينية، بدات نشاطها الدعوي الكبير بين القبائل منذ القرن الثامن عشر، وكان لشعور ابناء القبائل والمشايخ الاحرار، بالحاجة لقيادة اكثر فعالية وثباتا، اثر كبير في استقبالهم للدعاة "الموامنة"، الذين راحوا ينطلقون من النجف والحلة باتجاههم، ويعيشون وسطهم، بينما اسهم اندحار الثورة الثلاثية في تعزيز تلك الحاجة، ولم تكن القبائل العراقية في الجنوب والفرات الاوسط، كما يعتقد عموما "شيعية المذهب"، فالتشيع الحالي في جنوب العراق، حديث، اما التشيع الاقدم العباسي، فكان قد اندثر تقريبا في تلك المنطقة من العراق، بينما قامت النجف في سياق حركة التجديد الحديثة، بالتوغل داخل البحر العشائري المسلح، محولة اياه الى جيش متناغم معها ومستجيب لقيادتها) من اهم من تناول هذه الظاهرة المستحثة عدا "ابن سند" مورخ الوالي داودباشا 1817/1831 الباحت الكويتي "فهد عبدالله النفيسي" في كتابه الذي هو اطروحته للدكتوراه "دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث (رسالة دكتوراه - جامعة كامبردج 1972 - ذات السلاسل - الكويت).
حركة التشييع تلك ترافقت مع تحولات داخل النجف "المدينة الدولة المقدسة الحديثة"، بما يتلائم مع بنية العشيرة العراقية الجنوبية، وسماتها القريبه من الشيوع والديموقراطية الفطرية، ومن هنا انبثقت اليات ممارسة"نظام الاجتهاد" و" التقليد" و " الحوزة" التي هي مبتدعات " دولة مدينه"، بمقاييس وديناميات لاتنتمي للاكراهية السلطوية، ولا لاحتكار العنف والسلاح، فالتقليد هو وسيلة ربط القبيلة بالمراجع عقيديا، والاجتهاد نظام اقرب لممارسات النظام الداخلي العشيري ولاشكال تداول المشيخة والنفوذ فيها. والمعلوم ان ركائز هذا النظام هي التي شاعت وسادت في العصور الحديثة كثوابت للتشيع، وليس مايقال بدون بينة ولا تدقيق، عن الغلبة "الصفوية"، فايران من "قم" الى "مشهد" عدا عن البحرين، اخذت بنظام الاجتهاد الشيعي العراقي، لانظام السلطوية الصفوي، الذي زال ولم تعد له قواعد تمارس، والادلة والشواهد في هذا المجال كثيرة ليس هنا مجال بسطها.
تلك العملية التجديدية العراقية الكبرى، تداخلت مع صعود حركة التشكل الوطني العراقي الحديث، واحتلت مكان مرحلته الثانية قبل الفترة الايديلوجية الاخيرة، التي استمرت من الثلاثينات حتى بداية القرن الحالي.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن