نبذ التعصب فى موسوعة للشباب

طلعت رضوان
talatradwan@yahoo.com

2015 / 5 / 4


لم يهتم التعليم المصرى ، ولا الإعلام المصرى ، ولا أغلب المُـتعلمين (المصريين بالاسم) والمحسوبين على الثقافة المصرية السائدة ، بتاريخ مصر القديمة ، وبمجمل الحضارة المصرية ، التى رسّـخت للتعدية ونبذتْ (الأحادية) قبل كارثة أخناتون الذى ابتدع تلك (الأحادية) عندما لخـّـصها فى إله واحد (آتون) ثم جاءتْ الديانة العبرية بشعبها الثلاث (اليهودية/ المسيحية/ الإسلام) وأخذتْ تلك الأحادية ، التى رسّـختْ للتعصب والعنف ، ورفضت أى شكل من أشكال التعددية الفكرية والدينية والمذهبية.
لذلك اهتمتْ د. مرفت عبدالناصر بالشباب فكتبتْ من أجلهم ثلاث موسوعات. الثالثة هى (تاريخ الأفكار) من ثلاثة أجزاء. وعندما تحدثتْ عن سقراط ذكرتْ أنه تعلم كثيرًا من الفلسفة المصرية القديمة ، خاصة المفهوم الفلسفى (ماعاط) التى تـُكتب وفق السائد (ماعت) نسبة إلى إلهة العدالة ، أى مفتاح الحياة. وأنها تـُمثل (اليوتوبيا) الممكنة ، باعتبارها فلسفة أخلاقية قابلة للتحقق مبنية على الوسطية والاعتدال . ولا تنسى أنْ تضع صورة لتمثال (ماعت) على شكل امرأة ترتدى تاجًا من ريشة نعام . هى نفس الريشة التى استخدمها المصرى فى حساب الموتى. حيث كان القلب يوزن مقابل الريشة. فإذا كان وزنه وزن الريشة وقت الحساب كان صادقــًا مع نفسه. أما إذا كان أثقل من الريشة دلّ هذا على خداع النفس . وشرحتْ أسلوب سقراط الفلسفى مع الشعب ، وإلى أول محاكمة فى التاريخ لفيلسوف بتهمة تحريض الشباب على مخالفة العقائد وسياسة الدولة.
وعندما تحدثتْ عن أفلاطون وضعت صورة (البردية الحسابية) خاصة وأنّ أكاديميته كانت تعنى بتدريس الفلسفة والرياضيات. ثم شرحتْ دوره فى نقل أفكار سقراط الذى لم يكتب فلسفته بنفسه. وكتبتْ عن تأثر أفلاطون بفيثاغورث الذى عاش فى مصر 22 سنة وتعلم من الفلسفة المصرية القديمة. وأدرك أنّ المصريين توصلوا إلى معرفة المثلث الذى اشتهر به. وشرحتْ أهم أفكار أرسطو تلميذ أفلاطون وأستاذ الاسكندر الذى قرأ أشعارهوميروس (مع صورة لتمثال هذا الشاعر) كما ربطتْ بين ابن رشد ودوره فى شرح فلسفة أرسطو. وأمبرتو أيكو مؤلف رواية (اسم الوردة) التى تدور داخل دير فى العصور الوسطى والراهب الأكبر يمنع قراءة الكتب من مكتبتها وخاصة كتاب أرسطو فى الشعر لأنه تناول فيه فلسفة الضحك. وكان مبرر الراهب أنّ ((الضحك يحرر الإنسان من الخوف ويجعله أكثر قوة على مواجهة أى سلطة وفى هذا خطر كبير)) ثم انتقلتْ إلى الفلسفة الأفلاطونية التى أسسها الفيلسوف المصرى بلوتينوس (204- 269 م) وهو الأب الروحى للأفلاطونية الجديدة التى أعطتْ عمقــًا روحيًا كان له تأثيرعلى تطور الفكر المسيحى والذى يُطلق عليه الغنوصية. وقد عثر على الكثير منها فى مكتبة نجع حمادى . وأوضحتْ العلاقة بين الأفلاطونية الجديدة وإله الكتابة والحكمة المصرى (تحوت) وفى هذا الفصل وضعتْ صورة (البارثنيون) بأثينا وصورة للمسرح اليونانى . وصورة بمساحة صفحتيْن 50×30 لمدرسة أثينا بريشة الفنان رفائيل. وصورة لمكتبة الاسكندرية. وكان من الطبيعى أنْ تتحدث عن الفيلسوفة المصرية هيباتيا التى قتلها المسيحيون عام 415 لأنهم رأوا أنّ اكتشافاتها العلمية نوع من الكفر وخروج عن تعاليم الدين الصحيح. ولخصتْ قصة حياة الفيلسوف سينكا التراجيدية. إذْ كان أستاذًا للإمبراطور نيرون الذى طغى . غضب الشعب الرومانى لسكوته على جرائم نيرون . فابتعد عن الامبراطور الذى اتهمه بالتآمرعلى الحكم . وحكم عليه بالإعدام . وقال ليُهدىء من ثورة أصدقائه (( لا غرابة فى الحكم . ألم يقتل نيرون أمه وزوجته وأخاه وحرق روما))
ثم تنتقل المؤلفة إلى عصر النهضة فتحدّثتْ عن فرنسيس بيكون الذى دعا إلى المنهج العلمى. و(وليام هارفى) مكتشف الدورة الدموية. و(كوبرنيكوس) الذى شكّ فى نظرية مركزية الأرض ليكتشف مركزية الشمس . ثم جاليليو وموقف الكنيسة منه ومحاكمته وإتهامه بالكفر. وبعد سنوات قضاها فى عزلته أجرى المزيد من التجارب التى أفادت البشرية مثل التلسكوب الذى طوّره هوك إلى الميكرسكوب . وفى خطاب من جاليليو إلى العالم (كبلر) تحدث فيه عن تعصب الكنيسة وقال ((ماذا تقول يا عزيزى عما يجرى لنا . لمْ يكلــّـفوا خاطرهم للنظر من خلال التلسكوب)) ثم انتقلتْ إلى نيوتن واكتشافه لقانون الجاذبية الأرضية والذى كتب أنّ القمر رغم انجذابه للأرض لا يقع عليها مثل التفاحة. والسبب أنّ هناك قوة أخرى مماثلة تجذبه هو والكواكب الأخرى فى حركة بيضاوية دائمة حول الشمس . وربطتْ بين أبحاث نيوتن فى الضوء وأبحاث العالم العراقى حسن بن الهيثم الذى عاش فى القاهرة. واختتمتْ الجزء الأول بالحديث عن (مشوار اليوتوبيا) من سقراط إلى نيوتن . وأنّ المدينة الفاضلة لن تتحقق إلاّ بالأسلوب العلمى وبارتقاء الفكر الإنسانى. وأنّ المعارف لا تأتى من فراغ وأنّ ((كل المعارف يرتبط بعضها ببعض . والاكتشافات ما هى إلاّ حلقات متصلة. وهذا يعنى ضرورة التعرف على إسهامات كل من يخوض معركة الفكر قبلنا)) وإذا عدنا من الصفحة الأخيرة إلى الصفحة الأولى حيث ذكرتْ كتاب توماس مور (اليوتوبيا) عن المجتمع المثالى الذى يسمح باحترام وتقبل الغير المختلف ، فإننا نكون قد حققنا حلم البشرية فى تأسيس مجتمع ((أكثر إنسانية يؤكد على كرامة وقيمة الإنسان))
وكانت المؤلفة موفقة عندما بدأتْ الجزء الثانى بالحديث عن ديكارت . ولخـّصتْ للشباب أهم محاور فلسفته ((إعمال العقل هو روح الوجود. لابد أنْ يتبع التفكير الأسلوب العلمى المبنى على المنطق . الكمال يستدعى من الإنسان الإصرار- الإرادة - للتغلب على ضعف الذات)) ورغم أهمية دور ديكارت فإنّ أنطونيو داماسيو البروفيسور فى طب الأعصاب انتقده لفصله التعسفى بين العقل والجسد . وناقش دور العاطفة فى عملية التعقل من خلال ما توصل إليه العلم الحديث. ثم ربطتْ المؤلفة الأبحاث الحديثة بمعرفة المصرى القديم بالمخ والوصف الدقيق له فى بردية (إدوين سميث) وأنّ المخ هو مركز الوعى . ومع ذلك وقع اختيار المصرى على القلب إذْ رأى بفطرته أنه الأقرب إلى مفهومه عن العقل . فأصبح القلب مركزًا لحكمة الإنسان ومدى صدقه أو زيفه. ولذلك كتبتْ د. مرفت ((خطأ ديكارت لا يكمن فى مقولته : أنا أفكر إذن أنا موجود. وإنما الخطأ هو إرجاع المسألة كلها إلى المخ والتنكر لأهمية الجسد . وليسمح لى ديكارت أنْ أقول : أنا أشعر. إذن أنا أفكر. إذن أنا موجود)) وتضع صورة لجدارية (حساب الميت) وصورة ل (عين حورس) مع شرح لعلاقة البصر والبصيرة فى الفلسفة المصرية القديمة. وشرحتْ تاريخ (الماجنا كارتا) مع صورة للبرلمان الإنجليزى ، ومعنى (الليبرالية) ودور جون لوك وهيوم فى ترسيخ الحرية . ثم دور توماس بن فى التمهيد للثورة الأمريكية التى حصلتْ فيها أميركا على استقلالها عن بريطانيا ، مع الحديث عن الثورة الصناعية وتاريخ تحرير العبيد وميثاق حقوق المرأة. أما عن الثورة الفرنسية فإنّ د. مرفت أفردتْ عدة صفحات للحديث عن دور الفلاسفة فى التمهيد لها. وأوضحتْ أنّ فولتير كان يرى تغيير الوضع القائم عن طريق نشر الأفكار التنويرية دون اللجوء إلى العنف. وأشارتْ إلى أهمية رواية ديكنز (قصة مدينتيْن) عن الثورة الفرنسية. وبأسلوب سلس أخذتْ قارئها الشاب من الثورة الفرنسية إلى الحملة الفرنسية على مصر ودورها فى التنوير المصرى. وكتبتْ عن ديدرو الذى كتب أول (موسوعة للمعرفة) مع صورة للمكتبة. وكما عانى فولتير من ملك فرنسا ، عانى ديدرو أيضًا من الاضطهاد لدرجة أنّ بعض فصول الموسوعة تم طباعتها تحت التهديد وفى مطابع سرية. وهذا ما جعله يقبل عرض الامبراطورة الروسية كاترين التى دعته إلى قصرها ليُعلمها الفكر والفلسفة ويساعدها فى أنْ تجعل من بطرسبرج اسكندرية الشمال وتـُتوج نفسها كليوباترا جديدة على عرش ثقافة العصرالحديث.
وفى الجزء الثالث شرح مبسط لفلسفة هيجل وماركس الذى كان يتوجـّه يوميًا من بيته فى لندن إلى المكتبة البريطانية التى كانت مُلحقة فى ذلك الوقت بالمتحف البريطانى مع صورة للمتحف. وبأسلوب مُبسط شرحت تطور علم الطاقة. وموجات الراديو واكتشاف الأشعة السينية ودور(بيركورى) وزوجته مارى كورى فى اكتشاف المواد المشعة مع صورة لمتحف فولتا فى إيطاليا . ثم دور أينشتاين فى اكتشاف الذرة وقانون النسبية. وصورة ل (لويز باستير) الذى اكتشف البكتيريا فى معمله. وصورة للمتحف الطبيعى فى لندن. أما الفيلسوف الإنجليزى رسل فإنه ((تظاهر ضد تسلح بريطانيا نوويًا وتظاهر ضد حرب فيتنام)) وهكذا ربطتْ د. مرفت بين تقدم العلوم الطبيعية ودورالفلسفة والأدب فى تعميق الشعور بالنزعة الإنسانية التى ترفض التعصب والحروب إلى حياة إنسانية أكثر رقيًا . لذلك لا أغالى إذا قلتُ أنّ موسوعتها الموجهة للشباب لو تم تدريسها فى المدارس الثانوية والجامعات ، فإنها ستـُغير الكثير من أفكار الشباب ، بحيث تكون لدينا أجيال جديدة تنبذ التعصب فى رحاب التعددية .
***



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن