فقر الديالكتيك

يعقوب ابراهامي

2015 / 5 / 3

Common sense is the collection of prejudices acquired by age eighteen
Albert Einstein

دائماً زعمتُ أن ماركسيي الفول والشعير (عن "ماركسيي الفول والشعير" - راجع مقالاتٍ سابقة) هم آخر من يرون "ديالكتيك" عندما يلتقون به في الشارع. وهذا هو بالضبط ما حصل في الآونة الأخيرة على صفحات "الحوار المتمدن".
ما هو أكثر "ديالكتيكي" من القول أن "لا شيء" هو "شيء" وأن "الشيء" هو "لا شيء"؟
هل كان أنجلز "ديالكتيك الطبيعة" يحلم بمثالٍ ل-"قانون نقض النقيض" الخرافي أفضل من نقض "الشيء" ب-"لا شيء" ونقيض ال"لا شيء" ب-"شيء"؟
وما هو "صراع الأضداد" إن لم يكن صراع "الشيء" ب-"لا شيء"؟
كل ماركسي فول وشعير حقيقي سوف يقول إن هذا هو "الديالكتيك" بعينه. ديالكتيك صرف.
ومع ذلك فإن هذا "الديالكتيك الصرف" أغضب واحداً من أبرز ممثلي ماركسيي الفول والشعير.

عندما سألني الزميل عبد الرضا حمد جاسم كيف يمكن "خلق شيءٍ من لا شيء" أجبتُه: "لا حظ أيضاً إن "لا شيء" في لغة الفيزياء الحديثة هو ليس نفس ال"لا شيء" في لغة سوق الشورجة أو في اللغة القوجمانية أو في لغة الأدب والشعر". وهذا كان كافياً.
يا لبؤس هذه الفيزياء (الحديثة). ففي هذه الفيزياء يعني اللاشيء "شيئا." - كتب حسقيل قوجمان في دفاعٍ مستميت عن سوق الشورجة. ولكي لا يدع مجالاً للشك أضاف: "ان سوق الشورجة لمن لا يعرف تاريخ العراق كان السوق الحيوي اليومي الرئيسي في بغداد في ايامنا والسوق العراقي الرئيسي ولغة سوق الشورجة هي لغة الشعب العراقي ومن دواعي الشرف العظيم ان تقرن اللغة القوجمانية بلغة سوق الشورجة ولغة الادب والشعر. في لغة سوق الشورجة تعني عبارة لا شيء لا شيء اطلاقا. ولكننا نتعلم من التعليق اعلاه ان اللاشيء في فيزياء المعلق (البائسة) الحديثة لها معنى اخر غير معناها في لغة سوق الشورجة."
ليس واضحاً بالضبط لماذا يرى حسقيل قوجمان في القول أن لغة الفيزياء تختلف عن لغة سوق الشورجة إهانةً للشعب العراقي أو لأهل سوق الشورجة. لكل علمٍ لغته الخاصة. لكل علمٍ (وللفيزياء والرياضيات على وجه التحديد) مصطلحاتٍ فنية تجد معناها الحقيقي في إطار النظرية العلمية لذلك العلم وتفقد كل معنى لها، أو تُفهم بشكلٍ آخر تماماً، خارج النظرية العلمية المعينة. وإذا كان حسقيل قوجمان يستطيع أن يكتب مقالاتٍ جدية، تُعالج قضاياعلمية وفلسفية، بلغة سوق الشورجة فإن ذلك يدفعني فقط إلى الإعجاب به. (أو ربما هذا هو سر اللغة القوجمانية؟ هل لأن حسقيل قوجمان يكتب مقالاته بلغة سوق الشورجة يصعب فهمه في أحيانٍ كثيرة؟ هل هذا هو الذي دفعني إلى أن أطلق اسم "اللغة القوجمانية" على لغة كتاباته؟ هل "دقة" الميزان اليدوي في سوق الشورجة هي التي تقف وراء مقولته الشهيرة: إن علم الماركسية لا يقل دقةً عن علم الفيزياء؟)

" في لغة سوق الشورجة تعني عبارة لا شيء لا شيء اطلاقا" – يقول حسقيل قوجمان. وهذا صحيح. المشكلة إن هذا هو ليس ما تقوله الفيزياء الحديثة لأنه (وشكراً للزميل مالوم ابو رغيف على الترجمة ويعذرني على بعض التصرف بترجمته): "بالنسبة للفيزيائي لا يوجد فضاء خالٍ، فالفراغ ليس خاليا على الاطلاق (لسبب واحد على الأقل هو أنه يمكن احناءه) - (كيف تشتري نصف كيلو "فراغ منحني" في سوق الشورجة؟ - ي. أ.). وحسب نظرية الكم، فان الفراغ، في كل مكان وبصورة دائمة، ينتج ما يسمى بأزواج من الجزئيات الافتراضية. هذه هي أزواج من الجزيئات والجزيئات المضادة، او أزواج من الفوتونات ( أي حزم من الطاقة الضوئية)".
(راسل ستانارد، عالم فيزياء، في كتابه: "النسبية – مقدمة موجزة جداً")

في لغة السوق (كل سوق) تعني عبارة لا شيء لا شيء اطلاقا. أما في لغة الفيزياء الحديثة (والبائسة في نظر حسقيل قوجمان) فإن عبارة "لا شيء" لا تعني "لا شيء اطلاقاً" بل تعني "لا لاشيء إطلاقا".
قد يبدو هذا غريباً بل غريباً جداً ومنافياً ل"المنطق السليم". ولكن البرت آينشتاين سبق أن حذر من "المنطق السليم" في الاقتباس الذي تصدر هذا المقال والذي كنتُ أود أن أترجمه إلى اللغة العربية لولا أنني لا أعرف ما هي الترجمة الدقيقة لعبارةcommon sense في اللغة العربية.
الحقائق العلمية (بخلاف الأفكار والنظريات الفلسفية) مفروضة على الإنسان العاقل. بمعنى أنه ليس أمام الإنسان العاقل حرية الإختيار بين رفضها أو قبولها. يستطيع طبعاً الإنسان المفكر أن يناقش صحة النظرية العلمية وأن يحاول تفنيدها أو تطويرها أو استبدالها بنظريةٍ أخرى. هكذا يتقدم العلم. ولكن لكي يستطيع الإنسان العاقل والمفكر أن يفعل ذلك عليه أن يكون مسلحاً بأكثر من كتابٍ ضحل كتبه خريج مدرسة لاهوت في الثلاثينات من القرن الماضي، أو كتابٍ مليء بالأخطاء كتبه "عالم ديالكتيك" في القرن التاسع عشر. وأهم من ذلك كله عليه أن يكون مطلعاً على آخر إنجازات العلم الحديث وأن يكون ضليعاً بأكثر من لغة سوق الشورجة.
لا النظرة الفلسفية هي التي تقرر صحة أو عدم صحة النظرية العلمية. بل، على العكس من ذلك تماماً، الحقائق العلمية والنظريات العلمية هي التي يجب أن تحدد موقفنا من النظرة الفلسفية. و"الدفاع" عن المادية لا يكون بإنكار، أو تجاهل، الحقائق العلمية.

فرانك كلوس هو بروفسور للفيزياء في جامعة أوكسفورد. في كتابٍ ممتع تحت عنوان: NOTHING، نُشِر عام 2009، كتب هذا البروفسور 157 صفحة من الحجم الصغير عن لا شيء.
وبعد أن يستعرض تاريخ الفكر البشري حول الموضوع منذ أيام الإغريق القدامى حتى يومنا هذا، يقدم عالم الفيزياء فرانك كلوس الجواب الذي تعطيه اليوم فيزياء الكوانتوم (أو ربما أحد الأجوبة حتى إشعارٍ آخر) على سؤالٍ عمره كعمر الفكر البشري كله: من أين أتى كل هذا؟
والجواب هو: Everything came from nothing
كل شيء أتى من لا شيء.
فيزياء الكوانتوم لا تستبعد أن يكون كل شيءٍ قد نبع من تذبذب كوانتي في فراغٍ كوانتي عميق. (لا تسألوني ماذا يعني ذلك.)
"ومع ذلك" – يُنهي عالم الفيزياء كتابه – "يبقى اللغز المحيِّر: من كتب شفرة الكوانتوم في الفراغ (Void)؟"
أما أنا فأختم هذا الجزء من المقال بالقول: هناك أسئلة لا جواب عليها. وهذه طبعاً هي وجهة نظر فلسفية لا حقيقة علمية.

E=MC2 : أشهر معادلة في القرن العشرين أو ربما في التاريخ البشري كله

https://www.google.co.il/search?q=e%3Dmc2&biw=1280&bih=592&tbm=isch&tbo=u&source=univ&sa=X&ei=1tNFVbTSNsTm7gbd5IEI&sqi=2&ved=0CDMQsAQ

بعد أن كشف عن بؤس فيزياء الكوانتوم ("يا لبؤس هذه الفيزياء الحديثة")، وبعد أن أنزل ضربة قاضية بنظرية النسبية ("ان الزمان حاجة بشرية وليس حاجة كونية")، تفرغ حسقيل قوجمان ليصفي الحساب مع آينشتاين نفسه ومع معادلته الشهيرة e=mc2.
هذه المعادلة (أو على الأقل الفكرة التي تقف وراءها) لم يكتشفها أينشتاين – يقول حسقيل قوجمان. هذه المعادلة كانت معروفة (أو على الأقل استُخدِمت) زمناً طويلاً قبل أن يولد آينشتاين. لا تصدقون؟ إقرأوا ما يلي:
"فالطاقة البخارية (!!!) مثلا هي الماء نفسه تحول الى طاقة بخارية نتيجة ارتفاع درجة حرارة الماء. . . وهذه الطاقة في الواقع هي مادة الماء ذاتها وليست لا شيء بموجب الفيزياء الحديثة. والكشكوش في هذا التعليق (حسقيل قوجمان يشير هنا إلى تعليق لي حول المعادلة e=mc2 - ي. أ.) يتهم (!!!) أن اينشتاين اثبت ان من الممكن تحويل الطاقة (كل طاقة) الى مادة والمادة الى طاقة وفقا للمعادلة E=MC2. ان تحول الطاقات من بعضها الى بعض والى المادة حركة طبيعية تجري في الطبيعة بالاستقلال عن الانسان وعن دماغه. وكما في الكثير من العلوم نجح الانسان في تحويل الطاقات الى مواد قبل ان يعرف كلمة الطاقة ويميزها عن المادة كما تكلم النثر طوال حياته قبل ان يعرف كلمة النثر. والعلم اكتشف امكانية تحول الطاقة الى مادة وتحول المادة الى طاقة ربما قبل ان يولد اينشتاين. لا اعرف التاريخ الدقيق لهذا الاكتشاف ولكن الكتابات عنها كثيرة. وفي تاريخ الفيزياء القديمة، فيزياء لغة سوق الشورجة، مثل رائع على تحويل الطاقة الى مادة وبالعكس. ففي فيزياء سوق الشورجة، الفيزياء القديمة، نجح واستطاع جيمز واط في 1784 تحويل الطاقة البخارية التي هي صورة من صور مادة الماء الى طاقة حركية ونجح في جعل هذه الطاقة الحركية تحرك مادة اسمها قطار كانت اول قطار في تاريخ الصناعة البريطانية ويمكن اعتبار ذلك بداية الثورة الصناعية في بريطانيا."

أكثر ما يعجبني هنا هي هذه "الطاقة البخارية". هذا هو بالضبط الفرق بين لغة الفيزياء ولغة سوق الشورجة.
من الصعب جداً العثور على جملة صحيحة واحدة في كل هذه القطعة المقتبسة. عدد الأخطاء العلمية فيها يكاد يزيد على عدد كلماتها. أما كمية "الديالكتيك" فصفر.
جيمس واط ، عزيزي حسقيل قوجمان، لم يحول مادة إلى طاقة بل حول طاقة حرارية إلى طاقة حركية. لا أعرف أين قرأتَ (وأنا أقتبس): "إن العلم اكتشف امكانية تحول الطاقة الى مادة وتحول المادة الى طاقة ربما قبل ان يولد اينشتاين". هل قرأتَ ذلك في كتاب "ديالكتيك الطبيعة" لأنجلز؟ لا تعتمد على هذا الكتاب. هذه نصيحة من صديق يريد مصلحتك.
متحدث بلغة سوق الشورجة يستطيع بسهولة أن يقول: "إن الطاقة البخارية هي الماء نفسه تحول إلى طاقة بخارية" ويخرج من السوق حياً. لكن فيزيائي يسمع ذلك في المختبر قد يُصاب على الفور بسكتة قلبية. وأنا لا أتكلم هنا فقط عن اكتشاف (أو ربما اختراع) طاقة جديدة يسميها حسقيل قوجمان الطاقة البخارية.
ليست هناك أية علاقة تربط جيمس واط بآينشتاين (عدا طبعاً العلاقة التي أشار إليها كينز مرةً عندما قال: كلنا في نهاية الأمر نموت).
لا علاقة أبداً بين الأفكار وراء المحرك البخاري الذي اخترعه جيمس واط والأفكار وراء المعادلة التي وضعها ألبيرت آينشتاين. وهنا أريد أن أشير إلى ظاهرة لاحظتها كثيراً في كتابات ماركسيي الفول والشعير: هم لا يرون القفزة النوعية في التطور - وليس في تاريخ الأفكار فقط. ففي الموضوع الذي نحن بصدده حسقيل قوجمان يرى في المعادلة e=mc2 استمراراً طبيعياً للمحرك البخاري وليس قفزةً نوعية في تاريخ الفكر البشري.
لا أريد أن أدخل في تفاصيل المعادلة e=mc2. هذا المقال ليس درساً في الفيزياء (وإضافة إلى ذلك عليِّ أن أقول، من باب التواضع المصطنع على الأقل، أنني لستُ ضليعاً في الموضوع). لكنني أريد أن أنبه إلى غلطةٍ شائعة، غير مضرٍة في أغلب الأحيان إذا صدرت عن شخصٍ يتكلم لغة الفيزياء، لكنها قد تضر كثيراً عندما تصدر عن شخصٍ لا يفهم سوى لغة سوق الشورجة.
أغلب الناس يظنون أن الحرف M في المعادلة (E=MC2) يشير إلى الحرف M في كلمة Matter (مادة). لا. الحرف M في المعادلة (E=MC2) يشير إلى الحرف M في كلمة Mass (وترجمتها غير الموفقة للغة العربية هي: كتلة).
المعادلة e=mc2 تعبر عن تكافؤ الكتلة والطاقة (energy-mass equivalece) وهي تنبع مباشرةً من النظرية النسبية الخاصة (لا جيمس ولا واط).
فكرة تكافؤ الكتلة (mass) والطاقة (energy) لم تكن معروفة قبل أن يتوصل إليها آينشتاين (في إطار النظرية النسبية الخاصة) ويعلن عنها عام 1905. استخدامها العملي جرى لأول مرة في القنابل الذرية التي ألقِيت على هيروشيما وناغازاكي وعجلت بذلك في إنهاء الحرب العالمية الثانية.
المحرك البخاري الذي اخترعه جيمس واط يحول الطاقة من شكلٍ إلى آخر. أما المفاعل النووية لتوليد الطاقة الكهربائية فتحول المادة (نحن نستمر في استخدام المصطلح الخاطئ) إلى طاقة. وهي تفعل ذلك بالضبط وفقاً لمعادلة آينشتاين الشهيرة: E=MC2. جيمس واط لم يحلم بذلك. وكل الكتابات الكثيرة التي قرأها حسقيل قوجمان حول تحول المادة إلى طاقة والطاقة إلى مادة "قبل أن يولد آينشتاين" هي وليدة خياله الخصب.

خرافهٌ ديالكتيكية عتيقة تقول: لا مادة بدون حركة ولا حركة بدون مادة. معادلة آينشتاين e=mc2 (التي تعني كما قلنا تكافؤ الكتلة والطاقة) تجرد هذه المقولة من كل معنى حقيقي وتحولها إلى عبارةٍ جوفاء. لكن هذا هو موضوع لمقالٍ آخر لا تنتظروه قريباً.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن