من أين جاءت داعش؟

أيمن عامر
aymenamer75@yahoo.com

2015 / 2 / 28

من أين جاءت «داعش»؟

يوشك أن تكون لفظتا «الإرهاب» و«الإسلامي» متلازمتين في تصور العقل الجمعي لعامة غير المسلمين. وقد ترسّخ ذلك بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ثم ازداد ترسخاً بأحداث «شارلي إبدو».
ورغم نفي المسلمين التهمة عن أنفسهم، بل رغم نفي كثير من غير المسلمين التهمة عن عامة المسلمين وعن الإسلام نفسه كدين وإلصاقها بطائفة قليلة إرهابية تتخذ العنف وسيلة لها ومنهجاً، فإن ذلك لم ينجح في إزالة تشويش الصورة من حيث اقتران الإرهاب بالإسلام. إذ، مع الأسف الشديد، صار اقتران العنف والتفجير والإرهاب وترويع الناس وقتلهم دون تمييز بالمسلمين أمراً شبه بديهي.
لقد سارع العديد من رجال الدين الإسلامي وعقلاؤه بنفي التهمة عن الدين الإسلامي وعن المسلمين وتصدير القول إن الإسلام دين رحمة وعدالة وتسامح، وإن هؤلاء الإرهابيين فئة ضالة لا تعبّر عن الإسلام ولا تمثل المسلمين، بل سارع غير قليل من المسلمين إلى القول بأن الإرهاب هو صنيعة غربية بالأساس. فأمريكا، ومعها الغرب، هي التي دعمت الدواعش وأمدّتهم بالمال والسلاح من أجل اللعب في المنطقة، ومن أجل تبرير تدخلهم ودفع المنطقة إلى صراعات جهنمية هدفها الأساسي زيادة إرباك المنطقة وإشعالها وإضعافها.. بل ذهبوا إلى القول بأن أحداث «شارلي إبدو» لابد أن تكون من صنيعة أجهزة مخابرات غربية خبيثة.
غير أننا، ومع الأسف ومع مسارعة الناس شرقاً وغرباً مسلمين وغير مسلمين إلى نفى التهمة عن الدين الإسلامي وعن المسلمين، نجد من الإسلاميين مَن يسارع بتبني المجزرة ويتوعّد بمتابعة التفجيرات حتى يرتدع الغرب، وحتى يعلموا أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، فيهدمون بصنيعهم هذا ذلك البناء الهش الذي يحاول المعتدلون من الطرفين بناءه، أعني القول بأن الإسلام والمسلمين براء من العنف والإرهاب وقتل الأبرياء.
ووسط هذا الضباب الكثيف ووسط كلام كثير وجدال عنيف متواصل والنفي ومحاولة الإثبات من الطبيعي أن يتساءل الناس عن الأمر.. ما علاقة العنف بالإسلام، ولماذا يفعل هؤلاء الناس، أعنى الإرهابيين، ما يفعلون، وبماذا يبررون أفعالهم الحمقاء، وما مرجعياتهم؟
ويجادل الكثير من عامة المسلمين وخاصتهم ومن غيرهم بأن العنف ليس حكراً على الإسلام والمسلمين وأنه موجود ومشهور ملموس عبر تاريخ الإنسان، بل بأنه كان محركاً مهماً، شئنا أم أبينا، من محركات الصراع البشري عبر تاريخ دموي طويل من الصراع على المطامع والمكتسبات.
وانقسم الناس فريقين كبيرين: الأول يقول إن «داعش» خير ممثل للإسلام، والآخر يقول إن الدواعش لا علاقة لهم بالإسلام، بل هم زرع خبيث هدفه تشويه صورة الإسلام والإساءة للمسلمين.
ثم رأينا من يفرق بين الدين في ذاته من جهة وبين أتباعه من جهة ثانية، رافعاً راية تقول إن الإسلام كدين لا يحض إلا على مكارم الأخلاق، أما المتدينون فإن منهم من يسيء للإسلام بحمقه وجهله وسوء تصرفه.
وهناك من يصر على ضرورة تحديد ماذا نعني بالإسلام كي نكون على بيّنة من الأمر، هل هو مجرد نصوص منفصلة، أم هو ناتج تفاعلات اقتصادية واجتماعية وسياسية فيما بينها من ناحية وفيما بينها وبين النصوص من ناحية ثانية.
فإذا قال قائل: هؤلاء لا يمثلون الإسلام، قيل له: ومَن الذين يمثلونه إذن؟
وهنا يبرز سؤال ضخم: ما هو الإسلام.. ومن هم المسلمون؟
وأظن أنه عند هذه المرحلة من النقاش لابد من النظر إلى الأمر من ناحيتين.. الأولى: الإسلام ممثلاً بنصوصه الأساسية ومبادئه الكبرى.. والإسلام منظوراً إليه في تاريخه الطويل عبر تصرفات أتباعه.. فماذا نرى؟
هل يتحرك هؤلاء الإرهابيون في فراغ، وهل يقولون نحن لا نمثل إلا أنفسنا، أم أنهم يقدمون أنفسهم على أنهم مسلمون مخلصون يريدون تطبيق توجيهات الإسلام على الأرض بعيداً عن أولئك المتهاونين والمتخاذلين؟
والإشكال الذي يواجهنا هنا أن أحداً، لا من كبار المسلمين ولا من صغارهم، لا يستطيع نفى صفة الإسلام عن هؤلاء الإرهابيين وإلا وقع في الفخ الذين ينصبه الإرهابيون أنفسهم.. وغاية ما يستطيعه المسلم المعتدل الحريص على تصدير صورة نقية عن دينه أن يصف هؤلاء المتشددين بأنهم أساءوا فهم الدين فأساءوا إليه وإلى أتباعه.. أي أنهم مسلمون مخطئون يبتعدون بدرجة أو أخرى عن صحيح الإسلام.
وهنا يجد الرد المفحم من أولئك المتشددين: بيننا وبينكم كتاب الله وسنة نبيه.. ماذا تجدون؟!
ومع الأسف فإن الإجابة غير مريحة.. وهى في الغالب في غير صف المعتدلين.. وسوف نوضح ذلك بعد قليل.
وهناك من يركز نظره، كما قلنا، على تفاعلات اقتصادية واجتماعية وسياسية معينة يرى أنها هي التي أنتجت هذا العنف، منها القمع ومناخ انعدام الحريات الذي تشهده المجتمعات الإسلامية.. وإحساس المسلمين، خاصة الملتزمين، بالضعة والذل واستعلاء الآخر الغربي الكافر عليهم واحتلال بلادهم وضعف شوكة الإسلام والمسلمين وما يعانون من الذل والخضوع لإرادة هذا الغربي المستعمر شديد البطش.. وهنا تلعب في مخيلة هذا المسلم قرون طويلة فيما مضى من العزة والمجد والغلبة للإسلام والمسلمين حتى أيام الخلافة العثمانية التي لم يكف جيشها عن الغزو والفتح والسبي وكسب المغانم وتهديد المجتمعات الغربية وصون دولة الإسلام.. إلا أن هذا المسلم يرسخ، من حيث لا يدري، تلك النظرة التي ترميه بالعنف والإرهاب والرغبة المحمومة في السيطرة والإخضاع.
والمحللون الذين يفكرون بهذا المنطق يحاولون قدر الإمكان ترسيخ ما يسمونه «الإسلام الإمبراطوري»، أي الإسلام في بعده السياسي والاجتماعي، قائلين إن هذا الإسلام أنتج خطابات عنيفة بطبعها وأنتج مدوّنة فقهية ترسخ للعنف والحرب والغزو وتدغدغ مشاعر المسلمين وتلعب في مخيلاتهم بمقولات العظمة والغزو والفتح. وأصحاب هذا المنطق يقولون إن الإسلام الإمبراطوري يحتاج إلى مراجعة جذرية لتنقيته من هذه الخطابات العقيمة الحاضّة على العنف والتي لم يعد لها مكان في زماننا هذا.. لكنهم لا يمدون الكلام إلى ما هو أبعد من ذلك خشية من مواجهة الحقائق المخيفة.
يحاجج المعتدلون بأن الإسلام دين رحمة ومحبة وتسامح، وأن صناعة العنف غريبة عليه.. حتى كان رأي الأزهر مؤخراً أنه لا ينبغي الرد على إساءة «شارلي إبدو» بإساءة مثلها تسيء للإسلام أكثر، وتضره بأكبر مما تفيده.
ويحاجج المتشددون بأن هؤلاء هم فقهاء السلطان المتخاذلون المتهاونون في شأن دينهم.
والمسلم العادي ماذا يفعل؟ إنه يسمع لهؤلاء وهؤلاء متأرجحاً. غير أنه، مع الأسف، إذا رجع إلى أصول دينه سيجد نفسه مضطراً لأن يقف في صف المتشددين.
في أيام الصور المسيئة منذ بضع سنين اجتاحت العالم الإسلامي مظاهرات حاشدة شعارها «إلا رسول الله»، ولو فُتح الباب لهذه الجموع الغاضبة لشهد العالم عنفاً غير مسبوق. غير أن الأمر لم يضع، فقد وجد المتشددون فرصتهم للتعبير عما كان يجيش في صدور هؤلاء المتظاهرين فانقضوا على رسّامي الجريدة وقتلوا محرريها وهم يرون أنهم انتقموا لرسول الله. يؤمن عامة المسلمين بأن النبي أحبّ إليهم من أهلهم وآبائهم وأبنائهم بل ومن أنفسهم. ولعلنا جميعاً نعرف المقولة الشهيرة: «فداك أبي وأمي يا رسول الله».
أما عن العنف في هذه القضية، فيكفي المسلم أن يفتح كتب السيرة ليقرأ عن مقتل كعب بن الأشرف، وعن أمر محيصة وحويصة، أو قصة قتل 700 أسير من بني قريظة في أقل من ثلاثة أيام، أو مقتل سلام بن أبي الحقيق الذي كان شيخاً هرماً بلغ من العمر أرذله وأنه إنما قُتل لأنه كان يؤذي النبي.. يكفيه أن يقرأ هذا ليعرف أن أمر قتل من يسبّ رسول الله ويؤذيه جائز بل محبب ومرغوب فيه.. بل ويصفق لمنفذي غزوة «شارلي إبدو».
ثم يكفيه أن يقرأ سيرة الإسلام في المدينة ليعرف أنها كانت عشرة أعوام من الغزو والحروب لتثبيت أركان دولة الإسلام بالقوة والغلبة وإعلاء كلمة الله وتطبيق شرع الله، ثم يمد ناظريه إلى تاريخ الإسلام الطويل ليرى أنه كان تاريخاً من الصراع الطويل المليء بالحروب والغزوات والسبي والرق.
ثم يقلب المسلم صفحات السيرة ليبحث عن قصة الجار اليهودي الذي كان يؤذي النبي ويضع القاذورات أمام بيته فينحيها النبي بيديه ثم يزور اليهودي حين مرضه فيعجب اليهودي بأخلاق النبي ويدخل في دينه، ثم يُتعب نفسه في البحث فلا يجد لها أثراً، بل يسمع من الإسلاميين من يقول له إنها قصة ملفقة لا تليق بأخلاق النبي، لأن فيها جبناً يتنزّه عنه النبي.
ولا يكاد النبي يوافيه أجله حتى ينشب الصراع بين المسلمين إلى أن تستعر حرب ضروس بين فريقين من المسلمين يقتل فيها آلاف المسلمين بعضهم بعضاً غافلين عن الحديث الذي يقول: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار».
وينظر المؤرخون والعلماء إلى هذه الأحداث فيسمونها فتنة وينهون الناس عن الخوض فيها، محاولين نفي المسئولية عن الطرفين المتنازعين المتقاتلين وإلقائها على عاتق شخص مشكوك في وجوده التاريخي يُدعى عبدالله بن سبأ.
ثم ينظر المسلم فيما بين يديه من الآيات والأحاديث ليجد المتشددين يصرون على قراءة آيات بعينها وتفعيلها من مثل:
«قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون».
«يا أيها النبي حرِّض المؤمنين على القتال».
« يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة»
«فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم».
وقول النبي: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» وقوله: «جعل رزقي تحت ظل رمحي»، وقوله لمعشر قريش: «لقد جئتكم بالذبح».
يقرأ المسلم كل ذلك من نصوصه الدينية مباشرة، ثم يعرف أن علماء المسلمين يكادون يُجمعون على أن آية السيف (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) قد نسخت كل آيات الصفح والمسامحة واللين مع غير المسلمين، فيكاد يرى أن المتشددين هم الأكثر صراحة ووضوحاً مع أنفسهم والأشد إخلاصاً لدين الله وأوامره، يغذيه في ذلك ما يسمع عن عظمة دولة الإسلام وقوتها وبأسها في الأيام الغابرة. أين أيام كان هارون الرشيد يقول للسحابة: شرّقي أو غرّبى سيأتيني خراجك ولو بعد حين.. هذا الرشيد الذي كان يغزو عاماً ويحج عاماً؟
وأين أيام الخلافة، أيام كانت دولة الإسلام مرهوبة الجانب قوية الشوكة لا يجرؤ عليها مجترئ؟!
بل أين هي دولة الإسلام أصلاً، وأين ذهب الجهاد؟! أليس هو فريضة.. لماذا صرنا إلى هذا الهوان؟! فلا يجد من يغيثه.
إن هؤلاء المتشددين لم يخترعوا هذا العنف من عند أنفسهم وهم لم يفرضوا على الناسسورتي التوبة والأنفال وغيرهما، ولم يتوهموا فريضة الجهاد، وليسوا هم الذين قالوا إن آية السيف تنسخ آيات التسامح وحسن المعاشرة. ويكفيهم ويكفي غيرهم فوق ذلك أن يقرأوا كتب السيرة وأخبار الغزوات وأحاديث القتال التى تزخر بها كتب الإسلام ديناً وتاريخاً.
يقول البعض، في معرض الجدال، إن هناك آيات كثيرة تحض على حسن المعاملة. نعم هذا صحيح، لكن هناك آيات التكفير والقتال والولاء والبراء. ومن حق المسلم أن يلجأ إلى هذه كما يلجأ إلى تلك. بل إن موقف المتشدد أقوى لأن أحداً لم يقل إن آيات التسامح، على قلّتها، تغلب آيات القتال وتنسخها، بل الذي قيل هو إن آية السيف نسخت أكثر من مائة آية من آيات التسامح وحسن المعاملة.
وما دام أهل الكتاب لا يدفعون الجزية عن يد وهم صاغرون فإن ثمة خطأ يجب تصحيحه وتهاوناً يجب الرجوع عنه.. أليس كذلك؟!
إن العنف والقتال والغزو، المسمى الجهاد في الفقه، يكاد يرافق تاريخ الإسلام منذ تأسيسه الأول وإلى يومنا هذا.
وفى الأوقات التي كان يكف فيها هذا العنف عن التوجه إلى الخارج في حروب توسعية كان يرتد إلى المجتمعات الإسلامية ذاتها في صراعات داخلية مريرة بين المسلمين وأنفسهم الذين انقسموا طوائف وشيعاً، بل بين أبناء الطائفة الواحدة.
وإن أخطر ما في الأمر هو إيمان المسلمين، قلّ عددهم أو كثر، بأن هذه الأوامر بالقتال والعنف وعدم موالاة الآخر وبغضه في الله هي أوامر دينه بل أوامر الله نفسه.. ومع الأسف سنجد صعوبة بالغة في تخطئته.

إن الأمر يحتاج إلى مراجعة جذرية في فهم الدين نفسه ووضعه على خريطة الدولة الحديثة ومكانته في المجتمع وحدوده ودوره في ظل دولة المواطنة والقانون. وإن أي كلام خارج هذا السياق سيكون من باب «الرغي» المستهلك لا أكثر ولا أقل.
وحسناً فعل الأزهر، وإن كان ذلك بعد ضغوط ومواجهات عنيفة، حين أعلن أنه سيكف عن تدريس مسائل الجزية والرق وملك اليمين لأنها لم يعد لها مكان اليوم.
هذا منطق جيد. فالأزهر ورجاله خير من يعلمون أن هذه الأمور، وإن كانت من صميم الدين، قد ولّى زمانها. وبهذا المنهج سيتم تلافي الكثير من المشكلات التي يخلقها التدين ويرمي بها المتشددون في وجوهنا.
وإذا لم يسارع المهتمون لأمر الدين بإعادة النظر في الكثير من المسلمات وإعادة تأويل النصوص وغربلة مدوّنة الفقه حسب إطار عقلي وثقافي معقول يساير العصر ويضع الإنسان نصب عينيه فإن الدين نفسه سيكون في مواجهة معركة صعبة لن يخرج منها سليماً.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن