صخرة الموت هي صخرة الحياة

طوني سماحة
toni_smeha@yahoo.com

2015 / 1 / 24

إنها صخرة الموت... إنها صخرة الرعب... إنها الصخرة التي حُفرت في ذاكرتها قصص اليائسين من الحياة...إنها الصخرة التي سالت عليها دموعهم قبل أن يرتموا في أحضان الموت علّهم يجدون لهم خلاصا من آلام الحياة...إنها الصخرة التي شهدت فراق الأحباء بعد أن اختار واحدهم الموت على الحياة...إنها صخرة الموت... إنها صخرة الرعب... إنها صخرة الروشة...

تقف الروشة عاتية على شواطئ البحر اللبناني. تبدو بقامتها الشامخة منفذ الخلاص لكل من خذلتهم الحياة. لا تخشى الأمواج العاتية ولا الرياح الصاخبة. لم تليّن قلبها أنات الأمهات أو دموع الأحباء. تطل الصخرة على البحر اللامتناهي الارجاء وكأنها تقول لليائسين "هناك وراء هذا البحر، هناك حيث تلتقي السماء بالارض، هناك حيث تغيب الشمس تجدون العزاء." وكل سنة يستمع الكثيرون لنداء الصخرة ويرتمون في أحضان الموج كيما يدفنوا في أعماقه آلامهم وخيبتهم ودموعهم وأحلامهم.

عندما شاهدت صخرة الروشة في الأمس شابا مقعدا يتجه إليها، ظنّته واحدا من ضحاياها. رأت فيه يائسا لجأ إليها كيما تخلّصه من إحباطات الحياة. رأت فيه شابا يحلم بالقفز الى أعماق اليم كما لم يقفز يوما في حياته. رأت عكازيه يتطايران في الهواء بعد أن رماهما كيما يتحرر منهما. رأت أحلامه تنتحر على شاطئ البحر قبل أن ينتحر جسده. وانتظرت الصخرة كلما تقدم الشاب خطوة، وحبس الريح أنفاسه، وتراجع الموج قليلا، وأصبح الموت سيد الموقف.

تقدم مايكل حداد ابن الثلاثة والثلاثين عاما نحو الصخرة وهو الذي يعاني شللا أفقده الحركة من صدره الى اسفل. كان يتكأ على عكازين ويرتدي جهازا تقويميا مصنوعا من حديد كي يقيه السقوط. يتقدم مايكل بعزيمة ثابتة، يضع رأس الصخرة نصب عينيه ويبتدأ التسلق.

عندما قرر مايكل الذي أصيب بحادث في السنة السادسة من عمره أن يمشي مرة أخرى سقط، لكنه نهض ومشى. عندما قرر صعود الدرج للمرة الأولى وقع وشعر بألم شديد، لكنه حاول إعادة الكرة مرات ومرات قبل أن ينجح. مشى مايكل مسافة 5000 خطوة كيما يزرع شجرة أرز. مشى مايكل ليتحدى الإعاقة ونظرة الكثيرين منا للإعاقة. مشى مايكل كيما يقول لنا أمورا كثيرة. مشى كيما يقول لنا أن السقوط قد يكون نهاية مرحلة ما من الحياة، لكنها بداية مرحلة أخرى نستطيع نحن أن نحدد مسارها. مشى كيما يقول لنا أن المثابرة تأخذنا أبعد مما ترسمه لنا مخيلتنا. مشى كيما يشفق علينا نحن الذين نظرنا إليه ذات يوم بعين الشفقة. مشى كيما يقول لنا أن الإعاقة ليست إعاقة الجسد وأن لكل واحد منا إعاقة ما عليه أن يحاربها. وأخيرا مشى مايكل كيما يقول للروشة "كفى". كفانا موتا. كفانا يأسا. مشى كيما يقول للناس أن الصخرة التي كانت ذات يوم رمزا للموت بإمكانها أن تكون رمزا للانتصار أيضا.

عندما توجهت جريدة النهار اللبنانية لتسأل مايكل عن هذا التحدي، "ابتسم قائلاً: "تخطيت الخوف من صعود درجة واحدة. قبلت الوقوع أرضاً لأقف من جديد. تصالحت مع واقعي. زرع الرب يسوع السلام الداخلي في قلبي. وقرّرت أن أترجم رسالتي بأفعال عدة".

سيّدي مايكل،
دعني أقول لك "سيّدي"، وأنا أعني ما أقول. أنا لا أستعمل هذه العبارة معك من باب المجاملة أو الأدب كما اعتدنا استعمالها مع من نصبناهم أنصاف آلهة في حياتنا، بل أقول لك سيّدي لأنك صارعت وحوشا وانتصرت. صارعت الاعاقة والخوف وعدم الثقة بالنفس وشفقة الناس وربما نظرتهم الدونية لك وانتصرت. نعم سيّدي، انتصرت بإيمانك وثقتك بنفسك و تفاؤلك وعزيمتك.
دعني أقول لك سيّدي، أننا نحن المعاقون. نحن الذين نظن أنفسنا أصحاء لسنا سوى ضحايا إعاقة الحقد والكراهية في مجتمعاتنا. نحن ضحايا إعاقة التخلف. نحن ضحايا إعاقة الإحباط واليأس والاستسلام. نحن ضحايا إعاقة الكبرياء وسكيزوفرينيا اجتماعية توحي الينا اننا خير أمم الارض.
أريد أن أذكرك، سيّدي، بواحدة من أساطيرنا ألا وهي أن خنزيرا بريّا هاجم ذات يوم الإله أدونيس وصرعه. لكن الاسطورة الحديثة تقول أن شابا مقعدا هاجم خنزير الإعاقة وصرعه. أنا اليوم أرفع قبعتي احتراما لك، احتراما لرجل خذلته رجلاه فسار بالايمان، حاول الشلل أن يحوّل ناظريه نحو الارض فرفع عينيه الى اعلى الصخرة، ليس صخرة الروشة فحسب، بل صخرة الصخور "يسوع". وتقبل مني احترامي.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن