التّعليمُ فِي تُونِسً من مِصْعَدٍ اجْتِمَاعِيّ إلى مَسْرَحٍ للْعبث السّياسيّ ..... أَضْرَبَ التَّلاميذُ ثُمَّ الأساتذةُ ..فماذا بعدُ ؟

محمّد نجيب قاسمي
mohamedneibguesmi@yahoo.fr

2015 / 1 / 22

التّعليمُ فِي تُونِسً من مِصْعَدٍ اجْتِمَاعِيّ إلى مَسْرَحٍ للْعبث السّياسيّ
أَضْرَبَ التَّلاميذُ ثُمَّ الأساتذةُ ..فماذا بعدُ ؟
1- مَثّل التعليم في تونس منذ الاستقلال والى حدود التسعينات من القرن الماضي تقريبا أولوية وطنيّة مطلقة حيث كانت تُخصّص له أكبر نسبة من ميزانية الدولة وكانت كل الأسر تستثمر ما بيدها من إمكانيات ولو شحيحة في سبيل تعليم أبنائها .وبذلك تمكّنت الدولة من تكوين ما تحتاجه من إطارات وكفاءات بشرية ذات تكوين متميّز في كلّ الميادين بعد أن كانت تستجلبها من فرنسا وبعض الدول العربية كمصر والجزائر بل إنها أصبحت تصدّر إلى البلدان الإفريقية والعربية وحتى الأوربية خريجي جامعاتها الذين يشهد لهم الجميع بالاقتدار والإجادة حيث حلّوا. كما تمكّنت أسر فقيرة عديدة من النجاح في تعليم أبنائها والبلوغ بهم إلى أرقى درجات العلم والمعرفة في الطب والفيزياء والهندسة والرياضيات والفلسفة والآداب والعلوم الاجتماعية والإنسانية المختلفة وكان منهم العالم والمخترع وحتى الوزير ورئيس الدولة .فشكّل بذلك التعليم مصعدا اجتماعيا هامّا حيث امّحت أمامه كل الفوارق الاجتماعية المعروفة فلا تمييز بين هذا وذاك سوى بالإقبال على الاجتهاد والمثابرة وسهر الليالي في طلب العلى .
انتشرت المدارس شيئا فشيئا منذ الاستقلال في المدن والقرى والأرياف وكانت منارة لآلاف التلاميذ الذين يأتونها من كل فجّ عميق حفاة عراة جياعا متخفّفين من حمل الثقيل من الأدوات المدرسية سوى من كراس وكتاب ولوحه خشبية وبعض أقراص وأعواد وأقلام .وكان المعلّم رسول الحضارة بامتياز فهو صاحب الوجه الصّبوح واللباس الأنيق والرائحة الزكية وهو المربي والمدرس والنصوح والموجه .وباختصار يكاد يكون رسولا .وكانت البرامج التعليمية خفيفة من حيث الكمّ ولكنها كانت عميقة في محتواها هادفة في توجّهاتها العامّة واعية بالمطلوب منها .
أمّا المعاهد الثانوية فرغم محدوديّة انتشارها وصعوبة بلوغها على الكثيرين بسبب امتحان " السيزيام " الشهير فقد كانت تهيئ للمجتمع ثلاثة أصناف من الناشئة .أولها الإطارات المتوسطة من معلمين وقيّمين وإداريين وغيرهم وثانيها أصحاب الحرف والصنائع من فنيين في الكهرباء والنجارة والصيانة والميكانيك وكذلك من ذوي المؤهلات في المحاسبة والتجارة والرقن والسكريتاريا وغيرها وثالثها الحاصلون على شهادة الباكالوريا والمقبلون على الدراسة الجامعية العليا.
ولذلك كان التعليم ينقسم إلى فروع هي المهني والفني والعام .ولكلٍّ برامجهُ وطرق تدريسه وامتحاناته وتوجهاته العامة .وكان التعليم العام منه مشتركا في سنواته الثلاث الأولى ثمّ يوجّه التلميذ بداية من السنة الرابعة منه إلى فروع الآداب و الرياضيات و العلوم و الرياضيات والتقنية .أما شعبة العلوم الاقتصادية فحذفت في أواخر السبعينات من القرن الماضي ثم عادت للظهور مجدّدا في العقدين الأخيرين .
ورغم الكثير من النقائص في البنية الأساسية و في البرامج والكتب المدرسية وطرق التدريس فقد كانت ملامح الدّارس في تلك الفترة ، فضلا عن النّاجحين الحاصلين على شهائد ختم الدروس المختلفة ، تدلّ جميعا على تكوينٍ صلب وحدٍّ أدنى من الاقتدار في اللغات والمعارف لا يمكن النزول عنه .
وكان الأستاذ ذا مكانة اجتماعية عالية ووقار خاصّ بما يتميز به من كفاءة في أداء مهامّه وحرص على الانضباط العام حيث نزل وبما يناله من راتب شهري محترم..
وفي الجملة نقول بكل ثقة واطمئنان إن التعليم في تونس كانت له أيّامه وكان له أهله من معلّمين ومتعلّمين وكانت الجودة عنوانه ومطلبه وكانت الشهائد التونسية في العالم لها مكانتها المرموقة.
2 – وخلال التسعينات من القرن الماضي دخلت السياسة في التعليم بكل قوّة ووضوح وشراسة . ومنذ البداية نشير إلى أنها ليست السياسة التي تدير الشأن العام وتتدبّره على أحسن الوجوه بل السياسة التي ترى في التعليم ، ذلك القطاع الاستراتيجي الذي يبني الأمم على مدى عصور ، ميدانا خصبا لخدمة أغراض وتوجهات سياسويّة خاصة ومجالا للتجاذبات والمزايدات والضغوط الدولية و الداخلية وسبيلا لتلميع الصورة والبحث عن الشعبية الزائفة .
وشهدنا موجة من التدابير و الاجراءات المتلاحقة وأبرزها :
- إعادة هيكلة التعليم إلى أساسي يدوم تسع سنوات وثانوي يمتد على أربع أخرى .
- حذف التعليم المهني والفني والترشيحي
- تعريب العلوم والرياضيات في الأساسي والحفاظ على تدريسها بالفرنسية في الثانوي
- حذف الامتحان الوطني المعروف ب"السيزيام " الذي يختتم المرحلة الابتدائية وجعله اختياريا
- إقرار امتحان وطني إجباري يختتم التعليم الأساسي في نهاية السنة التاسعة منه ثم تحويله إلى امتحان اختياري
- إنشاء مدارس ومعاهد نموذجية محدودة للمتفوقين
- محاولة بائسة في سد الفراغ الناتج عن حذف التعليم المهني والفني بإنشاء مدارس للمهن ثم تحويلها إلى مدارس إعدادية تقنية
- تذبذب في تحديد سنة التوجيه إلى الشعب التعليمية من الثالثة ثانوي قديما إلى الثانية ثانوي وما كان يعرف بالجذع المشترك إلى نهاية الأولى ثانوي حاليا
- ضبط صيغ جديدة للارتقاء في الباكالوريا بإدراج نسبة 25 بالمائة من المعدل السنوي ضمن المعدل النهائي وكان هذا في إطار " سياسة النجاح" الهادفة من جهة إلى إرضاء طلبات الباحثين الوهميين عن الاستثمارات الكبرى الذين حدّدوا سقفا عاليا للمناخ الاستثماري المتميّز وجب أن يتوفر فيه نصف مليون طالب جامعي ونسبة مردودية عالية للمؤسسة التربوية لا تقل عن 80 بالمائة في النجاح ومن جهة أخرى بترضية الشباب بشهائد لا يستحقها الكثيرون بل جنى عليهم الظفر بها الكثير من المآسي بدءا من تكاليف التعليم الجامعي إلى فشل الكثيرين فيه لأسباب شتّى إلى سنين البطالة والتعطيل الطويلة التي اكتوى بنيرانها الآلاف من الشباب .
- اعتماد سياسة الارتقاء الآلي في المرحلة الأولى من التعليم الأساسي (الابتدائي) التي أوصلت تلاميذ إلى الاعدادي لا يحذقون الكتابة ولا القراءة ولا الحساب .
- حشو التعليم الاعدادي والثانوي بمواد عديدة حتى لكأن التلميذ منذ الصباح الباكر إلى غروب الشمس وهو يتنقل من مدّرس إلى آخر.. والغريب أن الكثير من الدّروس تجدها تتكرّر من مادة إلى أخرى ومن مستوى إلى آخر حتى أننا نجد دروسا تلقّاها التلميذ في الابتدائي وفي الإعدادي وفي الثانوي معا..
وفي الجملة تراجع التعليم في تونس تراجعا بلغ به مرحلة التقهقر وكثر شاكوه وقلّ شاكروه ..ورغم ارتفاع نسبة المتخرّجين فإن الملمح العام الذي يقرّ به الجميع هو الضعف الفادح في التكوين العام فأصحاب الألسنة الفصيحة بكل اللغات فئة نادرة وذوو الأقلام الصائبة والمعبّرة لا نكاد نقرأ لهم ..وراجت في سوق التعليم بضائع جديدة رديئة لعلّ أخطرها ما يُعرف ب"دروس التدارك" فأفسدته وأفسدت أخلاق بعض أهله وكانت الحاجة وضيق اليد الدافع الرئيسي لذلك ..وتراجعت نظرة الإجلال والتقدير للمربي معلّما كان أو أستاذا. وبعد أن كان من النواة الصلبة للطبقة الوسطى أصبح متأرجحا بين الفقر والكفاف .ولعلّ ما يتندّر به التلاميذ عن ملابس المربي ومحفظته ووسيلة نقله ،إن كان يملكها ،أبلغ دليل على ذلك.
3- وفي زمن " الثورة " ، أَمِلَ الكثيرون في تدارك وضع التعليم في تونس ورأى عابثون عديدون المناسبة سانحة لبثّ السموم في المؤسسة التعليمية وتوظيفها للظّفر بالمكاسب السياسوية المقيتة .بيد أن الجميع فشل في ما رامه . فالآملون يسجّلون كل يوم بأسف عميق تقهقر المدرسة في تونس وبلوغها مرحلة الاحتضار سواء من حيث ما عليه المتعلم من حيرة وتيه وغياب أفق وفقدان مكتسبات أولية أساسية أو من حيث ما عليه المعلّم من وضع مادي ونفسي واجتماعي يليق بمكانته ومهامه وسلّمه المهني أو من حيث الإمكانيات والوسائل والبرامج المدرسية والطرق البيداغوجية التي تجاوزها الزمن وتقادمت وتهرّمت . أمّا العابثون فلم يجدوا في الجثة الهامدة ما به ينتفعون ..واعتمدوا طرقا أخرى في العبث ليست موضوع اهتمامنا في هذا الحديث.
ورغم مطالبة المربين في مناسبات عديدة وعبر هياكلهم النقابية بإصلاح المنظومة التربوية في تونس واستعجلوا المجتمع للقيام بذلك فإن الجميع لا يبالي بهذا الأمر أحزابا وحكومات وإعلاما ومجتمعا مدنيا ومواطنين .ولا يستفيق بعض هؤلاء من سباتهم سوى على وقع إضراب هنا أوهناك لأصحاب الشأن فيكيلون لهم التّهم والسّباب ثم يعودون ليغطّوا في نوم عميق لا يقطعه سوى خروج صوت قبيح منهم يتقرّبون به لهذه الجهة المانحة أو تلك.
واليوم بلغ الأمر منتهاه من التعقيد والتأزّم ولا من رشيد ..فهاهم التلاميذ في عموم المعاهد الثانوية تقريبا يضربون احتجاجا على الإجراءات الجديدة في الإسعاف بالنجاح في الباكالوريا وهاهم الأساتذة يضربون ليومين متتاليين قصد تمكينهم من مستحقاتهم المالية التي مضى عليها أكثر من سنة ومن أجل حقهم في الارتقاءات المهنية للسنة المنصرمة 2014 ومن أجل تحسين وضعهم المادي بما يتلاءم مع ارتفاع الأسعار وارتفاع نسبة التضخم وبما يعيد مكانتهم في سلم التأجير الذي اختل كثيرا على حسابهم .
وإزاء هذا لا نقرأ ونسمع سوى ردود ضحلة مهزوزة لا تقنع حتى أصحابها ولا تخرج عن إطار توضيح ما هو واضح و تكذيب بعضها البعض والتناقض بين التصريح والآخر بل بين جملة وأخرى في الخطاب الواحد ...
فمتى سنخرج من عنق هذا العبث بمصير أجيالنا القادمة ونحن نعبث بأهم قطاع في الأوطان والمجتمعات : قطاع التعليم والتربية؟
ولعلّ من النقاط التي يتوجّب حسمها نهائيا وبكل جرأة في أيّ إصلاح قادم نأمل أن يكون في القريب العاجل ما يلي :
أ – تحيين البرامج التعليمية وطرق التدريس والكتب المدرسية في الابتدائي بما يمكّن التلميذ في نهاية السنة السادسة منه أن يكون قادرا بوضوح على القراءة والكتابة والحساب باللغة العربية وبداية الاستئناس بالقراءة والكتابة بلغة أجنبية نحسم أمر اختيارها على أسس سليمة
ب- حسم أمر لغة تدريس العلوم والرياضيات .فنحن نعتمد منذ سنوات طويلة سبيلا غريبا عجيبا في هذا الأمر جعلنا في عنق زجاجة بين إرضاء فرنسا ودول الجامعة العربية في الخارج من جهة وبين إرضاء دعاة الهوية العربية الإسلامية ودعاة الفرنكفونية في الداخل من جهة أخرى ..وكان ضحية هذا الهراء ناشئتنا الغضّة التي تُدعى إلى متابعة درس الرياضيات في الإعدادي بلغتين في الوقت نفسه هما العربية والفرنسية والى الكتابة في اللحظة نفسها من اليمين إلى الشمال ومن الشمال إلى اليمين ..
فكيف يعقل أن يحدث هذا مع طفل بصدد تنمية مداركه العقلية والبدنية ؟
ويضاف إلى ذلك تدريس علوم الحياة والأرض والفيزياء بالعربية مع بعض الرموز والمصطلحات بالفرنسية ثمّ يُطوى كلّ شيء في هذه المواد ويدعى التلميذ إلى نسيان ما جرى به لسانه بالعربية ليكون الدرس كله باللغة الفرنسية رموزا ومصطلحات ومفاهيم في التعليم الثانوي ...ومن غريب ما يجري أن معظم ما تلقاه التلميذ من معارف في الأساسي باللغة العربية يعود إليه مجدّدا باللغة الفرنسية في الثانوي وخاصة خلال السنة الأولى .و يلقى معظم التلاميذ صعوبات أساسية بسبب ذلك وبمجرّد أن تذكر لهم المصطلح الغامض وما يتعلق به من معارف باللغة العربية يفهمون الظاهرة أو المسألة .
ج- يدعى التلميذ في تونس إلى دراسة اللغة العربية واللغة الفرنسية واللغة الأنقليزية بل نجد الكثيرين يتابعون في السنتين الثالثة والرابعة ثانوي مادة تكميلية أخرى قد تكون لغة رابعة كالألمانية أو الإيطالية أو الاسبانية أو غيرها من اللغات ..ويُنتظر وفق ذلك أن يحسن هذا التلميذ هذه اللغات جميعا وهذا ما نلمسه في برامج تلك المواد وكتبها وامتحاناتها . ونلاحظ في محصّلة الأمر أنّ معظم الحاصلين على شهادة الباكالوريا لا يحسنون لغة واحدة من تلك اللغات العديدة بل يعانون صعوبات جمة في التعبير والكتابة باللغة العربية اللغة الأمّ...
فأيّ تلميذ في العالم يجبر على دراسة أربع لغات ؟ وأيّ طاقة فذّة لتلميذنا في تونس وهو يذهب إلى الدراسة دون إفطار ويقضي الساعات الطوال متابعا مواد كثيرة ويجلس على مقعد غير مريح ويتابع دروسا على سبورات مليئة بالخدوش والجدرانُ حوله كئيبة ذات شقوق والنور الكهربائي خافت أو منعدم ولا من يحيط به نفسيا ولا اجتماعيا بل الجميع يسعى إلى التّخلّص منه بأيّ سبيل ؟
د- النهوض بوضع المربي من مختلف الجوانب مثلما هو الشأن في معظم بلدان العالم وخاصة ذات الصيت العالمي في رقيّ المنظومة التربوية وذلك حتى ينجز عمله على أحسن وجه ويتفرّغ لشأن التدريس عمليا ووجدانيّا وحتّى يلقى المكانة اللائقة التي توجّه إليه انتباه المتعلّم
ه- ضبط أسس دقيقة لمنظومة التقييم وجعل الامتحانات الوطنية مناسبة حقيقية للتقييم تختتم كل مرحلة محدّدة مع النّأي بنسب النّجاح عن الأغراض السياسية ومفاسدها .
ز- اعتبار إصلاح المنظومة التربوية شأنا مجتمعيا من واجب كل الأطراف وحقّها المشاركة في انجازه مع إعطاء الأولوية للمباشرين عن قرب لشؤون التعليم .
وقد يحتاج الحديث الى مزيد تفصيل وتدقيق .....



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن