من مذكرات معلم بالجنوب المغربي تازناخت 1987/ معلم يستحم وسط القرية

علي أحماد

2015 / 1 / 19

قد لا تصدقون هذه الحكاية التي سأرويها ، وإن فعل بعضكم فسيعتبرها مبالغة كاتب جمح به الخيال وتفاعل عاطفيا مع أحداثها الغريبة ، ومن كذبها فله عذره لأنه يعتقد – جازما - أن رجل التعليم لن يعرض حاله لهزء أهل القرية وسخريتهم ويسفه نفسه ويغامر بسمعته في مجتمع محافظ ومتقوقع تحكمه عادات وأعراف ويعتبر من تجاوزها يجاهر بالعداء ويعلن خروجه عن الجماعة ويستحق العقاب ، خصوصا إذا كان المذنب غريبا ومربيا ينتظر منه أن يكون قدوة لأجيال من الأطفال هم أمانة في عنقه، وعليه احترام الأهالي ليبادلوه نفس الشعور ويوفوه التقدير والتبجيل ويحفظوا قدره، ولكنهم الآن صاروا يعادونه ويتربصون به للثأر من فعلته الشنعاء....
كان سكان قرية إفنوان – إحدى فرعيات م/م أصديف – لا يقبلون في عناد أعمى أن يغتسل المعلم (ب- م) من مراكش في مرافق النظافة الملحقة بمسجد القرية ، أو ما يطلق عليه بالأمازيغية " أخربيش " لأنه لا يمارس الإيمان.. تارك للصلاة.. عربيد سكير ويدخن الحشيش ، وهي كلها مسوغات دامغة يسوقها الأهالي لتبرير المنع ، لكنه يرى أن له الحق في الإستفادة من خدمات المرفق في غياب حمام بالقرية وبعد القرية عن تازناخت ، وقلة المواصلات ولكونه مربي أطفالهم ومن سكان القرية بالقوة ، وعلى السكان أن يقدموا له المساعدة الممكنة واللازمة ليعيش مكرما بينهم . ما المانع من الإغتسال ب " أخربيش " وهو مكان لا يؤمه إلا الرجال ولن ينال من قدسيته معلم يريد أن يتخلص من الأوساخ والأدران؟؟
عرف أهل إفنوان بغيرتهم القاتلة على الحريم ويعتبرون محاولة الاختلاط بهن خطا أحمر واحترام التقاليد والأعراف واجبا ولا يمكن التنازل عنها تحت أي عذر، إلا أن المعلم تمسك برأيه وفي مشروعية مطالبته بحق منتزع وبعد أن أعيته الحيلة والحجة في إقناع أهل القرية عن العدول عن حكمهم الجائر سيركب موجة ردة فعل هوجاء واندفاعية ليكسر هذا المنع وقد رآه خادشا لسمعته وحاطا من كرامته ولن يقبل بمثل هذه الإهانة التي أساءت إليه ظلما وعدوانا . ظل الطرف الآخر يفاوض من موقع قوة لأنه يحتكم الى الأخلاق ولا يراعي ظروف الغريب المنبوذ ولكنه سيلقنهم درسا سوف تتناقله الألسنة ويطبع ذاكرة أجيال عدة ليضاف الى سجل التهم الأخلاقية التي ألصقت بالمعلم وجعلت الأهالي يقفون على مسافة من الحذر منه ، ويعاملونه على أنه من أبناء المدينة الذين فسدت أخلاقهم ونياتهم ولا تجني القرية من ورائه إلا المأساة....
هيأ له مكانا وسط القرية بعد أن دفا كمية كافية من الماء وبدأ يستحم . اجتمع حوله الأطفال وعلا صراخهم وارتفعت ضحكاتهم ، أنهى غسله وفر من المكان بعد أن توافد حشد هائل من ساكنة القرية استنكروا فعل معلم " أحمق" أفقده الإدمان على المخدرات صوابه ورشده. تداول السكان في النازلة وتبادلوا الرأي فيما هم صانعون ، حكماء القرية تدخلوا لينفض الجمع وتهدأ النفوس حتى لا يجرهم حنقهم وغضبهم الى ارتكاب أفعال لا تحمد عقباها . استغل المعلم إنشغالهم وامتطى دراجته النارية واتجه نحو تازناخت، ولما بلغ المكان اتصل بالدرك الملكي والقيادة وطرح أمامهم مشكلته وحيثياتها ، ومن حسن حظه أن مدير المجموعة ( ح .م ) من واد زم تواجد بتازناخت لقضاء مآرب عاجلة.... والحق أن المدير ذو شخصية قوية وكاريزما مناضل خبر دهاليز المخزن ويقف دائما الى جانب المعلم في حروبه الصغيرة مع السكان والتي تفرض عليه في أحيان كثيرة ويكون بطلها مضطرا ومكرها ... التحق السكان بالقيادة لوضع شكاية في الموضوع لكن المفاجأة أخرست ألسنتهم ، وعوض أن تبث القيادة في شكواهم إتهمتهم ب"الوشاية الكاذبة وإزعاج السلطات " ! لجأ المدير وفي اتفاق مبدئي مع القيادة بنقل المعلم من إفنوان وتعويضه بمعلم آخر وانتفى دليل ادعاء الأهالي .
رجع الأهالي الى القرية وهم يجرون أذيال هزيمة نكراء أدارها بحنكة ودهاء مدير "متمرس و " مخزن" يرى وقوفه الى جانب أسرة التعليم اعترافا بفضلها على الجميع.. ولا أظنه خرج من هذه القضية بخفي حنين! ولكن الأهم أن المعلم أفلت من العقاب ، وبقيت الحكاية ذكرى صراع بين الأخلاق الفاضلة والتهور...






http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن