عن الذاكرة وطرابلس.

علي لّطيف
salemalid@yahoo.com

2014 / 12 / 15

يوجد أولئك الناس الذين أراهم دائماً حولى أينما أتسكع بين شوارع طرابلس الضيقة ومقاهيها الكثيرة, هؤلاء لا أعرف عنهم شيئاً, ألقبهم بأسماء حسب أشكال أجسادهم وملامحهم السطحية "صاحب الشعر الطويل" أو "الرجل الذي يرتدي دائماً سروال القماش الرمادي" أو "الرجل الأصلع الذي يشبه حكم كرة القدم الايطالي" أو "الجميلة ذات المؤخرة الكبيرة التي تعمل في مصرف الصحاري في شارع هايتي".
مع مرور الوقت يصبح هؤلاء الناس جزء من ذكريات المدينة و واقعها, أحتار عندما لا أراهم, هناك شيء غريب في طرابس, فأتسائل : "أين ذهبوا, أتمنى أن يكونوا بخير." وغير ذلك من التسائلات والبلا البلا البلا.
في طرابلس هذه الأيام الكل معرض للاختفاء فجأة هكذا وأحياناً كثيرة إلى الأبد.
عندما تحدث صدفة غريبة جداً وأجد نفسي أتحدث معهم, أجد نفسي أكبح رغبة شديدة في أن أقول لهم : "أراكم كل يوم, عرفتوني؟", لكنِ أخاف سؤالهم فماذا لو لم ينتبهوا إليّ كما انتبهت أنا لوجودهم؟ لذا أختار أن لا اسألهم, وأختار تجنب القاء التحية عليهم عند رؤيتهم مجدداً, لقد قررت أنه عليّ أن اُبقى شيئاً محمياً من ذكرياتي داخل ذكريات المدينة, محمياً من النقد والتذكر الارادي, قراري هذا نابع من خوفي المستديم من أن أجن يوماً ما؛ صورهم المجردة من العاطفة تمنعني من الجنون, العاطفة أصبحت السبب الأول لجنون الناس في طرابلس, المشاعر المضطربة المتكررة تُدمر كل شيء عاقل فيك, لا تملك شعورا ثابثا بأي شيء, كل ما تعيشه يمكن أن ينقلب فجأة إلى شكل آخر, الحرب تفعل هكذا بالبشر.
الغرباء هم صخرتي التي أتكأ عليها كلما انتفض البحر وأغرقَ كل شيء, أصدقائي الغرباء هم الشيء الوحيد الذي لا أحمل اتجاهه أي مشاعر, وأرغب أن يبقى الأمر هكذا إلى الأبد.
كم اشتقت للعجوزة الشرق أوروبية التي تجلس دائماً تقرأ الكتب في مقهى الأورورا, أتمنى أنها لم ترحل كما رحل الجميع.

بعد حرب المطار كل شيء تغير بالنسبة لي, لم أجن وهذا أعده انتصاراً للإنسانية أولاً وهزيمة لي ثانياً. إن رؤية الشباب يقاتلون من أجل قبائلهم جعلتني أشعر بالغربة, أنا لا أنتمي, لم أستطع أن أنتمي لهذه الحرب. الشوارع كانت خالية والكل كان ينتظر نهاية الحرب, كل يوم كنا نسمع مزيدا من الأخبار حول الموت, قصص كثيرة احداها أثرت فيّ, أثارت فيّ ذكريات لم أكن أظن أنني أحملها, أحياناً يملك الإنسان ماضي لا يعرفه ولا يتذكره, أفكاراً قديمة تولدت جديدة من لحظات خارجة عن الوقت, القصة كانت على رجل يدعى إبراهيم.
إبراهيم كان يملك ستة كرمات (أشجار عنب), خلال الحرب إبراهيم كان يختبيء ليلاً في مخبأ صغير بناه في بداية الحرب, إبراهيم كان يأكل العنب وينام. في الصباح كان يستيقظ باكراً ويلتقط العنب ويضحك ثم يدخل الحمام ليقضي حاجته, "العنب يسبب الاسهال" قال لي. مع كل صوت انفجار كان إبراهيم يضحك. ظلّ إبراهيم في بيته إلى نهاية الحرب, لم تفتش بيته أي ميليشية, لم يُذّل من قبل أي ميليشية, لكنْ إنسانيته أصبحت مشوهة بأصوات صراخ المقاتلين, بأصوات الرصاص, الانفجارات, والموت, أصبح مثلي ومثل الجميع في طرابلس "إنسان مشوه يتظاهر بالمبالاة". أعتقد أن الموت يملك صوتاً لا يمكن خلقه بأي ألة موسيقية, ومهما تطور العلم وتقدمت الحضارة لن يفهموا الأمر, لن يفهموا الأمر أبداً, لهذا نحن نبكي وتتملكنا حالة من الحزن عند ظهور الموت حولنا, ذلك ليس لأننا خائفون من أن نختفي عن الوجود, بل لأننا خائفون من شيء لا نفهمه, الموت لا نفهمه, نسمعه ونراه ونجلس حوله لكننا لا نفهمه. قصة إبراهيم أثارت فيّ ذكريات عن الموت, عن لحظات كنت أراه وأسمعه فيها, كان يتكلم معي ولم أستطع إلا أن أشتمه لأنني لم أكن أفهم كلماته. كيف يمكن أن يتذكر الإنسان الموت وهو مايزال على قيد الحياة؟
أنا استطعت, بطريقة ما أنا استطعت تذكره دون أن أفهم لغته.

أعتقد أن العمر ليس مفهوم بيولوجي يقرره لنا الجسد, بل هو اللحظات العابرة والتجارب التي مررنا بها. هناك لحظات غير مهمة كريح تُسقط ورقة بنفسجية من "جهنمية" أحب النظر إليها في مدينة الزاوية, كثلاث فتيات يتكلمن بلغة الاشارة ويضحكن بينما يَسرنْ في شارع امحمد المقريف, كطفل صغير يبكي في زاوية شارع ضيق في حي الظهرة ويشعر بالقلق لأن أمه تأخرت عليه, وكطفل صغير يحاول قراءة جريدة في شارع النصر, كعاهرة تدخن سيجارة في قهوة قذرة في شارع الرشيد, كالمجنون الذي يشتري علبة سجائر. هذه أمثلة من اللحظات المتراكمة في مدينة طرابلس التي أخذتُها لتصبح لي, لتكون المدينة البائسة مكوناً من ذكرياتي.
أنا أعتبر أن مهمتي في الحياة ليست اشباع غرائز أناي, الغرائز محض تشوه عفن وضرورة حتمية لصيرورة مسيرة الإنسان, إن مهمتي هي مراقبة ما يحدث حولي, أن أشعر بما حولي, وأرسم معاناة الإنسان ولحظات فرحه كما أراها أنا, أن أحاول فهم من هم الغير؟ من أنا لهذه اللحظة الصغيرة التي مرت هذه اللحظة؟

مجموعة ذكرياتي القديمة أعتبرها نادرة ومجّردة من المشاعر, فلا سعادة ولا بؤس يحدث عند تذكرها, الوجود فقط من يثقب الذات ليتوقف السقوط ولو للحظة وأقف لأرى ما خزنّتُه من حياة, حياة متمثلة في ذكريات قديمة لا تتعلق بي.
غير أن السأم يتملك الذات عندما يحدث أن تتفاعل ذكرى قديمة مع من أوجدها, المدينة تصبح أنا, وأنا أصبح طرابلس, أتحول إلى شارع فرعي أو رئيسي, بناية قديمة أو سلة قمامة, تتكرر الذكرى بأن أقابل الفاعل أو الملهم الذي جعلني أصنعها, أي مثلاً أنا بوجودي المادي رأيتها في شارع بن عاشور ذات مرة, فتاة صهباء كالجحيم. نظرت إليّ الصهباء وابتسمت - ربما الصهباء لم تقصدني بابتسامتها لكن لا أهتم فأنا مقتنع أنها قصدتني - بعدما نظرت إليّ الصهباء لم أرها مجدداً, حاولت حقيقةً تفادي الموقع التي رأيتها فيه لكي لا أراها مجدداً, فلو رأيتها مجدداً لن تبتسم لي"فرضاً" فستضيع الذكري الجيدة إلى الأبد, سأشعر بالقلق والسقوط لأن وجودي القديم تلك اللحظة أصبح يتمثل في ابتسامة صهباء غريبة, أنا سأوجد لو ابتسمت لي, أنا لن أوجد لو لم تبتسم لي, هكذا ستصيبني حالة من الغرق في الحيرة, سيتملكني الأرق ولن أنام أو أهدأ إلى أن اُنتج ذكرى آخرى ألاحظها من حولي.
بعد فترة أتذكر ابتسامة الصهباء وأنا جالس في غرفتي الفارغة, وأتحول إلى طرابلس, أراها مجدداً وهي في مقهى في شارع الجرابة تنتظر شخصاً ما, حينها يحدث التفاعل الذي تكلمت عليه في السطور السابقة, هي لا تعلم أنني طرابلس, لذا فهي تختار أن لا تبتسم, الذكرى تصبح مشوهة, فقد رأيتها من جديد, ثم يختفي جزء من وجودي الهزيل وتحتله طرابلس, لا أستطيع فعل شيء, فوجودي الذي تُكونه أغلب ذكرياتي صنعته طرابلس بتراكمية وجودها التاريخي وأنا أتنفس هوائها, ثم أغرق, أصرخ وأحاول طرد طرابلس مني, لكنِ لا أستطيع, هي في كل مكان, أنا هي, وهي أنا, والصهباء جزء منا.

تمر مدة طويلة وأنا على هذه الحالة من الغرق والأرق إلى أن أخلق ذكرى جديدة من خلال لحظة خلقتها طرابلس, وهكذا يتكرر الأمر معي لمدة طويلة, لم أعد أتذكر متى بدأت ولم يعد يهمني متي ستنتهي. ماهيتي الهزيلة أصبحت مرتبطة بماهية هذه المدينة, هذا ما فهمته.

أرغب كلما أستيقظ كل يوم بشيء واحد : أن تبقى ذكرياتي القديمة مجّرد ذكريات منفصلة عن المدينة, أن تتوقف طرابلس عن احتلال وجودي, أن لا تعود لتتفاعل معي مجدداً, فأنا لا أحب أن أفقد شيئاً, ولا أن أشارك شيئاً مع أي أحد, بخاصة شيء صنعته أنا عن الجمال.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن