وجع ورجع وحنين _قصة فصيرة

عباس علي العلي
fail959@hotmail.com

2014 / 11 / 18

يتمدد جبارة كالعادة على سريره من جريد النخل ملتمسا نسمة هواء باردة في مساء تموزي وعيناه ترقب النجوم يبحث عن لا شيء بينها أو لربما يعيد سلسلة من ذكرياته المتشابهة التي لا جديد فيها غير الزرع والنخل والماء والمضيف وزهرة حلمه الذي ندم متأخرا على مجرد التفكير فيها ناهيك عن ما بذله من أجل أن يقترن بها ,كانت قصته حزينة فقد والده يوم زفافة برصاصة طائشة أستقرت في صدره حولت مجريات الفرح إلى مأتم ترك غصة في ذاكرة جبارة لا تندمل وهو يعلم أنها لم تكن مجرد حماقة من أحد بل أدخلها في ما يسميه تطيرا من( كصتها) النحسة .
زهرة المنحوسة بزوج أنقلب رأسا على عقب لم تحسب أنه سيكون سيئا لهذه الدرجة وقد عرفته من قبل مغنيا هائما جهر بحبها أمام الناس دون خوف أو وجل قاتل من أجلها وحمل الكثير كما حلم بالأكثر منه ,إنها قصة عشق ريفية تناقلتها الألسن وغنتها القصائد والمواويل والأبوذيات حتى صارت قصة جبارة وزهرة واحدة من مفردات الليالي وأحاديث السمر ,شعورها بالفشل في كسب قلب زوجها يحاصر شعورها بالأنتصار ويسرق منها نضارة الوجه وصحة البدن يخيل لمن يراها أنها مصابة بمرض معد فقد هزلت وبان الشحون وغابت عن شفتيها تلك الابتسامة الإخاذة حين سرقت قلب جبارة النشمي في صباح رائق على جرف النهر حاملة (المصخنة) لتروي لأهلها ماء عذب .
والد جبارة أعلانا منه بالأنتصار فتح كل خزينه من العتاد ليوزع على شباب العائلة أمشاط منها تتويجا للبهجة ,كان الرامي الأول في ذلك المساء حائزا السبق في تجسيد الفرحة مزهوا ببندقية تلمع ببريق عجيب أعدها لعرس ولده ,لم تظهر من قبل في القرية ولم يسمح لأحد بأن يلمسها كانت هي الأخرى من الأشياء العزيزة صاحبة الحظوة عنده ,في ذلك المساء أمطرت الأرض على السماء رصاص منهمر بلا عد وبأنواع وأشكال هزت سكون السماء خيل للبعض أن أبو جبارة يريد أن يعلن الحرب على السماء بهذا الكيف الرهيب ,من دار أهلها أبتدأ مهرجان البارود حتى داره التي تبعد بضع مئات من الأمتار تحولت الرصاصات إلى رسل لسكان السماء أننا نفرح ونفرح بلا حدود وأيضا بلا عقل.
جبارة الوحيد لأبيه على أربع بنات رمز الدلال القروي يمكنه أن يتزوج بما يشاء حكم القرية وأخلاق الريف تضفي على أمثاله هالة من الأنانية المدفونة تحت مظهر الحاجة مرة والشرع مرة أخرى , لكن ما يحير زهرة أنه ما زال متمسكا بها رغم شعوره أن قدومها عليه كان أطلاله للنحس والحرمان ,مثل فقدانه لأبيه ليلة زفافة حالة ضياع هيستيرية أفلح عقلاء أسرته بعد أشهر من إكمال زفافه ولولا بعض من حياء وخشية من أعراف لما عاد لها ,تتحين الفرص تسأل نفسها تحدث عقلها لماذا لا يتكلم ,لا يصرح لا يصرخ بوجهي ,هذا الصمت القاتل أصعب بكثير من المواجهة الحاسمة إنها قضية كرامة وقضية حب مهددة بالموت أو أعلان موته للناس في أي لحظة .
تدخل الكثير من أفراد عائلته لبيان سبب هذا الجفاء بعد ذاك الجنون ,لم يفلح أحد أن يكسر جليده بصيف قائظ ولا عرف أحد منهم كيف يمكنه أن يصل مع جبارة لحل ,فقط الاستلقاء على السرير والنظر لكبد السماء بحثا عن سر ربما بحثا عن نجم يهتدي به ,هكذا مرت أشهر لا يتكلم مع أحد بل لا يطيق أحد ,يتساءل البعض هل تم الدخول بين زهرة وجبارة أكيد الشهور الماضية تكفي لأن تجعل منها أم أو مشروع أم لو تم ذلك ,لا تستطيع أن تفضح أمر حبيبها المجنون ولا يمكنها أن تبتلع تساؤلات النسوة وهمسهن المر إنها تعلم أن شيئا ما قد قطع الجسر بينها وبين مجنونها السابق .
فكرت أن تلعب معه من جديد دور الأم بدل الحبيبة والزوجة وأختارت أن تفعل ما يجذب الأنتباه ,لعل في هذا الأمر سر بحثت في الأغراض القديمة عن ما يناسب الدور الجديد كادت أن تفشل لولا بعض من بقايا من ثياب والدته ,هكذا خرجت من حجرتها الطينية لتجلس في بابها كما كانت تجلس عجوز الدار ممسكة بعصا تركتها بعد رحيلها ذكرى له ونادت (يمه جبارة) ,لم تنتهي من كلامها حتى فزع من الصوت كأنه صعق بتيار كهربائي من غفلة وأقبل نحوها مسرعا ليسقط مقبلا اليدين ويرتمي في حضن زهرة ببكاء مر .



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن