الصابئة المندائيون في العراق ...تاريخهم . عباداتهم. عاداتهم وتقاليدهم .

نبيل عبد الأمير الربيعي
Nabeel_alrubaiy58@yahoo.com

2014 / 11 / 16

الصابئة المندائيون في العراق ...تاريخهم . عباداتهم. عاداتهم وتقاليدهم .
نبيل عبد الأمير الربيعي
يؤكد اغلب الباحثين في مجال الاديان أن ديانة الصابئة المندائيين هي أحد الأديان الإبراهيمية وهي اصل جميع تلك الأديان لأنها أول الأديان الموحدة ، واتباعها من الصابئة يتبعون انبياء الله آدم، شيث، أدريس، نوح، سام بن ونوح، يحيى بن زكريا وقد كانوا منتشرين في بلاد الرافدين وفلسطين ، ولا يزال بعض من أتباعها موجودين في العراق وإيران, وبذلك يكون معنى الصابئة أي المصطبغين بنور الحق والتوحيد والإيمان.
تدعو الديانة الصابئية للإيمان بالله ووحدانيته مطلقاً، لاشريك له، واحد أحـد، وله من الأسماء والصفات عندهم مطلقة ، ومن جملة أسمائه الحسنى ، والتي لاتحصى ولا تـُعـَـد عندهم (الحي العظيم ، الحي الأزلي ، المزكي ، المهيمن ، الرحيم، الغفور , حيث جاء في كتاب الصابئة المقدس (كنزا ربا ) باسم الحي العظيم هو (الحي العظيم ، البصير القدير العليم ، العزيز الحكيم , هو الأزلي القديم ، الغريب عن أكوان النور ، الغني عن أكوان النور , هو القول والسمع والبصر، الشفاء والظفر ، والقوة والثبات ، مسرة القلب ، وغفران الخطايا )، أن الله الحي العظيم أنبعث من ذاته وبأمره وكلمته تكونت جميع المخلوقات والملائكة التي تمجده وتسبحه في عالمها النوراني ، كذلك بأمره تم خلق آدم وحواء من الصلصال عارفين بتعاليم الدين الصابئي وقد أمر الله آدم بتعليم هذا الدين لذريته لينشروه من بعده , و ينسب كتابهم (كنزه ربا) أي الكنز العظيم إلى آدم (ع), وأن سام جدهم الأعلى , وهم اصحاب ديانة يؤمنون بالحساب والعقاب , وأن المحسنين منهم بعد الموت يذهبون إلى عالم النور , والمذنبين يذهبون إلى عالم الظلام , أما من حيث اليوم الآخر فقد يكونون من اكثر الأديان وضوحاً وتشدداً في هذا الشأن , فأما إلى الجنة كما ينبغي لجميع الأرواح التقية الطاهرة , أو إلى المطهر (المطراثة) حيث يعذب فيه بدرجات متفاوتة , فالروح في عقيدتهم خالدة والجسم فأن, أما الصوم فيتم بالأمتناع عن أكل اللحوم المباحة لهم حوالي خمسة اسابيع متفرقة ايامها على طول السنة , وأن صلاتهم يسبقها الوضوء والأغتسال , كما يغتسلون بعد الجنابة ولا يختنون ولم يؤمروا بذلك كما يؤكدون , أما ادعيتهم فتكون للأرواح الخيرة النورانية فقط وليس لتلك التي تخص عالم الظلام , وكتبهم هي (كنزه ربه , ديوان اباثر , دراشو اد يهيا , سدره إد نشماثه , اسفر ملواشه , تفسير بغره , الف ترسر شياله(1012) , انياني , طراسه) .
مصطلح الصابئة يأتي من كلمة (صبا) الآرامية أي الأرتماس في الماء الجاري , وكذلك طهارتهم اليومية, وهذه الممارسة تسمى (مصبتة) أي التعميد بعماد إبراهيم الكبير , وصيغة الآذان عندهم (انش صابي بمصبته شلمي) , ورمز الحياة العظمى هو الماء الحي أو الجاري أو ما يسمى (يردونة) , يطلق على الصابئة في العراق (الصبة), أن الصابئة يرجعون مصدر جميع الأنهار والمياه إلى مصدر اصلي واحد , هو نهر ابيض نقي في جبال تدعى (كريملة) أي هو (فراش زيوا) أو فرات زيوا أي نهر الفرات, وقد عرف تاريخ بعض علماء واطباء وفلاسفة في ايام العباسيين تدل على صفاتهم الاصلية منهم (ابو الفتح المندائي , إبراهيم بن زهرون ) وأسم زهرون هو أحد الملائكة المقدسين لدى الصابئة .
يسكن الصابئة في العراق في مناطق الأهوار ومدن العراق منها ( العمارة وقلعة صالح والناصرية وسوق الشيوخ والحلفاية والديوانية وبغداد وكركوك والموصل ) و هم بقايا طائفة دينية عاشت في هذه البقعة من العالم منذ آلاف السنين , فقد كانت نفوس الصابئين في القرن السابع عشر حسب روايات بعض المؤرخين ما يقارب مائة الف نسمة أما الآن لا يتعدى نفوسهم العشرين الف نسمة , وتذكر الليدي في كتابها (الصابئة المنادئيون) ص58 (وحسب الأحصاء الأخير (نيسان 1932) كان عدد نفوس الصابئيين هو (4805) نسمة " وقد بلغ عدد نفوسهم حسب إحصاء 1957 (11913) نسمة ويقدر عام 1987 عدد نفوسهم (32000) نسمة , اما لغتهم في التخاطب هي (الرطنة) او الآرامية وهم لا يتحدثون في جميع أنحاء العراق إلا باللغة العربية العامية " , وينسب نولدكة لغة الصابئيين إلى لغة التلمود البابلي فقد قال " تنتسب اللغة المندائية انتساباً وثيقاً الى لغة التلمود البابلية , فكلا اللغتين متجاورتان من الناحية الجغرافية وفي الواقع يمكننا أن ندعي بأن لغة التلمود البابلي كانت تستعمل في بابل العليا وأن المندائية كانت تستعمل في بابل السفلى ", البعض يعتقد أن اللغة المندائية مشتقة من الآرامية .
أن جوهر الدين الصابئي هو عبادة قوانين الحياة والخصب , فالحياة العظمى لديهم تجسيد لقوة كونية خلاقة نافعة , وفي دينهم تتمثل في تجسيد النور (ملكا دنهورا) أو الأرواح النورانية , ويعتقدون بخلود الروح وصلتها الوثقى بأرواح اسلافها صلة إلهية مباشرة , ويعد (أنوش) الكاهن الأول من كهان الصابئة المندائيين , وهي اشارة إلى وصفه معلماً من أصل النبي أدريس .
أما بيت العبادة لدى ابناء هذه الديانة فيدعى (المندا) , و تؤكد الباحثة الليدي مصدره (المندا) في كتابها (الصابئة المندائيون في ص52" وكان يوجد في الواقع منطقة تعرف بماندا في أيام البابليين المتأخرين , ويضع فنكلر هذا الماندا غربي بحر قزوين " ومعنى (ماندا دهبي) هو مساوياً لـ(بيت الحياة ) أو (موطن الحياة) , مع العلم كان أول مندى في اورشليم, كما يجب تطهير المندا سنوياً بعد النجاسة التي تسببها له الأيام الخمسة التي تسبق عيد الربيع (البنجة)وهو أكبر عيد عمادي نهري وأسعد ايام السنة ويأتي في وقت ارتفاع مياه النهر بعد ذوبان الثلوج خلال الأيام الربيعية الأولى الدافئة , ويستخدم أبناء الديانة التعميد أيام الأعياد وفي الزواج والوفاة كما يتم تعميد الأواني في ماء النهر الجاري , ويلبس أبناء الصابئة المندائيين ملابس خاص في التعميد منها (الرسته) وهو رداء ابيض يرمز إلى كساء النور الذي ترتديه الروح الطاهرة , والرسته الكاملة للفرد من العامة تحتوي على خمس قطع , أما الرسته للكاهن فتحتوي على سبع قطع هما (القميص, الدشة , الشروال , التكتة , برزنقا , النصيفة , الهميانه , التاغه , شوم ياور), وعند قيام الكاهن بالعمل الديني عليه أن يحمل دائماً عصاً من الزيتون أو خشب الصفصاف ويقال عنها (عصا الماء الحي ) وحين يتوفى الكاهن تدفن عصاه معه كم تدفن معه حلقته (شوم ياور) وهي تستخدم في المراسيم .
من محرمات الأطعمة على ابناء الديانة المندائية من الطيور والنباتات , أن لا يؤكطل لحماً لم يذبح حسب الأصول الدينية , وأن (هيبل زيوا) حين خلق (ابثاهيل) المخلوقات الحية على الأرض علم آدم الحلال والحرام , وهو كل نبت له بذور , ويعد الفطر حراماً , وكل ما افترس من الطير , والطيور آكلة الأسماك حرام , كذلك يحرم اكل الغراب والزاغ والزركي (طائر يعيش في الأهوار) , أما الغداف (الغراب الاسود) وهو طير طاهر يمكن أكل لحمه دون لوم , وتحرم لحوم الجمل والحصان والخنزير والكلب والفأر والأرنب الأهلي والوحشي والقط , والصابئة يعتبرون من الجرائم الكبرى ذبح الجاموس أو البقر , لأن لها قدسيتها وقد خلقت للحراثة , كما يحلل أكل الأسماك التي يتم اصطيادها بواسطة الشبكة , أما الدجاج والبيض فحلال أكلها , ولكن لا يمكن أن يؤكلا في الوجبات الطقسية فقط , ويجب أن يكون الذباح أما حلالياً او كاهناً , اذ يبدأ بالدعاء التمهيدي (الرهمي) , ويتفقد الكاهن الرستة (الملابس الطاهرة ).
أما الزواج لدى أبناء الديانة المندائية يفضل الزواج من واحدة , إلا أن للرجل أن يتزوج ما يشاء من النساء وبقدر ما تسمح له ظروفه , ولا يعترف الدين المندائي بالطلاق وإنما يطلب من (الكنزفرة) الأفتراق عنها , ولا يكون بوسعها بعد ذلك أن تتزوج رجلا آخر , وإذا ارادت امرأة عذراء ان تتزوج فهناك كاهن خاص (أبيسق) يجري لهما مراسيم التعميد بعد التأكد من عذريتها من قبل زوج الكنزفرة وأمه عادةً , ((والأن اصبح لدور الطب اهمية في الكشف عن عذرية الفتاة قبل الزواج)) , فإن لم تكن عذراء صمتت المرأتان الفاحصتان لعذريتها , وإذا كان العكس اطلقتا الزغاريد , وإذا رضى الزوج منها اقيم لها (الابيسق)مراسيم الزواج , وأول تعميد يجب أن يتم يوم الأحد من الأسبوع , إلا أن عقد المهر محظور في أيام عيد البنجة , وهنالك طقوس خاصة للزواج , بعد ولادة المولود يمتلك أسمان , أسم فلكي (ملواشة) وأسم دنيوي , والأخير أسم عربي يستعمل في الحاجات اليومية , أما الأسم الأول فهو أسم الشخص الحقيقي والروحي ويستعمل في جميع المناسبات الدينية والطقسية , وينسب هذا الأسم الروحي إلى الأم عوضاً عن الأب موحياً إلى فترة كانت فيها السيادة للأنتثى.
أما توقيتات الاشهر للسنة عند أبناء الديانة المندائية فتقسم إلى اثنى عشر شهراً ولكل شهر ثلاثون يوماً مع خمسة أيام كبيسة تسمى (بروانايا) أو البنجة , وهي تقع بين الثلاثين من شهر ايلول (شمبلته) واليوم الأول من شهر تشرين الأول (قينة) , وتبدأ السنة بشهر شباط , ويطلق على عيد رأس السنة (دهفه ربه) واشتقاق الكلمة من الذهب , ويعتبر الذبح محرم في أكثر أيام هذا العيد , ويعتبر يوم رأس السنة لدى الصابئة المندائيين هو ذكرى يوم الخليقة لأن ( مانا ربه كبيره) أي مانا العظيم قد اتم خلق العالم في هذا اليوم ويستمر لمدة ثلاثة أيام , فتكون في اليوم الثاني من العيد زيارة أبناء الديانة لبعضهم البعض وتكون أو زيارة لشيخ الدين (الكنزفره) حيث يخبرهم عن طالع السنة الجديدة , وفي هذا العيد تضاء جميع الأنوار والنيران وتوزع الأطعمة على الفقراء , ويسمح للصابئين في اليوم الخامس عشر بالجزر وأكل اللحوم , كما يجب لبس الملابس البيضاء في هذا العيد وينتعل حذاء الصندل من الألياف النباتية أو أن يسير حافي القدمين.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن