المكاشفة والمصالحة الوطنية... ضمان وحدة العراق

داخل حسن جريو
dakhiljerew@gmail.com

2014 / 11 / 16


المكاشفة والمصالحة الوطتية
ضمان وحدة العراق
أ.د. داخل حسن جريو
عضو المجمع العلمي العراقي

منذ غزو العراق وإحتلاله في عام 2003 , من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ومن تحالف معها من قوى دولية وإقليمية, وبعضها قوى عربية وإسلامية , في أشرس حرب عدوانية شهدتها منطقة الشرق الأوسط مطلع القرن الحادي والعشرين, والعراق ما زال يعاني من ويلات غزوه وإحتلاله, حيث كان يؤمل أن يكون مطلع الألفية الثالثة إشراقة أمل وتفاؤل تنعم فيها البشرية بالأمن والأمان, وبحياة أفضل لجميع بني البشر في إطار علاقات متكافئة بين جميع الدول صغيرها وكبيرها على الحد السواء, لاسيما ان الدول الكبرى الأكثر نفوذا في العالم كانت تروج حينذاك لإنبثاق عصر جديد قائم على إحترام حقوق الإنسان, ونشر الحرية والديمقراطية ونبذ العنف ومحاربة الإستبداد في كل مكان.
وإذا بنا نشهد أكبر كارثة إنسانية تحل ببلد آمن في العصر الحديث, ترتكبها الولايات المتحدة الأمريكية القوة الأعظم في العالم ومن تحالف معها ,نجم عنها تدمير العراق حضارة وشعبا وممتلكات, وإعادته ليس لعصر ما قبل الصناعة كما وعدوا بذلك عام 1991 , بل هذه المرة إلى عصر ما قبل التاريخ .تم هذا التدمير بدعاوى باطلة مفادها تدمير أسلحة دمار شامل بزعم إمتلاك العراق لها لتهديد أمن جيرانه والمنطقة والعالم,بينما كان العراق يؤكد بإستمرار عدم إمتلاكه لإي منها , فضلا عن إتاحته الحرية الكاملة لفرق التفتيش المكلفة من قبل الأمم المتحدة للتحري عن هذه الأسلحة على مدى أكثر من عقد من الزمان , ولم تعثرهذه الفرق على ما يؤيد إمتلاك العراق لأي منها. وقد ثبت للقاصي والداني زيف الدعاوى الأمريكية وبطلانها.
وعلى مدى السنوات العشرالمنصرمة تم هدم البنى التحتية للعراق وكل مقومات الحياة بصورة منهجية منتظمة, والأخطر من كل ذلك تفتيت نسيجه الإجتماعي وتدمير قيمه الثقافية وموروثه الحضاري, والتشكيك بهويته الوطنية إذ لم يعد الحديث الآن عن الهوية العراقية, الهوية الشاملة الجامعة لجميع سكانه , بل أصبح الحديث عن هويات فرعية دينية وطائفية وعرقية وعشائرية ومناطقية في سياق ما أطلق عليه بمصطلح المكونات , وبات الحديث يتجه نحو حقوق هذه المكونات في إطار نظام سياسي جديد إبتدعوه وأطلقوا عليه نظام المحاصصة السياسية تارة, أو التوافق السياسي تارة أخرى, أو التوازن بين المكونات احيانا ,بدلا من حقوق المواطنين الذين يفترض أنهم سواسية في الحقوق والواجبات طبقا لشرائع الأرض والسماء.
لم يجني العراق طوال هذه السنوات العجاف, غير القتل على الهوية والجوع والفاقة والحرمان والمرض والبطالة, وتفشي الفساد المالي والإداري في كل مكان, وهدر امواله دون رقيب أو حسيب, حيث تشير الإحصاءات إلى أن ثلث ضحايا الإرهاب في العالم منذ غزوالعراق وإحتلاله هم من العراقيين , وأن العراق هو أكثر البلدان تأثرا بالهجمات الإرهابية , حيث تضاعف عدد هذه الهجمات أكثر من أربعة مرات كل سنة على مدى السنوات المنصرمة , بعد أن كان العراق بلدا امنا مطمئنا لا يعرف أهله أي نوع من العمليات الإرهابية سوى ما تتناقله عنها وسائل الإعلام في البلدان الأخرى, وإذا به يصبح نتيجة غزوه مسرحا دوليا للإرهاب كما أرادت له ذلك الإدارة الأمريكية وصرحت به جهارا نهارا دون أي إكتراث لما لحق ويلحق بالعراق وأهله من دمار شامل وإزهاق للأرواح البريئة.
لقد حصد الإرهاب حياة مئات الآلاف من العراقيين وتشريد الملايين الآخرين , أما نازحين إلى أماكن أخرى داخل العراق تاركين كل ممتلكاتهم , أو مهجرين إلى بلدان أخرى , ولم يعد أمرهم يهم أحدا حيث أصبحت الهجمات الإرهابية في العراق لا تثير إهتمام أحدا وباتت تتناقلها وسائل الإعلام بين الحين والآخر كأنها أحداثا عادية. وهذا أمر ليس مستغربا فصاحب الجرح لا يشعر بألمه غيرمن به ألألم.
والآن بعد أن آل ما آل إليه حال العراق من تدهور خطير بأوضاعه الأمنية بات يهدد وجوده وكيانه بعد أن سيطرت الجماعات الإرهابية المسلحة على أكثر من ثلث أراضيه معلنة "خلافتها الإسلامية" في مدينة الموصل ثاني كبرى المدن العراقية , وقتلها وتهجهيرها للأقليات الدينية والأثنية وكل من لا يواليها, وإستيلائها على ممتلكاتهم وسبيها لنسائهم,وتدميرها للمراقد والمزارات الدينية وبعض الرموز الحضارية ذات الدلالات التاريخية بذرائع تافهة لا يتقبلها أي عقل سليم. نقول قد آن الآوان أن يوحد العراقيون صفوفهم بعيدا عن أية حسابات سياسية فئوية ضيقة, غير حسابات أمن العراق ووجوده وكيانه ومصالح أهله, لمواجهة هذه الريح الصفراء التي داهمت بلادهم, متوكلين على الله الواحد الأحد وهمة سواعد الرجال القوية والعقول النيرة التي لا تستكين لبطش ظالم أو جبروت مستبد طال الزمان أو قصر.
ولكي تكون هذه المواجهة مواجهة صحيحة لابد أن تنطلق من بيئة سياسية سليمة تضمن حقوق الجميع دون غبن أو إقصاء أو تهميش ,تسودها أجواء الثقة والإحترام المتبادل , والرغبة الحقيقية لكشف الفساد والمفسدين وملاحقتهم قضائيا , ومحاسبة المقصرين ممن أضروا بمصالح البلاد والعباد والتفريط بأمنه. لا يمكن بناء بيئة سليمة دون أن تكون أسسها ومقوماتها هي الأخرى سليمة . ولعل أهم هذه المقومات إعادة النظر بدستور العراق الذي شرع في ظروف إستثنائية شاذة أثناء فترة الإحتلال الأمريكي وما رافقه من فقدان الأمن وعدم الإستقرار وإنتشارالجماعات الإرهابية والمليشيات المسلحة في بغداد وأنحاء كثيرة من العراق , وأهم من كل ذلك عدم قناعة قطاع واسع من السكان بشرعية النظام السياسي المنبثق عن هذا الإحتلال , وعزوفها عن المشاركة بإعداد الدستور في ظل هكذا ظروف , قابله إصرار قطاعات أكبر بضرورة إعداد الدستور والإستفتاء عليه شعبيا تمهيدا لبدء عملية سياسية جديدة للبلاد, وهذا ما تم فعلا. لذا أعد الدستور على عجالة وتم الإستفتاء عليه في ظروف غير مستقرة,برغم عدم إستكماله وعدم إيفائه لبعض المتطلبات,مما إستلزم إضافة فقرة فيه تدعو إلى دراسته وتعديل ما يلزم تعديله, (بالإضافة أو الحذف) لاحقا في أقرب فرصة ممكنة. وقد شكلت أكثر من لجنة نيابية لهذا الغرض دون إحراز أية نتيجة, لإفتقارها للإرادة السياسية في حينه لإجراء التغيرات المطلوبة.
وإصلاح الدستور بشكله الحالي يستلزم الإبتعاد عن النصوص التي تكرس الإختلافات الدينية والطائفية والأثنية , و بالمقابل تكريس نصوص لتوكيد الإنتماء الوطني والولاء المطلق للعراق , ومساواة العراقيين كافة أمام القانون في الحقوق والواجبات من منطلق أن العراق وطن الجميع ,وضمان حرية الرأي السياسي والمعتقد الديني من منطلق أن لا إكراه في الدين, وحرية إقامة الشعائر الدينية كل حسب طريقته دون الإضرار بالآخرين.على أن يصاحب ذلك إشاعة أجواء الحرية والأمن والأمان لكل العراقيين,والكف عن ملاحقة الناس لإنتماءاتهم السياسية ما لم يرتكبوا جرائم يحاسب عليها القانون,ولا يجوز التصرف بحقوقهم وممتلكاتهم تحت أية ذريعة.وفوق هذا وذاك لابد من بناء الثقة بين الجميع وإثبات حسن النوايا والرغبة بفتح صفحة جديدة لإعادة بناء عراق آمن مستقر ينعم اهله بخيراته أسوة بعباد الله الآخرين, وترك مآسي الماضي ليقول فيها التاريخ كلمته.
وفي الختام نقول أن خلاص العراق من المأزق الذي وضعوه فيه, إنما يكمن بإجراء مصالحة وطنية حقيقية بين كل الفرقاء من منطلق عفا الله عما سلف وفتح صفحة جديدة بإصلاح نظامه السياسي الذي صممته وأشرفت على تنفيذه الإدارة الأمريكية , بإدراك منها لواقع حال العراق وتركيبته السكانية والقوى الفاعلة والمؤثرة في بيئته السياسية, وموروثه الحضاري والثقافي والفكري, فبدلا من إقامة نظام سياسي يقوم على المواطنة والإنتماء الوطني في إطار منظومة سياسية يتمتع فيها الجميع بحقوقهم كاملة غير منقوصة وأدائهم لواجباتهم في ظل القانون دون تعسف, نراها أقامت نظاما سياسيا ظاهره ديمقراطيا , وباطنه تفتيت المجتمع الواحد الموحد على أساس الإنتماء إلى مكونات عرقية ودينية وطائفية , وتأجيج الصراعات فيما بينها لإضعافها وإضطرارها للإتكاء على قوى خارجية لحماية مصالحها, وهذا ما تم تثبيته في دستور تم إعداده وإقراره في فترة قصيرة جدا تحت حراب المحتلين في حالة نادرة في تاريخ إعداد دساتير دول العالم التي عادة ما تتم في ظروف آمنة ومستقرة يتاح فيها للناس الوقت الكافي لدراستها وإبداء ملاحظاتها بحرية كاملة دون خوف أو وجل, وهو لم يحصل في العراق إطلاقا .وبذلك هم قد أسسوا لنظام سياسي مقيت قائم على المحاصصة الطائفية والعرقية التي أسهمت بإضعاف العراق وعدم إستقراره وتفشي ظاهرة الإرهاب والفساد طوال السنين المنصرمة حيث أرادوا أن يكون العراق ساحة تصفية صراعات إقليمية ودولية لا ناقة للعراق فيها ولا جمل , بل يكون العراق فيها الخاسر الأكبر, إن لم يكن الخاسر الأوحد الذي تزهق أرواح سكانه وتهدر ثرواته وتدمر ممتلكاته كي تقوم شركاتهم ومؤسساتهم بنهب ثرواته في برامج إعادة إعماره , ناهيك عن صفقات السلاح الهائلة التي ستدفع الدول الإقليمية لعقدها بدعاوى تلبية حاجاتها الأمنية.ولا شك أن إصلاح النظام السياسي يتطلب قدرا عاليا من الشجاعة ونكران الذات والتخلي عن المصالح الفئوية ,وإسدال الستار على مآسي الماضي, والتسامح والرغبة بالتعايش والعيش المشترك لبناء عراق آمن ومزدهر.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن