بناء الشبح في قلب دمشق؟؟

شكري شيخاني

2005 / 8 / 17

في المجتمعات المتحضرة, المتعددة الوجوه والنشاطات ,المتشابكة المصالح والأعمال ,لا يمكن أن تترك الأمور لتجري على هواها دون مراقبة وتوجيه ,كما لا يصح أن تتقرر المسائل وتعالج المعضلات دونما دراسة وتخطيط , والتخطيط أولا" وقبل كل شيء... وفي كل مجال ,وفي كل موضوع ... سواء كان في الأمور الصغيرة والكبيرة. فحين ينعدم التخطيط العلمي والدراسة القائمة على الإحصائيات الدقيقة والبيانات التي تتضافر فيها أسباب الإحاطة والشمول, حين تنعدم هذه المقومات والأسس في أي مشروع أو تشريع ,يمكن الحكم على ذلك الموضوع بأنه فاشل,ويتعلق موضوعنا في هذا العدد عن موقع لبنا هام بدء العمل به في نهاية عام 1976, ، والمكان يقع بين ساحة المرجة ومنطقة البحصة الحيوية ويمتد على مساحة تزيد عن 1000 متر مربع ، موقع استراتيجي مطل على ثلاثة شوارع احدها يمثل احد أضلاع ساحة المرجة الأربعة والأخر يمتد على طول الشارع الرئيسي الذي يصل بين المرجة البحصة ، والشارع الثالث هو امتداد لما بات يسمى بجسر فيكتوريا وهو منطقة فنادق ومطاعم ومحلات تجارية وعصب رئيسي في حياة دمشق التجارية .. ألا وهو مجمع الشهيد باسل الأسد وهو ما كان يسمى سابقا قبل إشادة هذا البناء بجامع يلبغا الناصري وهو نسبة إلى أحد ولاة دمشق أيام الاحتلال العثماني البغيض للقطر العربي السوري. وبادئ ذي بدء فان أسرة تحري الوحدوي تتوجه بالشكر إلى كل من يساهم في تغيير أسماء الشوارع والجادات والمساجد والمحلات إلى أسماء عربية خالصة وأخص بالذكر تسمية مجمع الشهيد الباسل عوضا" عن الاسم التركي حاكم دمشق وموقع هذا المجمع في ساحة المرجة من وسط العاصمة. والأسوأ أيضا" من البداية, هو المشروع الذي حكم عليه بالفشل, وهدر الأموال العامة دون وجه حق, دون محاسبة حكومية, أو محاسبة وجدانية وان كان الأمر يتعلق بجهات حكومية تعتقد أنها فوق المحاسبة الوطنية
,بل وفوق أن يطالها سيف القانون ,بعد أن رفعت أشرعة الإبحار لسفينة الوطن بقيادة السيد الرئيس بشار الأسد نحو سورية المستقبل ونحو غد واعد بالازدهار والتقدم وما مقدمتي هذه, إلا مدخلا" لمسألة حيوية تمس المال العام والشكل الجمالي والهندسي, والوقت والشعور بأن كل ما في الوطن هو بالمحصلة للمواطن والمجتمع لبناء سورية أفضل. ولكن على ما يبدو بأنه يوجد عديد المسئولين وفي أكثر من مفصل حساس في هذا الوطن
لا يريدون لهذه السفينة بالعبور إلى غد مشرق ينتظر سورية وشعب سورية, والأمثلة على شاكلة هذه المواضيع أكثر من كثيرة , وحسبي أن أشير إلى موضوع هام ,سبق وأن تناولته بخجل بعض الصحف, ألا وهو المبنى الشبح الذي يجثم على صدر ومركز مدينة دمشق وتحديدا" في منطقة المرجة وقد أحاطت بهذا البناء عدة أبنية قديمة تراثية شكلتّ نسيجا معماريا متناسقا مع بعضه البعض , لولا ظهور هذا البناء الشبح على ساحة تاريخية يعود إنشائها إلى أكثر من قرنين من الزمان, حيث نصبوا بناء ضخما من الاسمنت الخالص لا لون له, ولا طعم, ولا منظر حضاري على الإطلاق.
لن أتكلم هنا عن الملايين من المترات المكعبة من المياه النقية التي هدرت عبثا لتجفيف نهر يمر من قرب هذا البناء ؟؟ ولن أتكلم عن كميات الاسمنت التي وضعت لهذا البناء من أسفل سافله إلى أعلى نقطة بناء به وهي كلها من الاسمنت فقط؟؟ولن أتكلم عن المئات من الكيلو مترات من قضبان الحديد التي زرعت مع الاسمنت, وكأن السادة مخططي هذا البناء يعدون لبناء قلعة وليس مركزا دينيا أو ثقافيا ؟؟ ولن أتكلم عن الأرقام الخيالية من الأموال العامة التي كرست لمثل هذا المشروع بدءا"؟؟
ولكن لنتكلم وبلغة يفهمها العقل لا السمسرة بمقدرات الوطن!! ولنبدأ من التخطيط الفاشل ! وكيف تمت الموافقة على التخطيط لمثل هذا الصرح الإسمنتي ( الشبح )!والدراسة الهندسية التي صرف من أجلها مئات الملايين من الليرات السورية والتي هي بالمحصلة من جيوب المواطنين عبر عديد الطرق من تحصيل الضرائب هذه الدراسة التي لا يوجد في داخلها, ما يشير إلى أن الذين هندسوا لهذا المشروع هم حقا" مهندسين! لأن المواطن العادي والذي لا يفقه بألف باء الهندسة شيئا" كان يمر من أما م هذا المشروع وهو يضرب كفا" بكف ولسان حاله يقول يا خسارة على ضياع أموال الوطن هكذا!!والتنفيذ الذي أتى مكملا" لمراحل الفشل السابقة والذي كان يدخل أحيانا في مرحلة من السبات العميق وكثيرا" ما توقف المشروع أثناء مراحل التنفيذ ولما لا,وهذا حال
أغلب مشاريعنا والتي يتم إلزام تنفيذها إلى القطاع العام والأمثلة على ذلك كثيرة بل وحدث بلا حرج؟؟وصولا" إلى طريقة الاستفادة من هذا المشروع واستثماره كما يجب , ولكن الذي حصل هو أنه تمت إضافة مرحلة كبيرة من الفشل إلى هذا الصرح وهذه المرحلة بدأت منذ العام 1993عندما وقف هذا الشبح الإسمنتي عاريا في وسط مركز المدينة هكذا بدون أكساء أو تجميل استخدام . نعم... منذ العام 93 ونحن نتفرج عليه لا بل تم تعيين حراس له ؟؟ وأصبح ملاذا للمقطوعين( ليبولوا بداخله) وعلى جوانبه !! هكذا أرادته وزارة الأوقاف ليكون وقفا" لهذه الأعمال؟ وهذا ما قاله لي أحد المهندسين وطبعا" رفض ذكر اسمه ( على طريقة المسئولين الذين يريدون التنصل من جواب واضح وشفاف؟أسئلة عدة تدور في ذهن كل غيور على كل قرش من أموال المال العام أين تقارير مفتشي الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش من هذا البناء تخطيطا, ودراسة, وتنفيذا, واستثمارا" !! أم أن مفتشي الهيئة ينتظرون الإخباريات وتقارير المخبرين وهم في مكاتبهم الفخمة منتظرون,وعن متابعة كبائر الأعمال الفاسدة لا هون , وللحصول على الميزات والسيارات والبعثات والإيفاد هم ساعون وعن مسيرة التحديث والتطوير بقلب وإرادة صادقة بعيدون ,كما تمنى علينا القائد الرئيس بشار الأسد ولكن حتى في هذه فمفتشي الهيئة مطنشون!
سؤال آخر:ما هو المخطط الذي وضعته وزارة الأوقاف تنفيذه لكي تستثمر هذا البناء؟هل هناك من محاسبة للمسئولين عن توقيف العمل به إلى الآن أم أن الأمر سيبقى أهلية بمحلية.ماذا نحن فاعلون بهذه الكتلة الضخمة جدا" من الأسمنت, كراج, مبنى حكومي, مجمع ديني, مجمع تجاري, أم نتركه خمسون عاما" أخرى هكذا على العظم!! ويدور الزمان على الأعمدة البيتونية التي تحمل خمسة طوابق بارتفاع عشرين مترا بمساحة إجمالية تزيد عن الخمسة آلاف متر مربع .. لتشكل الملامح الأولى ( والأخيرة على ما يبدو ) لبناء يتوسط القلب التجاري لمدينة دمشق. . ،

هناك كلمة أخيرة.. لم يكن أحد يتوقع أن يؤول " حلم الأجيال " لمجرد حامل لإعلان تجاري ضخم ، كفّن البناء بعلامة مسجلة ؟! . . اعتدنا على الخيبة، وأدمنّا الفشل وأصبحت المصائب في أوطاننا فرجة، والمشهد بات غريباً ومقززاً. في مجتمعاتنا الصاعدة النامية,ما أحوجنا إلى التخطيط في كل عمل من الأعمال التي نقوم بها , ومادام الارتجال الذي عشناه ولا يزال - للأسف الشديد – هو الطابع الذي تتسم به معظم أعمالنا ومشروعاتنا ,وحتى القوانين والأنظمة التي نشرعها ,فلا غرابة حين ينتهي الكثير من هذه المخططات؟؟ بالفشل الذريع.إذا كانت محافظة مدينة دمشق تهتم بناديها الرياضي أكثر من اهتمامها بنواح كثيرة في مدينة الفيحاء
إذن لكل عمل قبل أن نقدم عليه, يجب على الجهات ا لمختصة أن توسعه دراسة وتخطيطا" من كل الجوانب يجب أن تتم دراسته دراسة علمية.. علمية.. علمية بالثلاث دراسة مستفيضة...ندرس مقومات المشروع وعناصر إنتاجه وإخراجه إلى حيز الوجود, وندرس نتائجه وفوائده وآثاره على المدى القريب والمدى البعيد.. وباختصار نخطط له بداية كاملة بإخلاص حقيقي, وتأمل وتفكير, ونعمل كل ما وسعنا من أجل أن ينجح النجاح المنشود... ونكون بحق جديرين بثقة القائد ومحبته..حريصين كل الحرص على إيصال سفينة الوطن إلى بر التقدم والازدهار..... فقد آن الأوان لنبدأ بحب الوطن أكثر من ذي قبل



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن