رسالة ألدوس هكسلي إلى جورج أورويل حول رواية 1984.

علي لّطيف
salemalid@yahoo.com

2014 / 9 / 17

رسالة الروائي والمفكر البريطاني ألدوس هكسلي إلى الروائي والصحفي جورج أورويل حول رواية 1984 لأورويل.




رايت وود. كاليفورنيا.
21 أكتوبر, 1949


عزيزي السيد أورويل :
كان من اللطافة منك أن تطلب من ناشرك أن يرسل لي نسخة من كتابك الأخير, لقد وصلني كتابك وأنا في خضم العمل على مشروع يتطلب الكثير من المطالعة والبحث في المراجع, ولكون ضعف بصري الذي يجعل من الضرورة عليّ أن أتروى وأخذ الحذر في مطالعتي, كان يجب عليّ أن أنتظر وقتاً طويلاً قبل أن أباشر في قراءة روايتك 1984.

متفقا مع كل أراء النقاد الذين كتبوا عن كتابك, لا أحتاج إذاً إلى أن أقول لك مرة آخرى كم هو مهم كتابك بشكل كبير جداً. هل لي أن أتكلم على الموضوع الذي تناولته في كتابك – الثورة النهائية؟ أول اشارات لفلسفة الثورة النهائية – الثورة التي تقع ما بعد التغيرات السياسية والاقتصادية التي تهدف إلى تدمير سيكولجية وفسيلوجية الفرد – هذه الاشارات تجدها في الماركيز دو ساد, الماركيز الذي عد نفسه المنتج والمستهلك معا, من روبسبير وبابوف*. فلسفة الأقلية الحاكمة في 1984 هي السادية التي سِيقت إلى أن تصبح نتيجة منطقية عن طريق ذهابها ما بعد الجنس وانكاره. ما إذا كانت سياسة البوت على الوجه ستستمر إلى الأبد يبدو لي ذلك مشكوكاً في أمره, باعتقادي الخاص أن الطبقة الأوليغارشية الحاكمة ستجد طرق للحكم أقل جهداً وكلفة لتُرضي رغبتها الملحة للبقاء في السلطة, وهذه الطرق تُماثل ما ذكرت في كتابي "عالم شجاع جديد." - لقد طالعت مؤخراً كتب عن تاريخ تنويم الحيوانات والتنويم المغناطيسي, ولقد صُدمت صدمة هائلة حول أن العالم لمئة وخمسين سنة رفض أن ينظر بادراك جدي لاكتشافات هذا المجال, من ميسمر* وبرايد* واسدايل* وآخرين غيرهم.

بسبب المادية السائدة جزئياً وبسبب حاجز الاحترام والحياء السائد في ذلك الوقت, رجال العلم وفلاسفة القرن التاسع عشر لم يكونوا راغبين في تحريّ الحقائق الشاذة لعلم النفس (السايكولجي) للرجال أصحاب الوظائف العملية المهمة كالسياسيين ورجال الشرطة والجنود, وذلك لكي يتم الاستفادة والعمل بهذه الحقائق في مجال الحُكم. شكراً للجهل المتعمد من أبائنا, تم تأجيل قدوم الثورة النهائية لخمسة أو ستة أجيال قادمة. حادثة سعيدة آخرى ساعدت التأجيل, وهي فشل فرويد في مجال التنويم المغناطيسي واستخفافه المستمر بهذا المجال, هذا آجّلَ بالطبع استعمال التنويم المغناطيسي في طب النفس لمدة لا تقل عن أربعين سنة. لكن هذه الأيام صار التنويم المغناطيسي جزءاً مهماً من التحليل النفسي, وقد أصبح التنويم أكثر سهولة ويمكن أن تمتد فترته الزمنية إلى أجلٍ غير محدد عن طريق استخدام حامض الباريبتورات*, حيث تقوم هذه المادة باحداث حالة شبه مُنوَمّة وسهل الثأثير عليها حتى على أكثر الأشخاص عناداً.

أعتقد أنه مع الجيل القادم سيكتشف قادة العالم أن تكييف الأطفال الرُضّع على حسب قالب مُعين والتنويم المغناطيسي باستخدام المخدرات هما وسائل حكم أفضل من السجون والهراوات, وأن مُشّتهِي السلطة يمكنُ أن يكونوا مقتنعين وراضيين تماماً لو جعلوا الناس يحبون الاستعباد بدلاً من جعلهم يرضخون طاعةً للسلطة بالجلد والضرب. بكلمات آخرى, أشعر أن كابوس 1984 من المقدر له أن يتعدّل إلى كابوس عالمِ يُشبه كثيراً العالم الذي تخيلت في "عالم شجاع جديد". هذا التغيير سيحدث نتيجةً للحاجة الملحة لزيادة الكفاءة. في هذه الأثناء, بالطبع, ربما ستحدث حرب بيولوجية ونووية - حيث أنه إن حدث هذا, فسوف تكون لنا كوابيس من نوع آخر, نوع آخر بالكاد يمكننا تخيّله.

شكراً لك مجدداً على الكتاب.
لك المخلص,
ألدوس هكسلي.*






*-ماكسيميليان روبسبير : زعيم سياسي فرنسي أيام الثورة الفرنسية.
*-فرنسوا بابوف : سياسي فرنسي إشتراكي.
*-فرانس ميسمر : طبيب ألماني عاش في القرن الثامن عشر اهتم بالتنويم المغناطيسي وعلم الفلك.
*-جايمس برايد: جراح وعالم أسكتلندي اهتم بالتنويم المغناطيسي.
*-جايمس إيسدايل : عالم اسكتلندي وأحد أعلام مجال التنويم المغناطيسي.
*-حامض الباريبتورات : دواء يستعمل للتنويم والتخدير.



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن