انفجارات لندن وتداعياتها 000و ذلك -الارهابي- الكامن داخل كل مسلم -معتدل-!!0-

عبد الخالق السر
caricaelsir@hotmail.com

2005 / 8 / 16

في ظل الاحتكام التام للمرجعية الفقهية الكلاسيكية دون أدنى محاولة للتمحيص والمراجعة، والانصياع الكامل للأيدلوجيا التنظيمية للجماعات الإسلام-سياسية ، والركون للاحباطات الاقتصادية ، السياسية والاجتماعية التي تلف العالم الإسلامي ، كثيرا ما تأتي العمليات الصبيانية بالغة التطرف والعدمية لتضع الجميع في حرج بالغ يستوجب الكثير من التبرير المتهافت وغير المتماسك بالطبع في مواجهة الاتهامات المتكررة للإسلام كدين مؤسس على العنف والهمجية!!00 أنه حقيقة وضع بالغ المأساوية ويصدق عليه قول "ظلم ذوي القربى" 00 حيث أن الإسلام يبدو وبشكل –قدري- مثارا للعبث والفوضوية من قبل المسلمين دون غيرهم ، يكيدون له الكيد من حيث يحسبون – للمفارقة- أنه النصر المبين والمدافعة الحقة!!0

في غفلة من الزمان، صار المتطرفون هم الأعلى صوتاً من بين جميع المسلمين وهم المعبرون – من خلال أيدلوجيتهم- عن الإسلام الرسمي الذي يتيح للآخر أن يقيم جدواه ومضمون رسالته، ثم في ذات الوقت يفزعنا تقييم هذا الآخر المجافي لتوقعاتنا المتفائلة دون سند في المحكات العظيمة التي قوامها تلك الفوضى والبربرية الرعناء التي لا تمت بأي صلة للأخلاق ناهيك عن أن توصف بأنها ترجمة لأوامر إلهية 0

إن الركون لخانة التبريرات الجوفاء في ظل هذا التواطوء العظيم والامتثال الخانع لذات المنظومة الفقهية المنتجة لكل هذا التطرف هو نوع من إدمان خداع الذات قد يجد سوقاً لدينا نحن أنفسنا، لكنه لا يكفي بالطبع لاقناع الآخرين0 وان صاح البعض في استنكار – متوقع- بأنهم ليسوا مهمومين بإقناع الآخرين، فمن باب أولى أن يتم ذلك بالاتساق مع مواقف الآخر المتطرف منا لأنه على الأقل متسق مع مفاهيمه ولا يبحث عن مبررات أخلاقية وحضارية لجهالته وبربريته، بقدر ما نشقى نحن للبحث عن تبريرات له ولنا حتى وان دعى الأمر التمترس خلف نظرية المؤامرة !!0
إن عدم السعي الحقيقي لتفكيك منظومة الإرث الفقهي الكلاسيكي لتجاوز المطبات التاريخية التي أنتجته ومحاولة إنتاج وعي ديني له صلة وثيقة بالواقع الحياتي الذي نعيشه يجعلنا ومن حيث لا ندري نقف في خندق واحد مع أيدلوجيا التطرف التي ندينها على استحياء مع كثير من التعاطف إزاء مواقفها تفضحه تبريراتنا الهشة0 إن الإيمان العميق بأن هذه المرجعية مقدسة بما يكفي لعدم المساس بها يجعلنا شئنا أم أبينا بأن نكون – جميعا- جماعات متطرفة كامنة تنتظر من يصحي فيها كل كوامن العصبية والشرور ونزعة تدمير الذات والآخرين!!0 قد ينظر البعض لمثل هذا القول بعين الريبة، ولكن علينا أن نتذكر جيدا أن التاريخ الشخصي لكل "مشاهير" المتطرفين الذين خرجوا من بين ظهرانينا في لحظة لم يكونوا نبتاً شيطانياً بقدر ما أنهم نهلوا من ذات المرجعية التي تفعل فعلها متى صادفت عناصر ظرفية مغذية تتمثل في جانب منها على الاحباطات الجمعية والشخصية والانكسارات الاجتماعية، السياسية والاقتصادية0 ولكي نكون أكثر تدليلاً ، علينا أن ندلف قليلاً للسيرة الشخصية لبعض رموز التطرف حتى يتأكد لنا أنهم كانوا يعيشون كأي شخص عادي ولم يولدوا متطرفين بالجينات الوراثية!!0
التاريخ القريب يحدثنا بأن سيد قطب أحد المراجع الفكرية للجماعات المتطرفة كان ناقداً أدبياً حصيفاً ومتمكناً ، ويذكر له أنه أحد الذين نبهوا إلى عبقرية الروائي المصري المشهور نجيب محفوظ0 كما أن محمد عطا قائد المجموعة الانتحارية لأحداث 11 سبتمبر كان مهندساً شابا طموحاً ، حتى أنه لا يعرف له أي التزام ديني ناهيك عن أن يكون متطرفاً!! شأنه في ذلك شأن معظم من نفذوا الهجمات سيئة الذكر0 والحال ينداح ليطال هؤلاء الصبية الذين كانوا بيننا يوما في جامعات السودان المختلفة يكدون ويكدحون ويرسمون لأنفسهم وأسرهم ملامح مستقبل مشرق ، فإذا بهم فجأة يتحولون بفعل الأيديولوجيا المتطرفة المنبثقة من ذات المرجعية إلى كائنات شرهة تبحث عن الموت والدمار حتى وان كان ذلك بين أخوان الوطن الواحد0

كل ذلك وأكثر، لم يكن صدفة أو يأتي من فراغ، بقدر ما أنه نتاج واقع معاش نحسه ونتنفسه في كل لحظة0 واقع تغذيه عناصر عدة أبرز ملامحها جهل فاضح بالدين نفسه للدرجة التي تجعلنا لا نكاد نفرق بين الدين كمصدر وبين الخطاب الديني كمنتج تأويلي عن هذا المصدر. ومن حيث أنه اجتهاد بشري يسعى جاهداً إلى ترجمة الدين بما يتوافق وظروف الناس في الزمان والمكان المحددين0 وبما يملي ضرورة استمرار الاجتهاد في صيرورة أبدية تحتمها ضرورات الحياة نفسها0
إن الجهل بمثل هذه البدهيات كفيل بأن يجعل السواد الأعظم من الناس عرضة للابتزاز في دينهم ودنياهم وعرضة لاستلاب ارادتهم لمن ينوب عنهم في القيام بتحمل أعباء الوكالة عند الله والناس!! هذا الوضع الذي كرس بتعاور الأزمان لطبقة "رجال الدين" ذات المصالح الدنيوية الخالصة والتي مثلها مثل كافة الأنظمة الاجتماعية والسياسية الفاسدة والمتخلفة لا ترى في نفسها استمراراً دون الوقوف في وجه أي تغيير يصب في سبيل المصلحة العامة طالما أنه يحرمها امتيازاتها التاريخية!!0 ولأن الجهل بالدين من أخطر الأمور – لأن الدين نفسه ذو أثر عميق في تشكيل وجدان الإنسان- كان لا بد أن يصل الأمر بمسلمي اليوم إلى هذا الدرك من الانحطاط حينما سلموا ارادتهم بالكامل لهولاء "العلماء" وجعلوا منهم أصناماً مقدسة يستمدون من ترانيمها السحرية فلسفة الحياة ، ويقنعون منها بصكوك غفران الآخرة0 لذا فلا عجب أن نعيش كل هذا الخراب والدمار ونحصد كافة أشكال العصاب المختلفة التي تسمم حياتنا وتجعلنا نقنط من أي بوادر لحظة خلاقة تخرجنا من هذه الوهدة التي تلف حياتنا0
علينا كمسلمين "معتدلين" إن نخاف أنفسنا قبل أن يخافنا الآخرون، طالما أن ذات الوعي الديني الذي أنتج التطرف هو ما يغزي مفاهيمنا ، وطالما ذات الهزائم الاجتماعية ، السياسي والاقتصادية تلفنا بحيث ترجح في لحظة ما نوازع الشرور فينا على كل قيم الخير والمحبة والسلام0 إن النماذج التي سقتها كانت مثلنا يوما ما معتدلة وربما محبة للخير والحياة0 إذن ليس هناك ما يمنع تبادل الأدوار 0 وان كان هناك ما نفعله دوما في ظل هذه الظروف العصيبة هي الانتباه بشكل عملي ننجح من خلاله بالتصدي الواعي لكامل المنظومة الفقهية المنتجة لمثل هذه التغيرات ، ومن واقع كونها "خطاب ديني" عبر في أوقات معينة عن واقعه بكفاءة أنتجت انتصار حضاري سرعان ما تلاشى عندما أصر البعض على تأبيده والصاق القداسة عليه0

يقينا إن الشرور والنزوع إلى تدمير الذات والآخرين لا علاقة لها بالأديان وضعية كانت أم سماوية بقدر ما أنها حالات "عصابية" تغذيها ظروف معينة0 وهي حين تتوسل الدين ما ذلك إلا هروبا من عقدة الإحساس بالذنب وعذاب الضمير، حتى توهم ذاتها أنها تؤدي عملاً مقدساً!!0 فالأديان تتأسس على الأخلاق والفضيلة وهي قيم تحض على التعايش لا التناحر والكره، ولا غرابة إذن في أنها عبر التاريخ نجدها قد أسدت فضلاً عظيماً للإنسانية وخرجت بها من أوهاد البربرية وأكسبتها سمة التحضر والمدنية0 غير أنه – وللمفارقة- قد استخدمت من قبل العصابيين لوأد الحضارة وسيادة قيم البداوة والبربرية في كثير من الأزمان السابقة وكما هو حادث اليوم0

من المدهش أن تحدثنا السيرة النبوية أن النبي (ص) لم يقتل في طيلة غزواته أحد من خصومه – وربما قيل قتل واحداً كاد أن يفتك به- رغم أنه قائد جيوشه، ولا يترك ذلك دلالة ومغزى بين المتعطشين للدماء والمحبين للخوض فيها0 من المهم تأمل ذلك لما له من دلالات عظيمة قمينا بها هؤلاء الذين يرون أن أقصر الطرق للجنة هو ذلك المرصوف بالجماجم0
فإذا كان من الممكن إيجاد تبريرات للحروب ودوافعها الدعوية وفيما بعد السياسية ، إلا أن مسلك قائد هذه الحروب يسطر رسالة واضحة تتأسس عليها أخلاقيات القتال من وجهة نظر إسلامية على الأقل تنأى بنا عن فوضى الموت والدمار لمجرد إشباع نوازع التدمير المرضية كما حاصل اليوم0
إن مثل هذا السلوك الذي اتصف يه الرسول (ص) في الحروب يعطي للآية "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" معنى خاصاً وبعداً أعمق لا يمكن فهمه إلا بذات الكيفية التي جعلته عازفاً عن إزهاق الأرواح حتى وان كان واقعاً تحت ضغط إملاء الضرورة الإلهية بقتال المعتدين!!0 وبالطبع لا يفوت هنا مغزى مفردة "العالمين" بدلاً عن المسلمين وبما يكفي لتأكيد الرهبة والخوف من المساءلة في قتل النفس – بالمطلق- التي حرم الله، حتى وان كان هو ذات الله الذي أمر بالقتال.

إن ترك الأمر للأغبياء وشذاذ الآفاق ليكونوا الصوت الأعلى – نشازا- في التعبير عن الإسلام ، واقتصار الغالبية الساحقة من "المعتدلين" على البحث يمنة ويساراً على التبريرات هو الخزي بعينه والمأساة في كامل أبعادها0 إن أيديولوجيا التطرف ليست قدراً الهي ينبغي الانصياع له بقدر ما هي تزوير لمفاهيم وقيم الدين ساهمت في تجذيره خليط بائس من ظروف واقعية منحطة، وصعود قيم بدوية متخلفة مدفوعة بمقدرة اقتصادية إضافة إلى كلاسيكيات فقهية قد عفى عليها الزمن0 ينبغي التصدي فكرياً لهذه المفاهيم الهدامة حتى تعود الأمور إلى نصابها0 قليل من الصبر لتفكيك هذه القدسية التي تحيط بكامل المرجعية الفقهية قد تجعلنا ننجح ولأول مرة في معرفة الدين الذي نعتنقه وفق منهج عقلاني يتلاءم وواقعنا بعيدا عن هذه الأكليشيهات المسبقة والتي يريد لنا الغوغاء أن نزعن لها وندفع ثمن بؤسها0



http://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن